٥٥/٨/١
قضينا اليوم الماضى فى انتظار برقية لاسعافنا بسيارة بدل سيارتنا المنكسرة لنعود الى الوطن ؛ فلم نتحصل ذلك اليوم على جواب ، فانتهزنا الفرصة للتفرج على مدائن صالح المذكورة فى القران ، لنرى ما خلفه قوم صالح بعد أن أهلكهم الله تعالى بسبب طغيانهم وعصيانهم لنبيهم صالح عليه السلام ؛ ولعقرهم الناقة ..
مدائن صالح
كل ثلاثة جبال أو أربعة كبيرة مترامية الاطراف يطلق عليها اسم مدينة فجملة مدائن صالح سبع ، متفرق بعضها عن بعض ويطلق على جميع هذه المدائن (الحجر ) قال الله تعالى : ( كذب اصحاب الحجر المرسلين ) .
فأول ما يشاهد الانسان جبلان متقاربان من بعضهما - واحد من الاثنين يحتوي على سبعة منازل كلها في دائرة الجبل ، قريبة من السفح ، والمنزل عبارة عن مكان منحوت مفرغ باطن الجبل بحتا هندسيا يعجز القلم عن وصفه - فطوله مترو ونصف متر ، وعرضه متر ، وفي اعلاه وجانبيه نقوش هندسية كالنسر وكبعض انواع الطيور ، ويوجد على بعضها بدل الصور ( لوح )منحوت فيه حروف مجهولة . وعلى العموم فهذه الاما كن هى موضع استغراب وان هذه الامة الجبارة التى استطاعت في ذلك الزمن الغابر أن يخلد إسمها في التاريخ بعملها هذا الهندسى العظيم الذي فاق هندسة الفراعنة في النحت والتصوير ، والتي شهد لها القرآن الكريم - بالقوة والجبروت - أنها
أمة ذات مدنية وحضارة ولولا عصيانها للخالق جل وعلا لكان لها اليوم شأن يذكر .
والمنزل في الحجر ليس الا عبارة من مكان واحد لا تعلوه طبقة اخرى. ومساحة المنازل متفاوتة ، فيوجد منها ما تبلغ مساحته ٤ امتار طولا ومثلها عرضا ، والبعض أوسع والبعض أضيق ، وكلها قطعة واحدة من الحجر ، ويجد الانسان غالبا فى كل هذه المنازل مستودعات على شكل خزانات ورفوف .
وقد شاهدنا احد هذه الجبال الشاهقة فانبأ نا الدليل بان في علوه منزل ( بنت السلطان ) أي سلطان قوم صالح ، ولم نستطع الصعود اليه لشدة انخفاض مستوى الارض وارتفاع مستوى الجبل ، بفعل السيول ولطول الزمن ، وهكذا بقية الجبال الكثيرة العدد . ويؤكد العارفون ، ومن (اشتغلوا في مد الخط الحديدى ) أيام إنشائه هناك ، انه كان يوجد من قديم الزمان آثار مهمة من بقايا آثار قوم صالح ، ولكن الايدى (نقلتها )
وقد استغربنا جدا من قوة هؤلاء الجبابرة ، أزاء نحتهم الجبال ، وانخاذهم من الصخور مساكن تقيهم الحر والقر ، وتريحهم من عناء خراب السقوف والانهيار والحريق - ويقول علماء الجيولوجيا : ان الذى ساعد قوم صالح على نحت هذه الجبال واتخاذها سكنا لهم - هو أنه كانت ، فى الغالب ، هذه القطعة من الارض جزءا من البحر الاحمر (فانخفض ) البحر وجفت هذه الارض فاستوطنها قوم صالح ، ولهذا يجد هذه الجبال كلها ذات ثقوب ، طولى الثقب فيها ذراع او أقل ، وكانها مخابئ لحيوان البحر ، ولم يساعدهم على النحت الا رخاوة مادة هذه الجبال ، فلو كانت من الحجر الاصم لما استطاعوا ابداع ذلك وفعله . والذي يزيدني يقينا على أن مدائن صالح
كانت جزءا من البحر هو ماشاهدناه - وذلك ان جبلا صغيرا على شكل (شمسية ) يستظل تحته ٩٠ رجلا ، فقاعدته لا يتجاوز سمك دائرتها المترين؛ والجبل واقف على هذه القاعدة المثيرة للاعجاب - وقد استظللنا جميعا مع سيارتنا من الشمس تحت هذا الجبل .
سرنا متنقلين ؛ هنا وهناك - أحيانا بالسيارة واخرى على أرجلنا حتى توسطت الشمس في السماء ؛ وحميت أشعتها ، فامتطينا السيارة قاصدين المحطة الكبرى للخط الحديدى ، وهي المحطة الثانية الكبرى الرئيسية بعد محطة المدينة ( وهي لا تخرج عن مدائن صالح ) .
سارت بنا السيارة فوق مرتفع من الاوض ؛ وأمامنا ؛ وعلى بعد عشر دقائق ؛ المحطة ومستودع القاطرات والمركبات ومخازن الفحم ومستودعات المياه ومساكن العمال ؛ ونزل المسافرين ؛ بشكل يثير الاعجاب والتقدير ؛ كأنها مصانع اوروبا لضخامة بنائها وشكلها الهندسى الجميل وسمك مداخنها وطول ارتفاعها .
وأول ما صادفنا ورشة مساحتها طولا ( ٦٠ ) مترا وعرضا ( ١٥) بالتقدير منظمة تنظيما فنيا بشكل هندسي ، وقفنا مبهوتين أمام عظمة هذه الهندسة هندسة البناء وتشيبده ؛ على أحدث طراز لورش السكك الحديدية فى العالم .
يضم هذا المصنع بين جدرانه يمنة ويسارا ؛ عدة مخارط كبيرة الحجم ؛ وفي سقف المصنع عجلات عديدة تديرها الة كبيرة تدار بالغاز ؛ ويحرك العجلات عدة ( سيور ) وقت الطلب ؛ وفي الجانب الشرقي للمصنع السابق وعلى بعد عشرة أمتار المصنع الثاني ومساحته كالاول ؛ الا انه يمتاز عن سابقه بالارتفاع ، وهو سد - خصيصي ) لتصليح القاطرات والعربات
فالخط الا تى من المدينة ، ينقسم الى قسمين قرب باب المصنع ؛ فتجتازه القاطرة المراد إصلاحها خطا ، وتدخل للاصلاح ؛ وتجتاز العربات خطا آخر بعد فصلها عن القاطرة . وفي نهاية المصنع فى الباب الثاني ، يمثل هذا الدور على فرع الخط المتجه الى الشام شمالا ، فتعدل فى سيرها - وهكذا فى القدوم والذهاب وعلى بعد عشرين مترا بناية معدة لنزول المسافرين فيها شبه ( فندق ) وأمامها مكتب للموظفين واخر لالة البرق ؛ ووجد هناك صهاريج عديدة لخزن المياه والفحم وبعض الآلات المعدة للاستعمال .
ويضيق بى المقام هذا اليوم فى ذكر مشاهدته وما رأيته ؛ وعلى كل حال فهذا الخط يعد ذخيرة جزيرة العرب ؛ وشريانا من الشرايين الحديثة في تسهيل مواصلاتها فحبذا لو استثمر وأحي ! إذن لدرخيرا كثيرا وربحا وفيرا ، مكة
