وكان رحمه الله طوالا اسمر اللون مستطيل الوجه ، اقني الانف وفي فتحتى أنفه سعة ، عريض الجبهة ، واسع العينين أدعجهما يشع منهما بريق العبقرية وينمان على نبل وطيد وعزيمة جبارة وصلاح كمين ؛ وكان خفيف العارضين خفيف الذقن ، خفيف شعر الحواجب واسع الفم ، متوسط حجم الجمجمة ، وكان دقيق الاصابع ، نحيف الجسم .
ومن اخلاقه التواضع والحنو على البؤساء وسلامة الصدر والزهد فى متاع الدنيا ، وكان كثير العبادة وتلاوة القرآن فقد كان يحفظه عن ظهر قلب وكان صوته فيه رخيما طالما أشجى السامعين بتلاوته له حينما يمضى هزيع من الليل ، ومن دأبه القيام فى آخر كل ليلة فيتوضأ ويتهجد حتى ينشق عمود الفجر فينزل إلى المسجد النبوى ليصلي فيه الصبح مع الجماعة وكان حريصاً على أن يصلى فى الصف الأول فى الروضة الشريفة ثم يجلس يتلو ما تيسر من القرآن والدعوات حتى تشرق الشمس فيصلى الضحى تم ينقلب الى بيته بعد ان يدرس بعض الطلاب ويتناول طعام الفطور بين أكداس الكتب ، وكان قليل الطعام بسيطه الى الغاية ، وكان عطوفاً على اهله وذوى قرباه يغمرهم بفيض بشره وبفيض احسانه ، لا يمسك عنهم فلساً ولا درهماً ولا ديناراً ، فما دخل بيته من النقود فهو يدخل ليتفرق على المحتاجين من الأقرباء والطلاب والقاصدين وكان لا يترك صلاة الجماعة بالمسجد النبوى ما مكنته صحته من ذلك وهو معتكف ليل نهار ، فاذا صلى الفروض والنوافل به واظب على التدريس فيه ولا يعود بعد الظهر للغذاء الى منزله الا متأخراً ، ولا يعود اليه فى الليل الا
بعد ان تغلق ابواب المسجد النبوى ، وحينما يؤوب الى البيت فليس للراحة يؤوب فهنا ايضاً طلاب ينتظرون دورهم من التدريس وهكذا الى نهاية ثلث الليل الأول . . وكانت أوقات دروسه تشمل سائر الاوقات فيدرس بعد الفجر وبعد طلوع الشمس وقبل الظهر حيث كان مدرس فن التوحيد بالمدرسة السعودية ويدرس بعد الظهر وبعد العصر وبعد المغرب وبعد العشاء بالمسجد النبوى
وهكذا وهب نفسه وصحته للعلم ، الى آخر قبس من هذه الصحة . . وكان حريصاً كل الحرص على الموت فى المدينة والدفن فى البقيع ، ولذلك لا يريم عنها الى بلد اخرى اللهم إلا مكة حينما يهم بالحج فاذا اتم مناسكه آب الى المدينة سريعاً وقد حج خمس حجات . . ولا يزال الناس يذكر كرون تلك الازمة الخانقة التى جثمت على المدينة إبان الحرب العالمية الأولى ، فقد استمرت زهاء أربع سنوات ، وفقد كل شىء يسمى غذاء في المدينة تقريباً وبلغت قيمة الرغيف المسود الضئيل الذي لا يزيد عن تدويرة السبابة مع الآبهام ، الى ريال اي خمس جنيه ذهب - في تلك الازمة وفي ذلك الكرب الخانق وفي ذلك الظرف العصيب لم يشأ الشيخ أن يغادر المدينة مطلقاً ولو لا شفقة منه على الصبية الصغار الذين كانوا يتضورون جوعاً بين يديه لمكث فى المدينة الى ان تفيض نفسه فيها او يقضى الله أمراً كان مفعولاً .
وحينما اشتدت عليه وطأة المرض الأخير وعجز الطب الموجود فى المدينة عن مقاومة داء " انحلال الاعصاب " الذي اناخ عليه نتيجة اجهاده لجمه وعقله فى هذا الظرف العصيب ايضا اشار عليه بعض الأحباء والخلصاء بان يسافر الى مصر لان العلاج اللازم هناك لك أوفر منه فى المدينة ، وقد قابل هذه الاشارة بالرفض البات . ذلك لأنه قد عقد النية ان لا يفارق هذا لبلد الحبيب الى قلبه خصوصاً فى ساعات دنو الخطر.. وكذلك نال آمنيته فمات بالمدينة عن سبعة وستين عاماً ، وكانت وفاته فى الساعة الثانية والدقيقة فيها من يوم الأثنين الموافق ٧ من شهر جمادى الثانية سنة ١٣٦٣ ه ودفن فى عصر ذلك اليوم بالبقيع فى الركن الجنوبي الشرقي منه . وقد روع الناس بوفاته وشعر وابهول
المصاب ، واشترك في تشييع جنازته الى مقرها الأخير جم غفير من مختلف الطبقات . ورثاه الشعراء بقصائد تفيض بالأسى والالتياع ، وكانت الصحافة اذ ذاك محتحبة بازمة الورق التى سببتها ظروف الحرب العالمية الثانية . وكانت جريدة أم القرى الرسمية هى التى تصدر وحدها اذ ذاك ، وقد نشرت عنه كل مؤثرة نوهت فيها بفضله فى احياء العلوم . وقد سكبنا نحن هوع هو عزن الفياضة لفقد هذا الوالد الوفى العزيز ، فقد كان له علينا سنام الفضل بعد الله سبحانه وتعالى ، تربية وتعليماً وتقويماً . رحمه الله . . رحمه الله..
وبعد فهذه سيرة رجل قضى عمره فى سبيل إحياء العلم والثقافة وقد دلف الى ربه الكريم ناعم البال قرير النفس راضياً مطمئناً ، منشرحاً مستبشراً ، غير آسف على فراق الدنيا ، محتسباً الأجر الجميل عند من لا يضيع لديه أجر من أحسن عملاً .
وقد أحببنا ان نسجل سيرته غير مغالين ولا مداجين ارضاءاً للتاريخ ولتكون نبراساً للمترسمين فان فى سيرته مطالع نهضة جديرة بالاستقراء والأتساء . . وحسبنا اننا قد أرضينا التاريخ بإماطة اللثام عن سيرة أحد أعلام الأجلة الشامخ وحسبنا اننا قد أرضينا ضميرنا فى القيام ببعض ما يجب علينا لهذا " العلم " الراحل العزيز علينا من دراسة وجلاء وتحليل

