الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "المنهل"

٥ - اعلام العلم والادب في جزيرة العرب, الشيخ محمد الطيب الأنصاري، ١٢٩٦ ه - ١٣٦٣ ه

Share

تعتبر دراسة سير الأعلام ، والكشف عن ماثرهم ، واستقصاء آثارها واستعراض ماقدموه فى حيواتهم الخاصة للحياة العامة - من اروع الحوافز التى تدفع بسفينة الحياة الى الأمام ، ومن امتع البواعث التى تزجى بموكب الانسانية الى ذرى النهوض المروم

ذلك لأن " الأعلام " يمثلون فى سفينة الحياة " البوصلة " التى تعين الاتجاه ويمثلون فى موكب الحياة " الادلاء والقادة والاطباء والمرشدين " فهم قد سبروا اغوارها ، وهم قد عرفوا معالمها . . وبما منحوه من اصالة رأي وصلابة عزيمة وطموح وثاب استطاعوا ان يروضوا جماح وعورها وان يسيطروا على اجوائها وان يثبتوا لتقلباتها ، وان يحتازوا عقباتها فيصلوا الى الاهداف العالية بعد كفاح وجهاد . . ومن اجل ذلك كانت " سيرهم " بحق " صوى " ظاهرة فى طريق التقدم العام ، من دابها ان ترشد مواكب الحياة المتدفعة فى امان واطمئنان

وتتمثل هذه المواكب فى شباب الأمة وفي ناشئتها . فاؤلئك وأولاء اذا وفقوا لوجود الادلاء الخبراء الذين يجمعون الى خبرتهم ، اخلاصا ، والى علمهم عملا ، واذا درسوا حيواتهم وفقهوا دقائقها ، ووقفوا على نقط نجاحهم واخفاقهم واستوعبوا ما تعرض سيرهم من العقبات والازمات وثقفوا ما نهضوا به تلك العقبات والازمات من الوان الكفاح ، فان دراستهم لكل ذلك يجعلهم يطمئنون على مستقبلهم ، وبالاطمئنان ترتفع درجة طموحهم وتغلى دماء

العزيمة المتوثبة فى شرايينهم . فتحفزهم الهمة المتوثبة والمعرفة المتعطشة الى مواصلة السير ، وسرعان ما يبلغون الغايات التى اليها يهدفون .

وهذا " علم " من اعلام التجديد والبعث العلمى فى هذه البلاد ، سطع نجمه فى افق " المدينة المنورة " وانتشر صيته فى ارجاء البلاد بعد ذلك وماخبا هذا النجم الوضاء حتى كان قد اطلع " كواكب " علم وثقافة وادب رفيع لها اثرها المبين فى حفز الأمة الى ارتياد مناهل النهضة الشماء

وقد شرح الله بعلمه صدورا ، واضاء به ادمغة ، وثقف به افكارا وجدد به تيارا كاد ينقطع ، فكان من نتاجه " العلماء " و " القضاة " و " الادباء و " الكتاب والشعراء " و " المديرون والرؤساء " . وقد قام كل واحد من هؤلاء بقسط طيب فى الحقل الذى يعمل فيه

وكدأب الاعلام أذوى هذا " العلم " الشامخ ناضر شبابه ، وطوى بساط كهولته ، وداف الى الشيخوخة الواهنة ، ضعيف جسم ، متداعى بنيان قوى نفس ، عامرا بالايمان ، راضيا مطمئنا ، فرحا مستبشرا وثابتا ايدا يحمل في يده " مصباح " ميدئه السامى مصاح العلم الوضاء فهو يضئ به ما وسعته الاضاءة . . واختطفته يد المنون و " المصباح " المشع لا يزال قريبا منه ، واليفا حبيبا الية لم يطق له هجرانا ولا فراقا حتى لكانه وهذا المصباح روحان ممتزجان هبطا الى جسم واحد فلا ينفصل احدهما عن الاخر حتى يطيرا معا عن هذا الجسد الذى احتلاه معا .

وهكذا وفق الله شيخنا " الشيخ محمد الطيب الانصارى " لتكوين حلقة جديدة من حلقات تقدم المعرفة فى هذه البلاد من ناشئة ومن شبان يعترفون له بالفضل ويذكرون له حسن التعليم ويذكرون له حسن التقويم ويرون سيرته من اضو السير ، وحياته من احفل الحيوان بالخلود والتقدير وحسبه ذلك ان يرفعه الى مصاف اكابر العلماء العاملين

والمعاصرة تذهب المناصرة . . هذا المثل الحكيم الذى كثيرا ما كان يستشهد به الشيخ فى المناسبات كان منطبقا عليه من بعض الوجوه فبرغم سطوع فضله وعلمه كانت ريح المعاصرة تفعل فعلها بعض الاحيان فى ذر الرماد على العيون . وما هو الا ان غاب عن العيون ماسوفا عليه حتى حل التقدير محل التكدير ووضع فى المحل اللائق به من أثبات العلماء الاعلام

ورحم الله الشيخ رحمة الابرار وأحله دار الكرامة والرضوان فقد كان لا يحمل حقدا لأحد ، كان صافي النفس صفاء الجوهر كان بسيط المظهر عظيم المخبر كان لا يرضى بغيبة او نميمة ولا يوافق على كلمة السوء تقال فى مجلسه عن احد وقد راض نفسه على الزهد والورع واتباع السنة المحمدية الغراء ومن ذلك انه كان لا ينصرف عن جليس مهما اطال الحديث وامل فى الجلوس حتى يكون الجليس هو المنصرف . . وكان الى سماحته النفسية متحليا بحلية الاخلاص فيما ينشره من علم لا تشوب كفاحه فى تحطيم " ذرة " الجهل وتدعيم " صرح " الثقافة الاسلامية ذرة من اغراض الدنيا . . لا الشهرة ولاحب الجاه ولا المال ولا عرض من هذه الاعراض التى تستهوي النفوس يستهويه .

وكان شجاعا صريحا " مثالى " النزعة مثالي التفكير مثالي الحياة والاتجاه والاهداف كان ينشد رضا البارىء جل وعلا حيال تعليم عباده المؤمنين وكان يرى " هالات " التقدير والولاء من . ذوى الجاه الطويل والنفوذ العريض تفتل برودها بين يديه وتغريه بالاقبال عليهم وما هو الا ان يشعر بما تطويه في تلافيفها من مس لكرامة دينه اولكرامة مبدئه واذا به يزور عنها ازورارا ويصدف عنها صدوفا لا تاخذه فى ذلك لومة لائم ولا يثنيه نصح ناصح . . ذلك لأنه كان يرى " عرض الدنيا " بعين المبصر الخبير فهى كلها خيال فى خيال وامورها جميعا الى زوال وما عند الله هو الباقى على كل حال وهو وقد استوعب بقلبه وروحه هذه الحقيقة الرائعة انما كان ينظر الى متاع الدنيا مهما جل خطره نظرة المستخف له لأنه يشرف على خرائبها المتداعية من موطن

عال يكشف له عن حقائقها الواهية المزيفة ولذلك فانها لا تساوى عنده ما تقابل به من هذا الاحتفال والاحتفاه .

ذلك خلق اصيل من اخلاق الشيخ وجزء لا يتجزأ من حياته يعرفه كل من له صلة به ويعرفه كل تلاميذه وكثير منهم ولله الحمد على قيد الحياة فما منهم الا من خبر هذه الخليقة من خلائق استاذهم ثم ما منهم الا من اعجب بانكباب الشيخ مع مهاجمة شتى الامراض لجسمه الضعيف - على المطالعة والتدريس والمباحثة والتأليف .

وقد اشفق الكثيرون منهم ان يصرم ذاك الانهماك المتمادى حبل حياته ولكنه ما كان يبالي نصحهم ، وما كان يبالي التعب والمرض والألم . . ان روحه تسبح فى آفاق ممتعة من العلم اللذيذ .

وشئ اخر يشرح لنا " نقطة " من نقط سموه ومبلغ تاثير جهوده الفذة فى الحقل الذي ظل يعمل فيه طيلة حياته لا من ناحية التعليم وحدها فقد كان الشيخ يرى ان خير العلم مابني على اساس من الخلق الفاضل الرصين ، وهو قد الفى ناشئة سامية الاصول ولكنها فتحت العيون فى جو يكاد يطبق عليه الظلام الدامس وهو قد الفى شبابا زكى الاعراق ولكن اذهانه تفتحت فى جو مشبع بالركود الطامس . وازمع الشيخ ان يبتعث من هذه التربة الخصبة خصبها العريق الكامن فيها منذ عهد اسلافها الاولين فكان فى دروسه التى لا تنقطع بالمسجد النبوى ليل نهار : " المحاضر " اللبق الذي درس من طوايا النفوس ما اهله ليقتادها بمغناطيس عباراته المشرقة . . وكان ينتبز الفرص المناسبة فى سبيل الهاب الحماسة في طلابه لاستعادة المجد الاسلامى التليد : " فأنتم يا ابنائى الاعزاء حفدة أولئك المجاهدين الابطال وابناء اولئك العلماء العباقرة فجددوا مجدهم بالعلم القوى والخلق القوى والعمل القوى فما يتجدد مجد لامة الا بالعلم الرشيد والعمل الرشيد " :

يتبع (

اشترك في نشرتنا البريدية