وكان يحض طلبته على انطلاق الفكر فى آفاق البحوث العلمية فى استقلال من الرأي وفي رزانة من التفكير ولا يقبل منهم " الكسل " الذهنى مطلقا ومن عنايته باستثارة حرارة تفكيرهم فى العلوم انه كثيرا ما يعقد لهم الاختيارات فى حلقات دروسه وفى غير حلقات دروسه ، تحسسا لمدى تاثرهم بالجو العلمى الذي هياه لهم . . وفى اخلاصه المتمثل فى مطابقة مقوله لمفعوله ، ومواءمة سريرته لسيرته ، خير حافز الى الاسترشاد بتوجهه . وكانت نفوس تلاميذه فى اثناء تلقيهم العلوم عليه في حلقات تدريسه تنطلق من أرواحهم " شرارات " الغبطة والشعور بالمستقبل الباسم ، نتيجة لما كان يغرسه فيهم من عزة وشمم واباء وتفاؤل حميد .
وكذلك لم يفشل تلاميذه فى الحياة العامة ، كما لم يفشلوا فى حياتهم العلمية نجاح يقترن بنحاح وقد وفد اليه اناس شبوا فى اسمال البؤس والجهل وما هو الا ان لازموه حتى فتح الله عليهم بالعلم اولا وبالمال ثانيا وبالجاه والنفوذ ثالثا ، بعد ان لم يكونوا شيئا مذكورا .
وتتمثل نزعة " المثالية " فى تلاميذه ، والاستاذ والد الروح ورائد النفس ، واراؤه وتعليماته تنطبع فى مرايا طلابه بقدر ما يمتثل هو شخص تلك الاراء والتعليمات ، وقد غرس هذا الشيخ نزعة المثالية فى طلبته ، غرسها عمليا ، وغرسها قوليا ، وقد نجح جلهم فى الحياة لأنه رسم لهم اسس هذا
النجاح ، الا وهى " تسامى المثالية " وتعيين " الأهداف " وكان لكل ناجح منهم حقله الذي يعمل فيه وهدفه الذى يسعى اليه ، فمن كان عالما " فهمه نشر العلم المغذى للآفكار خير غذاء ، ومن كان منهم استاذا فهمه ترقية مستوى الطلاب وتغذية افكارهم بلبان العلم المفيد ، ومن كان منهم تاجرا فالصدق والأمانة والاخلاص ديدنه ، ومن كان منهم اديبا فانه ليفرغ جهوده فى ترقية الأدب الرفيع الممتع ، ومن كان منهم رئيسا أو مديرا فانه يعمل فى ادارته على النحو الذى يرضى ضميره . . وهكذا وجد " البستانى " الماهر " الحقل " الطيب ، خصبا فملاه علما وصفف به زهورا رائعة وغرس به اشجارا نضرة تؤتي اطيب الثمار .
ومع أن العلم الذي زاول الشيخ نشره هو العلم العربي المحض من نحو ولغة وبيان ، وادب وفقه وحديث وتفسير الخ ، فقد ساير طلابه الناجحون ) وجلهم ناجح ( النهضة الحديثة وكان بعضهم من روادها ومن بناتها ، وما كانوا مطلقا اقل فى هذا الميدان من زملائهم الاخرين الذين كانوا يظنون قبلا انهم شأوهم فى هذا الميدان
وللشيخ فلسفة حكيمة فى هذا الباب ، كثيرا ما كان يقررها فى مجالسه الخاصة والعامة . . انه يقول : " ان هذه العلوم على اختلاف اوضاعها هى عبارة عن شجرة ذات جذع ضخم تسقي سائر فروعها الملتفة حولها بماء واحد هو الجد والعناية بالتحقيق ، فمن سمت معرفته فى بعض فروع العلم هان عليه اقتطاف الثمار من فوق سائر الغصون إذا اتجه الى ذلك فى يوم من الأيام "
تلك ومضات خاطفة اقتنصناها من مقومات سيرة راحلنا العزيز وما بنا وقد جلوناها على منصة هذا البحث الا ان نزجى بالقلم الى تحليل النواحى المحسة من حياته اداءا لواجب البحث العلمى من هذا الوجه ايضا .
وشبابها الذين أصبح الكثيرون منهم اليوم ، علماء وادباء وقضاة ورؤساء وتجارا ، وواظبوا على طلب العلم لديه ، وعنى كل العناية بتثقيفهم وتعليمهم فقد كانت عاطفته السامية منصبة على نشر العلم الى وجد لذلك سبيلا وهو من هذه الناحية " زميل " مقارن للشيخ محمد عبده على فارق ملحوظ بين اتجاهى الشيخين ، فلكل منهما منهجه فى الاحياء ولكل منهما ظروفه وبيئته ومحيطه الذي يعمل جاهدا فية ، وقد ناله شىء مما ينال اضرابه من المصلحين من دعايات مغرضة ولكن روحه المشرقة الصافية البريئة سرعان ما اطفات تلك الدعايات فارتفع الى مصاف اكابر الرجال الناهضين ، وقد عين فى مناصب علمية كان أولها رياسة المدرسين بمدرسة العلوم الشرعية ، فمدرسا رسميا بالمسجد النبوى ، فمراقبا للمدرسين اضافة الى التدريس وتوفي وهو يشغل هذا المنصب العلمى
) يتبع (

