- ١ -
وهب هذا العالم المحقق نفسه للعلم من صغره الى كبره ، فهذا فى تعلمه ببلده ، وجاب اقطار العروبة شرقا وغربا وشمالا من اجل امتلاك ناصيته في زمن كان حبل الامن فيه مضطربا والمواصلات بين هذه الاقطار بطيئة تكاد تكون منقطعة ، ثم نشر العلم بعد ذلك مدرسا ، وهاهو يحاول النهوض به " مدبرا
عاما للمعارف " فى هذه البلاد وصاحبنا الى علمه يمثل الروح المتوثبة الطموح . فلا يرضى الا بمعالى الأمور . ولا يقبل " لشجرة " العلم الا ان تعمق جذورها لتنمو غصونها نموا طيبا وتؤتى ثمارها الجيدة زاهية :
بيئته ونسبه
من شأن البيئة الطيبة ان توجه الناشئ الى الحياة الطيبة المجدية . والبيئة التى وجد فيها فضيلة الشيخ مدين مانع بيئة علم وفضل وصلاح فوالده الشيخ عبد العزيز من كبار العلماء الذين يشار اليهم بالبنان في ( عنيزة ) كبرى بلاد القصيم بنجد وجده لأبيه الشيخ محمد كذلك وشهرة جد ابيه لامه الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بابطين تغنيه عن التعريف . وعمه الشيخ عبد الله من فضلاء العلماء تولى قضاء عنيزة .
ووالد جده لأبيه هو عبد الله بن محمد بن ابراهيم بن مانع الوهيبي التميمي
ولادته ونشأته وتعليمه
ولد فى عنيزة فى احد الربيعين عام ١٣٠٠ ه . وادخله والده المدرسة ليتلقى بها القرآن وعمره سبع سنوات . وتوفى والده عقب ذلك فكفلته والدته واحسنت الكفالة وختم المصحف في مدة وجيزة ، وبدا يطلب العلم على عمه الشيخ عبد الله فقرأ مبادئ النحو والفرائض ومؤلفات الشيخ محمد ابن عبد الوهاب التى يدرسها الطلاب هنالك وغيرها .
رحلاته في طلب العلم
تأبى النفوس الطامحة على اصحابها القناعة بالمحصول السهل القريب . . وهي لذلك تدفعهم دفعا ما الى مقاومته من سبيل ، تدفعهم الى المغامرة . ومن مظاهر هذه المغامرة فى طلب العلم خاصة ، قديما وحديثا يحمل طالبيه مشاق الغربة والوحدة فى سبيل تحصيله من رجال العلم فى مختلف الاقطار وعلى هذه الوتيرة اندفع الشاب محمد بن مانع الى الاغتراب . مبتدئا فى رحلاته التعليمية
ببلدة ( المذنب ) كمنبر فى القصيم ، وانكفأ منها الى عنيزة ، ولكنه عاد الى الارتحال ، فسافر الى بريدة ثم آب الى وطنه عنيزه ثم الى البصرة ونزل بها على اقارب له من الاثرياء وانس بالراحة بين ظهرانيهم ، ولكن اجراس النفس الطموح دقت مؤذنة اياه بالانصراف عن هذه الراحة الي تحصيل العلوم ومن ثم قصد بغداد ودخل المدرسة المرجانية ومدرسة الحيدر خانة وقرأ بهما مختلف العلوم ، ولم يكتف بما تحويانه من دروس ، وفى مصر بحر زاخر من العلم ، يتمثل في الشيخ محمد عبده رحمه الله ، فليرتحل الى مصر وقد فعل وحضر دروس الشيخ وتردد على صاحب المنار ، ودخل الجامع الازهر وقرأ فيه على مشايخه الكبار فلما ارتوى من ذلك المعين الفياض ازمع العودة الى بغداد عن طريق الشام واقام بدمشق مدة ملازما الدروس بالجامع الاموي وفيها تعرف بعالمى الشام الشيخ عبد الرزاق البيطار والشيخ جمال الدين القاسمى ولازم مكتبة الظاهرية فى جميع اوقاته باحثا عن كتب شيخ الاسلام وسائر الحنابلة وحينما ازمع فراق الشام الى بغداد زوده الشيخ جمال الدين بنصائح وعظات قيمة واعطاه المطبوع من مؤلفاته . ورجع الى بغداد فانكب على تحصيل العلم على استاذه القديم السيد محمود شكرى الالوسي مدرس مدرسة جامع الحيدر خانة وقرأ عليه مختلف العلوم ومنها علم الوضع الذي كتب له شرحا على منظومة العطار التى أولها -
دونك يا من يبتغي العلوم مسائلا تزين الفهوما
مختارة من فن علم الوضع واسأل الله جميل الصنع
وقرأ شرحها على مؤلفه وشيخه المار ذكره .
ودخل المدرسة المرجانية ثانيا وفيها درس كتاب " مغنى اللبيب " فى النحو وعلق على شواهده بعد ان جمعها . . وهكذا اكمل فى بغداد جل دراسته العلمية على مختلف العلماء الاجلاء وبعد ان انتهى من الدراسة ازمع الاوبة الى نجد ، واسف السيد العالم يحيى الوترى مدرس المدرسة الاحمدية وكان تلقى عنه علوما جمة ، على فراقه بعدما رأى من نجابته وجده فقال مخاطبا السيد
راهيم الالوسي : لما حضر معه لتوديعه : ( انه ليحزنني ان تذهبوا به ) . كلمة تدل على التقدير والإكبار :
اساتذه ودراساته
اخذ مبادئ علم النحو والفرائض وغيرهما على عمه الشيخ عبد الله ، واخذ التوحيد والحديث على الشيخ عبد الله بن دخيل . ومن اساتذته فى مختلف العلوم الاسلامية الشيخ عبد بن عبد الله آل سليم ببريدة والشيخ عبد الله بن فدا وعلامة العراق السيد محمود شكرى الالوسي رحمه الله . والشيخ مجد عبده بمصر رحمه الله . والسيد على الالوسي والشيخ عبد الرزاق الاعظمى والسيد يحيى الوترى والشيخ عبد الوهاب النائب امين الفتوى ببغداد ، ومما قرآه عليه شرح رسالة الكلنبوى فى آداب البحث والمناظرة ، وقد علق عليه الشيخ محمد ابن مانع يومئذ هذه الابيات من نظمه :
هلموا بني الآداب سعيا فهذه رسالة مفضال تفوق الرسائلا
حوت غاية الابحاث لابل جميعها وقد كان فيها الفن اجمع حاصلا
فياطالبى علم المعارف اقبلوا عليها ولا تلووا كمن كان جاهلا
ولما قرأ استاذه هذه الابيات اضاف اليها :
ففيها لارباب المعارف مسلك يكون لاظهار الحقائق كافلا
ومن اساتذته الشيخ صالح بن عثمان القاضي احد تلاميذ والده ( بعنيزة ) والشيخ محمد العوجاني ( بالزبير ) . والشيخ عمر حمدان المحرسي ، والشيخ حبيب الله الشنقيط ( بمكة )
وقد تلقى على اساتذته الذين مر ذكرهم في هذا الفصل ، علوم اللغة العربية والتوحيد والحديث والتفسير والفقه الحنبلي واصول الفقه واصول الحديث والحساب والوضع والمعقول . وكان فيها مبرزا مما دعا احد اعيان نجد البارزين
في الهيئة الاجتماعية وكان مقيما فى بغداد الى ان يخصصه بامامته وان ينيط اليه التدريس له خاصة دون سواه .
رحلاته فى نشر العلم
اذا امتلأ النهر وطما فشأنه الفيضان وكذلك بدأ الشيخ بعد ما فرغ من تحصيل العلوم ، فى نشرها بارجاء الجزيرة العربية . وافتتح العهد الجديد باستجابة الدعوة التى وجهها اليه الشيخ مقبل الذكير بالبجرين ليدرس في ( النادى الاسلامي ) الذي اسسه جماعة من اعيان اهل البحرين وقام بتدريس العلوم الإسلامية فيه وجد في نشر عقيدة السلف ووعظ في احد مساجد البحرين وانتفع بعلمه خلق كثير .
ثم كان ان دعاه حاكم قطر اليها بعد امضائه اربع سنوات فى البحرين ليؤدي مهام الوظائف الدينية كالوعظ والافتاء والقضاء والتدريس بقطر ، وأنشأ الشيخ خالد بن محمد الغانم والشيخ ابراهيم بن صالح البا كر من اشراف تلك البلاد وأعيانهم ، مدرسة سميت ( الأثرية ) فتولى الشيخ محمد بن مانع التدريس بها ، ورحل اليه الطلبة من نجد وعمان ومن البحرين وفارس ، وشمر عن ساعد الجد في بث العلم ، وكان من ثمار ذلك ان شعل بعدئذ كثير من تلاميذه المتخرجين على يديه مراكز عالية فى بلادهم .
وفى سنة ١٣٤٢ توجه الى مكة المشرفة للحج فبلغها بغرة شهر رمضان وواظب على سماع دروس علماء المسجد الحرام . وقرأ على الشيخ عمر حمدان المحرسي بلوغ المرام وألفية السيوطي في علم الحديث وشرج النخبة للحافظ ابن حجر والأربعين العجلونية واجازه الشيخ اجازة عامة . كما قرأ على الشيخ حبيب الله الشنقيط الأربعين العجلونية وعرض عليه بعض المحفوظات واجازه إجازة عامة وخاصة في بعض كتبه فى الحديث وقفل بعد الحج الى قطر .
وفي سنة ١٣٥٨ ه سافر الى الاحساء لبعض لوازمه الخصوصية فاقام بها نحو امن اربعة اشهر واظب فيها على مذاكرة العلماء ومحاضرة الأدباء . وحينئذ تلقي امرا من جلالة الملك عبد العزيز آل سعود بالتوجه الى مكة . ولما سمع بقرب سفره عالم الاحساء الشيخ محمد بن عبد الله آل عبد القادر الأنصارى كتب اليه يقول .
هبوا لي صبرا قبل يوم التفرق يخفف مابى من عظيم التشوق
ولست بسال عن هواكم وان سلا الــــــ ـمغرب يوما عن حبيب مشرق
وكيف سلوى عن لطيف شمائل ارق وأصفى من شمول معتق
شمائل تهدى الزائرين بعرفها لصاحبها الشهم التقى الموفق
( محمد ) المعطى المنى و ( ابن مانع ) لأهل الردى عن غيهم والمعوق
محرر فقه الحنبلي بعصره وحافظه فى قلبه بالتحقق
اناف على الأقران فى كل محفل وجاد بهتان من العلم مغدق
اديب له فى كل فن دراية فاصبح يدعى جامع المتفرق
فيا شيخنا المرفوع فينا مقامه بأكبادنا يوم الفراق ترفق
حللت بوادينا فحل بنا الهنا فوا أسفى نرمى بسهم التفرق
فلا تنسنا من دعوة وارع ذكرنا اذا كنت فى روض من الأنس مونق
عليكم سلامي ما زها روض فضلكم وما أطرب العشاق صوت المطوق
[ البقية في العدد القادم ]