جريا على السنة التى سنها المجلس الاعلى لرعاية الفنون والآداب باقامة مهرجان سنوى للشعر ، أقيم فى مسرح معرض دمشق فى اواخر سبتمبر المهرجان الثالث للشعر ، والاحتفال بذكرى الشاعر البحترى ، وهو احتفال تقليدى باحد الشعراء الافذاذ القدامى يندرج فى برنامج المهرجان ، اذ تخصص الايام الاربعة الاولى للقصائد ، واليومان الاخيران للاحتفال باحد الشعراء القدامى دراسة وتحليلا لتراثه ، بالقاء محاضرات ، وقصائد ، ونماذج شعرية من نتاجه .
وفى مسرح معرض دمشق احتشد الجمهور الدمشقى بجنسيه فى تلهف وتطلع الى المنصة التى الفوا الالتفاف بها كل سنة ، منشدين عليها ، او متلقين منها وبين ارجاء الفيحاء المثلجة بنسمات الخريف ، وتحت عدسات التيلفزيون والمصورين وميكروفون الاذاعة افتتح المهرجان بكلمة السيد رئيس المجلس . ثم كلمة الاستاذ العقاد القاها بالنيابة عنه الشاعر صالح جودت ،
ثم كلمة الدكتور شفيق جبرى بوصفه مقررا عاما للجنة الشعر بالأقليم الشمالى . ( آنذاك )
وتوالى بعد ذلك الشعراء العرب على المنصة وقد شاركت الاردن والجزائر وفلسطين والعراق والكويت واليمن وتخلف المغرب وتونس مع ان الدعوة وجهت اليهما على ما يبدو .
ومن غير شعراء الدول الشقيقة القى الاستاذ صالح جودت قصيدته ( الاقليم الجنوبي ) والشاعرة عزيزة هارون والدكتور عزة الطباع ( الاقليم الشمالي )
ونستطيع ان نقول ان كلمة الاستاذ العقاد وهو المقرر العام للجنة الشعر بالمجلس ، وقصيدة الاستاذ جودت ، هما اللتان صبغتا المهرجان بصبغة معينة
من اليوم الاول ، ووضعتا عليه عنوانا مثيرا : ( المعركة بين القديم والحديث فى الشعر ) وهى معرفة تقليدية فى ابطالها فى كل مهر جان ، غير انها تميزت في هذا المهرجان واتخذت شكلا جديا بالموقف المتصلب الذي عبر عنه الاستاذ العقاد بكلمته ، وجودت بقصيدته وقصة العقاد في ذلك سابقة للمهرجان ، تعود بنا الى قصيدة كان الشاعر المجدد احمد عبد المعطي حجازى نشرها فى الصفحة الادبية من جريدة الاهرام ، يتهجم فيها على العقاد وآرائه فى الشعر الجديد فى اسلوب بتسم بغير قليل من الجرأة والتطاول على عملاق الادب العربى ، بل تجاوز ذلك الى اعتبار العقاد دخيلا على العصر ، ومتطفلا عليه ، فهو بضاعة عتيقة من المفروض ان تكون مطوية الصفحات ( تعيش فى عصرنا ضيفا ، وتشتمنا ؟ )
والبضاعه ليست عتيقة فحسب ، ولكنها مزيفة وجوفاء :
يا من يحدث فى كل الامور ، ولا
يكاد يحسن أمرا ، أو يقربه
ومبالغة فى تحدى العقاد ، فقد كتب قصيدته عل الوزن والقافية اللذين يتهم العقاد المجددين بعجزهم عن الخضوع لهما .
لكن العملاق لم يكلف نفسه عناء الالتفات الى القزم المتطاول ، فقد كفاه مؤونة ذلك تلاميذه وانصاره ، حتى قال بعضهم :
عزك الطيش ٠ فاتئد يا حجازى
قد رماك القضاء بنقرة باز
واسرها العقاد فى نفسه لليوم الموعود ، وهو يوم المهرجان ، فانه لما سمح للشاعرين صلاح عبد الصبور وعبد المعطى حجازى وهما متزعما حركة التجديد لما سمح لهما بالمشاركة فى المهرجان بعث العقاد باستقالته من سكرتارية لجنة الشعر فى المجلس ، احتجاجا على السماح لشاعرين عرفا بمواقفهما المشينة والمسيئة للادب العربى ، بالمساهمة فى مهرجان يقام لصيانة الادب العربى
وتصرف الاستاذ يوسف السباعى تصرفا لبقا فى الموضوع . فارضاء للعقاد واستبقاء له فى لجنة الشعر ، اومأ الى حجازى بالتخلى عن القاء قصيدته بدعوى المرض ، وارضاء لانصار التجديد الذين كانوا وراء المعركة دعا عبد الصبور لا للقاء قصيدته التى اشترط ان تكون تقليدية وبمعنى اصح تجرى على الوزن والقافية التى اشترط ان تكون تقليدية وبمعنى اصبح تجرى على الوزن والقافية .
هذا موقف من الاستاذ العقاد ، عززه من استماتة نصيره فى النظرية الشاعر
الكبير صالح جودت ، فقد القى قصيدة عصماء ، كال فيها للشعراء المجددين ما شاءت له الشاعرية الملهمة وحسن التعبير ، وتجاوز العقاد في قسوته عليهم ، بأن ادعى بانهم شعراء حمر . وما هم الا دسيسة شيوعية للعبث بالفصحى التى هى قوام العروبة وامجادها .
وهكذا احتدمت المعركة وامتاز كل فريق بانصاره ، وكان فى صف العقاد مفدى زكرياء ، ومحمود غنيم ، وورآء حجازى وعبد الصبور جمع من الشباب المتحمس الذي كان يشرف على الصحافة ، فدخلت هى بدورها المعركة ، وطغى الموضوع على كل ماعداه فى المهرجان ، وحتى اليوم ، وقد مر على المهرجان ما يقرب من شهرين لا تزال شظايا المعركة تتطاير فى الصحف القاهرية والدمشقية
ولعل الفرصة تسنح لنا لدراسة الموضوع دراسة نقدية تحليلية ، وذلك ما لم تتسع له هذه الكلمة التى لم نتوخ من ورائها الا اعطاء صورة عامة وخاطفة عن المهرجان لقراء الفكر ,
صالح الخرفى
