الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

- 1 - مظاهر ورود الشعر على الشعر فى (( اغانى الحياة ))

Share

ان الشعر على الشعر - فيما نفهم - يعنى اساسا جملة النصوص الشعرية التى اتخذ الشعر فيها موضوعا للكتابة . وفي ديوان (( اغاني الحياة )) نجد عددا من القصائد التى تتحدث عن الشعر او الشاعر بصفة خاصة . وهذه النصوص هى :

(1) شعرى ص 26-27 . (2)  يا شعر ص 55-63 . (3)  اغنية الشاعر ص 101-102 . (4)  قلت للشعر ص 127-129 . (5)  احلام شاعر ص 171-172 . (6)  نشيد الجبار ص 256-258 . (7)  قلب الشاعر ص 262-263 .

ومجموع ابيات هذه القصائد 233 بيتا اى ان نسبتها الى مجموع ابيات الديوان - وهو حوالى 2700 بيتا - تساوى59 ، 8 % اى ما يقارب العشر .

وبعد ان حذفنا عبارة (( ليت شعرى )) التى وردت 11 مرة فى الديوان (4) وذلك لان المعنى الذى تفيده ( تمنى المعرفة ) لا علاقة له بالشعر اطلاقا حاولنا احصاء المرات التى ورد فيها ذكر لفظة (( شعر )) او (( شاعر )) او (( شعرى )) فى هذه القصائد وفى بقية قصائد الديوان فكانت النتيجة التالية ، وقد رمزنا فى الجدول الموالى الى القصائد المشار اليها آنفا بارقامها :

في بقية المجموع (1) (2) (3) (4) (5) (6) (7) المجموع الديوان العام

شعر     8    13       3      6    -     -     -      30     19     49

شاعر      -     -    1    -   1    -    1    3       18       21

شعرى     -    -    -        -    -    -    -   0     7     7

ونستدل من هذا الجدول على ان النصوص السبعة المشار اليها لا تكفى لتقديم صورة عن (( الشعر على الشعر )) فى ديوان (( أغانى الحياة )) اذ ان بقية القصائد تتضمن اشارات الى الشعر لا ينبغي اغفالها . ومن هنا ارتاينا ان ندرس ظاهرة الشعر على الشعر من خلال الديوان كله دون الاقتصار على نصوص مخصوصة .

ثم اننا نظرنا فى قضية التسمية فوجدنا ان الشاعر يمكن ان يصرح بكلمة (( شعر )) او باحدى مشتقاتها ويمكن ان يكنى عنها بكلمة اخرى تفيد معناها .

ولكن من المهم ان نشير فى هذا المقام الى صعوبة واجهتنا فى هذه العملية .

فحين ناخذ - على سبيل المثال - كلمة (( نشيد )) نجدها فى بعض الاحيان تتلبس معنى الشعر كما ورد فى (( صلوات فى هيكل الحب ))  =

انت تحييـن فى فـــؤادى ما قـ             مات فى أمسى السيد الفقيد

(...) وتبثين رقة الشوق والاحلام         والشدو والهوى فى نشيدى (5)

الا انها تتخذ احيانا اخرى معنى قريبا من الصوت او الايقاع او الغناء اطلاقا كما نجد فى قصيدة " تحت الغصون " =

فاذا الكون قطعة من نشيد         علوى منغم موزون (6)

وبعد استقراء هذه الالفاظ استطعنا جمعها فى هذا الجدول الذى لا يمكن بحال ان يعتبر نهائيا لان انتقاء هذه المفردات يحيل على جملة من المصطحلات هى التى تسطر للقراءة تخومها وهى متغيرة من قراءة الى اخرى =

المصطلح             عدد مرات الورود فى الديوان

انشودة                  27

نشيد                  25

غناء ومشتقاتها                23

الاغراض الشعرية                  9

غزل ومشتقاتها                         6

مدحة                1

رثاء                               1

مرثية                             1

الشدو                        5

اغرودة                           4

صوت                         4

قصيد              3

لحن                             2

قريض                            2

المجموع                        104

وسنتعامل مع هذه الالفاظ باعتبارها تندرج فى موضوعنا الاصلى (( الشعر على الشعر )). وبهذه الطريقة فان القصائد التى تدخل فى حيز عملنا يبلغ عددها 63 من مجموع 109 قصيدة يضمها الديوان اى اكثر من النصف .

فاذا تناولنا كلمة (( شعر )) ومشتقاتها فى (( اغانى الحياة )) لاستقصاء الصيغ التى وردت فيها لاحظنا ان هذه اللفظة قد وردت 49 مرة بهذه الصيغ =

يا شعر                                  20 مرة

الشعر                       12  "

يا ربة الشعر                        3 مرات

شعرى                             3    "

شعر                            مرتان

شعرك                            مرة واحدة

عرائس الشعر                          ))     ))

عروسة من غانيات الشعر           ))     ))

عرائس الاشعار                           ))     ))

يا طائر الشعر               ))     ))

بنات الشعر               ))         ))

حياة شعر                       ))       ))

شعر السعادة        ))      ))

شعر الدموع            ))        ))

ويمكن ان نخرج من هذا الاحصاء ببعض النتائج =

1)هيمنة صيغة النداء " يا شعر " التى وردت بنسبة تساوى 40،81 % .

فاذا اضفنا الى عبارة (( يا شعر )) عبارتين اخريين استهلتا بحرف النداء وهما (( يا ربية الشعر )) ( 3 مرات ) و (( يا طائر الشعر )) ( مرة واحدة ) اصبحت نسبة عبارات النداء 96،48 % اى ما يقارب النصف . وهذه الصيغة على غاية من الاهمية لانها تدل على ان الشاعر يتخذ من الشعر مخاطبا ، ولعل ذلك متأت من ايمانه بشعر جديد وخيبة امله من بقاء مصطلحات هذا الشعر بعيدة عن ادراك القراء . كما ان هذا التواتر يمكن ان يقوم بالنسبة الى الشاعر مقام المتنفس فعلاقاته بـ (( الشعب )) وبالقراء على وجه التخصيص متازمة وهو لا ينى يشعر بثقل الغربة الروحية التى كان يعيش فيها وهى غربة منشؤها هذا الشعر . ومن هنا كان حرف النداء (( يا )) صلة وصل بين الشابى وبين الشعر ، ومحاولة لكسر الطوق الذى كان يعيش فيه ، وتاكيدا على وفائه لهذا المفهوم الجديد للشعر ، ومحاولة استكناه جوهره .

2)وردت كلمة "شعر" فى تركيب اضافى 15 مرة اى بنسبة 30,61% .  وهى تقارب نسبة الثلث . الا اننا يمكن ان نميز فى هذه العبارات ضربين =

- ففى ست منها نجد الشعر مضافا .

- وفى تسع منها يصبح الشعر مضافا اليه .

الا ان نصف الحالات التى جاء فيها الشعر مضافا نجده قد اضيف الى ضمير المتكلم : (( شعرى )) . وهذا يشير الى علاقة ملكية . الا ان ما يمكن ان يستنتج 802                              66

من هنا هو ان هذا الضمير المتصل يرسم الحدود الفاصلة بين شعر الشابى وشعر غيره . مما يؤكد على الطابع الخاص الذى كان الشابى واعيا بان شعر يتصف به .

اما فيما يخص العبارات التسع التى وردت فيها كلمة (( شعر )) مضافا اليه فقد لاحظنا ان سبعا منها تربط بين الشعر وبين مصادر الالهام =

يا ربة الشعر                      ( ثلاث مرات )

عرائس الشعر                                     ( مرة واحدة )

عروسة من غانيات الشعر    (       ((         ((        )

عرائس الاشعار                   (           ((        ((       )

يا طائر الشعر                                 (    ((          ((      )

وهذا يقودنا الى استنتاجين =

- فمن الناحية اللغوية عوض ان يكون المضاف معرفا بالمضاف اليه - الذى هو المرجع ومركز الثقل فى علاقة الاضافة - يصبح المضاف اليه هنا مطلوبا من المضاف لان العملية هي استلهام وهى فى جوهرها طلب شئ غير موجود .

- اما من الناحية الادبية فاننا لا نعثر فى التراث الشعرى العربى على ما بضارع هذا الا في شياطين الشعر . ولئن كان الشيطان هو الذي يلهم الشاعر قصيده لانه ينظمه قلبه فاننا قلما نعثر فى دواوين الشعر العربى على مثل هذا الالحاح والتواتر في استلهام الشعر من كائنات غيبية . فنحن اذن مع هذه النصوص ازاء ضربين من الدلالات :

* فهي من جهة تحيلنا على تراث شعرى من نوع جديد لعله التراث اليونانى الذى بدأت حركة احبائه فى مرحلة النهضة الاوربية ( 7 ) واستفاد من الرومطنيقيون وفيه نجد آلهة الفن ( Les Muses )   (8)  .

* ومن جهة اخرى فالعملية نفسانية ايضا لانها تبين سمو هذا الشعر اذ هو وحى يأتى من عالم فوقى . وكذلك تدل على المعاناة التى يمر بها الشاعر قبل ان يتمكن من استلهام قصائده .

وتبقى بعد هذا قضية اخرى تجب اثارتها ، وتتمثل فى القصائد التى وردت فى الديوان بضمير المتكلم وعددها 82 قصيدة ونسبتها الى مجموع قصائد الديوان 22،75 % اى ما يربو على الثلاثة ارباع ، او تلك القصائد التى ذكرت فى عنوانها كلمة (( شاعر )) مثل (( اغنية الشاعر )) و (( احلام شاعر )) و (( قلب الشاعر )) . ان هذه القصائد تؤكد الصبغة الغنائية التى يتسم بها شعر الشابى ولسنا نريد البرهنة على ذلك فالامر لا يحتاج الى برهان . ولكن الاشكال الذى يطرحه هذا النوع من القصائد بالنسبة الى موضوعنا هو = هل ان ضمير المتكلم هو اشارة دائمة الى الشابى ام انه يمكن ان يعتبر احيانا مجرد تقنية شعرية ؟ ومن هنا نتساءل = الى اى مدى يمكن ان نعتبر ان هذه القصائد هى شعر على الشعر ؟ وهل اننا ملزمون - حتى فى حالات انعدام الاشارات الصريحة الى الشعر فى هذه النصوص - باخذ هذه القصائد بعين الاعتبار قبل الوصول الى نتائج نهائية ؟ وارتاينا لتجاوز هذه العقبة ان نجعل القصائد الواردة بضمير المتكلم مادة من مواد بحثنا لسببين =

* فليس لدينا - من جهة - اى دليل على ان ضمير المتكلم فيها لا يعود على الشابى .

* ولسنا نرى - من جهة اخرى - مدعاة للتعامل مع هذه النصوص تعاملا خاصا اذ انها - مثلها مثل غيرها - انتاج قريحة واحدة . لذلك راينا ان نطبق على هذا الصنف من القصائد المقولات التى نطبقها على مجمل قصائد الديوان فحيث وجدنا اشارة صريحة او ضمنية الى الشعر ادرجناها فى حيز عملنا .

هذه اذن هى الحدود التى رسمناها لحصر المادة التى ستكون موضوع بحثنا وهذه ايضا الحلول التى ارتأينا لتجاوز الصعوبات التى اعترضت سبيلنا . وسنحاول فى المرحلة الموالية من البحث ان نخضع هذه المادة للتحليل حتى يتسنى لنا استخراج بعض المصطلحات التى انطلق منها الشابى لكتابة قصائده والتى حاول ان يجعلها ايضا مصطلحات القراءة حتى تؤدى الرسالة التى يسعى الى ابلاغها .

اشترك في نشرتنا البريدية