الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

11 - المعاجم الفنية ومبادرات التوحيد العربية :

Share

2 - 1 - لا يمكن بأية حال من الاحوال ان نتقدم فى معالجة الموضوع ما لم نستقرئ ميدانه ونضبط حدوده . ويتهيأ لنا أن هذا الاستقراء على غاية من الاهمية لان الحكم على الشئ فرع عن تصوره ووجوده . فلا يمكن ان نتحدث عنه بطريقة انطباعية او جزئية اعتباطية ما لم تكن لنا نظرة وصفية شاملة عن المعاجم العربية الفنية المطبوعة المتوفرة فى السوق والمفهرسة فى المؤلفات المختصة . ولسنا نجازف ان قلنا : إن المعلومات في هذا الشأن قليلة على ما للقضية من شأن . فلقد سعى وجدى رازق غالى ( 10 ) الى وضع مؤلف عام يهتم بجميع المعجمات العربية بما فى ذلك المعاجم الفنية وهو ببليوغرافية مشروحة ووصفية مهمة جدا . الا ان الكثير منها لا يتصل بالمعاجم الفنية البحتة بل يهتم بالمعاجم الفنية المزدوجة اللغة أو بقائمات المصطلحات اذ للمعجم - ولو كان فنيا - شروط فى الجمع والوضع لا تختلف كثيرا عن شروط المعجم العام ذى اللغة الواحدة . وذلك ما لم يتوفر فى العربية باستثناء ملحق لسان العرب المحيط ( 11 ) .

2 - 2 - ولقد زودنا جواد حسنى عبد الرحيم وعلى القاسمى بعمل جديد صدر سنة 1983 . وهو (( بيليوغرافية المعاجم المتخصصة )) ( 12 ) التى تتصل بالقضية المطروحة . وهى (( تشتمل على المعاجم المتخصصة فى مصطلحات العلوم والاداب والفنون ، سواء أكانت هذه المعاجم قد نشرت فى شكل كتاب مطبوع أو على هيئة مقالة أو مسرد فى مجلة من المجلات )) ( 13 ) . وهى تهم مصطلحات 39 .

علما ليست كلها حديثة و 260 مؤلفا تقريبا جمعت بين المعاجم والقواميس والموسوعات وقائمات الالفاظ التى وضعتها ونشرتها المجامع ومنها خاصة مجمع اللغة العربية ، والجامعات والافراد . ولقد عرضت علينا تلك الببليوغرافية ، عارية من كل وصف أو تحليل سواء من حيث التعريف بمحتوياتها أو بمقارنة بعضها ببعض لربط الصلة بينها ولادراك التطور العام لتلك المعاجم المتخصصة ومصطلحاتها . فالمؤلفان السابقان كفيلان بتوفير المادة الاساسية لطرق موضوعنا لان قضية التوحيد لا يمكن ان تدرس اليوم بعد مرور قرنين من الجهود العربية التى ابتدأت من عهد محمد على - الا بوصف هذا الرصيد الهائل ومقارنته لاستخلاص قواعد عامة يمكن الاستئناس بها ان كانت منسجمة وموحدة . وفى انتظار دراسة جامعية شاملة لهذه القضية يمكن ان نتطرق اليها من جهة اخرى تتصل بالمبادرات العربية الفردية والجماعية التى عالجت موضوع التوحيد أو التنميط أو اعتنت بأحد منهما .

2 - 3 - لقد سعينا سابقا وفى غير هذا المكان ( 14 ) الى الاهتمام بهذه القضية من خلال اعمال اعضاء مجمع اللغة العربية ومكتب تنسيق التعريب . فلقد طرحت قضية التوحيد فى المجمع منذ نشأته وطرقت فى قرارات مثبتة فى مجموعة القرارات العلمية والفنية ( 15 ) وفى بحوث لم تتجاوز العشرة سنة 1965 ( 16 ) . ولقد اشتد الاهتمام بالقضة من سنة 1955 الى سنة 1961 . فعالجها محمد رضا النشاشيبى ومحمد الخضر حسين ، وعبد القادر المغربى ، ومصطفى الشهابى ومحمد كامل حسين وأحمد عمار . ولقد انقسموا الى نزعتين احداهما تعتمد التراث والاخرى العلوم الحديثة مع تأكيد النزعة الثانية على المبادئ التالية :

أ - الاتفاق على منهجية عامة ولو كانت اجبارية لمواجهة البلبلة فى المصطلحات العلمية .

ب - اعتماد الترجمة او التعريب اطلاقا او تخصيص ميدان كل واحد منهما بحسب العلوم .

ج - الاعراض عن النحت عامة الا عند الضرورة الملحة .

د - ترك الكتب القديمة تماما او الاخذ منها بحذر .

هـ - التوحيد لا ينشأ من الترجمة وغيرها بل من وجود نظريات علمية عربية تؤيد التأليف وتؤازر الانتاج وتنسق المعارف فى نظام عام موحد مثلما هو الشأن فى العلوم الاوربية وغيرها . والملاحظ أن المشكلة تنحصر فى الخلط بين مفهومى التوحيد والتنميط : فالتوحيد يفترض بطبيعته ان ينشأ الخلاف بين اصحابه ان اعتبرنا مشاكل الترجمة فحسب . اذ لا يتصور ان يترجم مترجمان نفس المصطلح او نفس العبارة بنفس الالفاظ - لان الترجمة حسب البيرونى خيانة وهى حسب رأينا فتنة -  فقواعد التوحيد ضرورية فى شأنها لكن لابد ان تستكمل بقواعد التنميط - فهل حصل شئ فى ذلك ؟ ذلك ما سعى اليه مكتب تنسيق التعريب .

2 - 4 - ان تكوين مكتب تنسيق التعريب يعتبر جوابا عربيا على السؤال المطروح . فلقد أسس لمعالجة هذه المسألة بالخصوص . فهو يكون أول مبادرة قانونية لغوية ، وحدثا تاريخيا مهما فى الحياة العلمية والثقافية العربية . ولقد دعى الى تنسيق التعريب وتوحيد مصطلحاته . فوحد منذ انشائه الى حدود 1983 ما يقرب من 000 70 مصطلح فى 23 علما تقريبا فى المرحلتين الثانوية والعالية من التعليم ، فضلا عن مشاريع المعاجم التى هى تحت الدرس . ولقد عالج قضية التوحيد بالطريقتين التاليتين :

( أ ) استقراء جميع مصطلحات العلم الواحد الموضوعة فى العالم العربى وعرضها على اختصاصيين لاختيار الصالح منها بالزيادة أو الاسقاط ، وعرض أعمال الاختصاصيين تلك على مؤتمر تعريب عام متكون من لجان مختصة ومن جلسة عامة تختار بعد النظر والمناقشة ما يعتبر أحسن المصطلحات تأدية للمصطلحات الاجنبية فى مختلف العلوم . والملاحظ أن هذه الطريقة الاولى لا تعتمد على مقاييس معينة مقيدة .

( ب ) منهجيات وضع المصطلحات العلمية الجديدة التى وحدت فى ندوة مختصة انعقدت بالرباط من 18 الى 20 فيفرى 1981 ( 17 ) . ومن أسس التوحيد

اعتماد طرق الوضع من مجاز واشتقاق وتعريب ونحت عند الضرورة ، وتفضيل الفصيح المتواتر على المعرب ، وتجنب الكلمات العامية ، واختيار الصيغة الجزلة الواضحة ، والكلمة التى تسمح بالاشتقاق والكلمة المفردة على المركبة ، والدقيقة على الكلمة العامة ، والمرادف الذى يقرب من مفهوم الجذر الاصلى - الخ . . .

والملاحظ كذلك انها مبادئ عامة لا تختلف عن المبادئ التى سبق لمجمع اللغة ان وضعها . وهى متصلة بطرق الوضع ومناهج الترجمة كذلك . فهى صالحة للتأويل والتخريج خاصة عند التطبيق - لذلك نرى ان القضية مازالت تحتاج الى علاج جذرى يوحد بين مواقفنا وان كانت مصطلحات اللغة ميدانا لا يدرك منه شئ حتى يتطور مستدعيا نفسا جديدا ومصادرات مبتكرة للالمام به وترويضه .

واعتبارا لما سبق رأينا من المفيد ان نعرض طريقتنا فى التنميط التى وضعناها اعتمادا على اهتمامنا المتواصل بهذه القضية وسعيا الى اقتراح منهجية عربية فى التنميط استقر الرأى على الاخذ بها فى مشروع راب لترجمة مصطلحات الاتصالات وتعريبها .

اشترك في نشرتنا البريدية