إلى القارئ
من آيات الرشد والوعي الصحيح ان هذه المشاكل السياسية الخطرة في ذاتها الى اقصى حد - وهذه المفاوضات في نطاق
المساعى الحميدة وهذا التوتر في علاقاتنا مع فرنسا ، لم يستطع شيء من ذلك ان يصرف اهتمام الحكومة التونسية عن مواصلة ما اصطلحنا على تسميته ببناء استقلالنا وتوطيد اركانه الرئيسية ، نعني احياء الاقتصاد القومي بجميع الوسائل الناجعة المدبرة . ففي حين كان رئيس الامة يواجه تلك المعضلات التي تمخضت عنها المساعي وفي حين كان الشاغل الاعظم مواصلة تسليح السيادة التونسية من مخلفات عهد الاستعمار لم تتعطل الجهود في الميدان الاقتصادى : فهذا المجلس الاعلم للتصميم يؤسسه فخامة الرئيس نفسه ، وهذه التدابير البعيدة المدى يتخذها مجلس كتاب الدولة لمقاومة البطالة ولاصلاح النظام الزراعي وبرامج التعليم ، وهذه الجهود تتواصل لانشاء بنك مستقل للعملة التونسية وبذلك يقيم ساسة الشعب التونسي الدليل على تيقظهم وادراكهم لنصيب المسائل الاقتصادية والاجتماعية في حياة الدولة والشعب .
ثم هذه الشعوب الافريقية المتحررة تعقد مؤتمرا بعكرة لبحث مشاكلها المشتركة وتنسيق جهودها في الميدان الاقتصادي ايضا . ذلك انها تدرك ان لا سيادة سياسية دون اجهزة اقتصادية ناهضة مزدهرة ، وتدرك ايضا ان الشعوب الضعيفة التطور لا تصل الى طائل اذا بقيت جهودها مشتتة ، مقطعة مقصورة على المناطق القومية الضيقة . فالمشكلة الرئيسية في هذه البلدان هي مشكلة مستوى العيش اذ اغلبية سكان القارة الافريقية يعيشون في فقر وجوع وعري وجهل . هذه حالتهم في الحاضر . اما حالتهم في المستقبل فقد تكون اشد تعلسة وانكى بسبب تزايد عدد السكان اذا لم ينسجم النهوض الاقتصادي مع هذا النمو البشري ، وذلك لا يكون الا على قاعدة خطة مدبرة محكمة يكون بمقتضاها التعاون والتكامل لاستغلال ثروات البلدان الافريقية المتحررة وجعلها فى صعد واحد .
نقول هذا تحية لغرة ماي ١٩٥٨ ، عيد الشغل . واي تحية افضل من هذه التي تضوع املا بمستقبل افريقي زاهر يقضى فيه على البطالة وما يترتب عنها من آلام وآفات - ويمكن فيه كل افريقي من العمل الذي يشرفه ويجعله متمتعا بالرفاهية المادية والكرامة الانسانية واي تحية افضل من هذه التي تعبر عن ارادة الشعوب الافريقة في التحرر . من ربقة الاستعمار الاقتصادى بعد ان تحررت من حبائله السياسية ، وتعبر كذلك عن عزمها الراسخ على تحرير الشعوب الاخرى التي لا تزال تكافح من أجل استقلالها وفي طليعتها الجرائر .

