قال أبو حيان التوحيدى فى رسالة لصديق له سنة 400 للهجرة وهو فى التسعين من عمره بعد أن أحرق كتبه ما وضع منها وما اقتنى :
"ومما شحذ العزم على ذلك ورفع الحجاب عنه أنى فقدت ولدا نجيبا وصديقا حبيبا وصاحبا قريبا وتابعا أديبا ، ورئيسا مشيبا ، فشق على أن أدعها لقوم يتلاعبون بها ويدنسون عرضى اذا نظروا فيها ويشمتون بسهوى وغلطى اذا تصفحوها ، ويتراءون نقصى وعيبى من أجلها ، فان قلت ولم تسمهم بسوء الظن وتقرع جماعتهم بهذا العيب ؟ فجوابى لك أن عيانى منهم فى الحياة هو الذى يحقق ظنى بهم بعد الممات . وكيف أتركها لأناس جاورتهم عشرين سنة فما صح لى من أحدهم وداد ؟ ولا ظهر لى من انسان حفاظ ولقد اضطررت بينهم بعد الشهرة والمعرفة فى أوقات كثيرة الى أكل الخضر فى الصحراء والى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة ، والى بيع الدين والمروءة والى تعاطى الرياء بالسمعة والنفاق والى ما لا يحسن بالحر أن يرسمه بالقلم ويطرح فى قلب صاحبه الألم ، واحوال الزمان بادية لعينك بارزة بين مسائك وصباحك وليس ما قلته بخاف عليك مع معرفتك وفطنتك وشدة تتبعك وتفرغك . . . على انك لو علمت فى أى وقت ارتفعت هذه الرسالة وعلى أى حال تمت لتعجبت وما كان يقل فى عينك منها يكثر فى نفسك وما يصغر منها بنقدك يكبر بعقلك . والله أسأل خاتمة مقرونة بغنيمة وعاقبة مفضية الى كرامة . ولقد بلغت شمسى رأس الحائط والله أستعين على كل ما هم النفس ووزع الفكر وأدنى من الوسواس" .

