الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

Share

قال أبو حيان التوحيدى فى رسالة لصديق له سنة 400 للهجرة وهو فى التسعين من عمره بعد أن أحرق كتبه ما وضع منها وما اقتنى :

"ومما شحذ العزم على ذلك ورفع الحجاب عنه أنى فقدت ولدا نجيبا وصديقا حبيبا وصاحبا قريبا وتابعا أديبا ، ورئيسا مشيبا ، فشق على أن أدعها لقوم يتلاعبون بها ويدنسون عرضى اذا نظروا فيها ويشمتون بسهوى وغلطى اذا تصفحوها ، ويتراءون نقصى وعيبى من أجلها ، فان قلت ولم تسمهم بسوء الظن وتقرع جماعتهم بهذا العيب ؟ فجوابى لك أن عيانى منهم فى الحياة هو الذى يحقق ظنى بهم بعد الممات . وكيف أتركها لأناس جاورتهم عشرين سنة فما صح لى من أحدهم وداد ؟ ولا ظهر لى من انسان حفاظ ولقد اضطررت بينهم بعد الشهرة والمعرفة فى أوقات كثيرة الى أكل الخضر فى الصحراء والى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة ، والى بيع الدين والمروءة والى تعاطى الرياء بالسمعة والنفاق والى ما لا يحسن بالحر أن يرسمه بالقلم ويطرح فى قلب صاحبه الألم ، واحوال الزمان بادية لعينك بارزة بين مسائك وصباحك وليس ما قلته بخاف عليك مع معرفتك وفطنتك وشدة تتبعك وتفرغك . . . على انك لو علمت فى أى وقت ارتفعت هذه الرسالة وعلى أى حال تمت لتعجبت وما كان يقل فى عينك منها يكثر فى نفسك وما يصغر منها بنقدك يكبر بعقلك . والله أسأل خاتمة مقرونة بغنيمة وعاقبة مفضية الى كرامة . ولقد بلغت شمسى رأس الحائط والله أستعين على كل ما هم النفس ووزع الفكر وأدنى من الوسواس" .

اشترك في نشرتنا البريدية