إلى القارئ
نستأنف مجلة ((الفكر)) نشاطها بعد عطلتها السنوية فتستهل سنتها السادسة عشرة بما عهده القراء فى أسرتها من عزم وطول نفس وانقطاع كلى الى خدمة الثقافة التونسية والمساهمة فى صنع الحضارة العربية. وإن من أهم ما يستوقف رجل الفكر فى مجال الحياة الثقافية والنشاط التربوى خلال الأسابيع المنصرمة انشغال السيد رئيس الجمهورية بقضية التاريخ القومى وتأكيده على مزيد العناية بدرسه وتدريسه بوصفة عاملا من عوامل تركيز الشخصية القومية وتأصيل الشباب فى بيئتهم وتعميق الشعور بانتسابهم إلى أمة حية فى صراع دائم من أجل البقاء والإشعاع.
من ذلك ما صرح به سيادته بالخصوص عند رجوعه من المنستير خلال شهر أوت الماضى اذ قال: ((قد يجد شبابنا من يوعز له بأن التاريخ عبارة عن خرافات فات وقتها ولم تعد صالحة لأن تستخلص منها العبرة بينما لا تكمل ثقافة الانسان إلا إذا أحاط خبرا بتاريخ بلاده ... وبمعرفة التاريخ يشعر المرء باعتزازه بالانتساب إلى البلاد التى أنجبته ويتجنب الوقوع فى الأخطاء التى وقع فيها أسلافه ... مع نبذ كل أسباب الخذلان حتى لا نرجع لما كنا فيه وحتى لا يطمع فينا طامع ...)).
وان هذه العناية السامية لتندرج فيما لم نزل ندعو له فى سبيل ترسيخ الشخصية القومية، وننادى به من وجوب تحوير برامج التعليم ومناهجه بحيث يضمن لشبابنا الأصالة والفتوة، ولثقافتنا الطرافة والازدهار، ولأمتنا البقاء والمجد.
الا ان الذى يجب ان يقال ويعرف هو أنه بالرغم من أن لجانا تشكلت مرات كثيرة فى الماضى قصد تجسيم هذه الغاية النبيلة - وآخرها بعث فى ربيع هذه السنة فى مستوى التعليم العالى والثانوى والترشيحى - فان صعوبات - نفسانية فى اغلب الأحيان - كانت تحول دائما دون بلوغ القصد.
ذلك ان بعض الأساتذة والفنيين التونسيين - بله الأجانب الذين يشاركون دائما فى أشغال اللجان التعليمية المختصة - لم يدرسوا تاريخنا دراسة قومية ولم يتفرغوا له - لأسباب تاريخية (!) هم غير مسؤولين عنها طبعا! - بل انهم حصلوا ما حصلوا من الشهائد والدرجات العلمية بفضل ما حذقوه من المسائل التاريخية على النحو وبالمحتوى الذى تدرس به فى الخارج وعلى أساس محاور ومراكز اهتمام بعيدة كل البعد عن مشاغلنا وصراعنا من أجل الأصالة وتركيز الذاتية. ولئن كان أكثر هؤلاء الزملاء فى مستوى علمى وبيداغوجى مرضى للغاية فانهم - من حيث لا يشعرون فى غالب الأحيان - لا يتحمسون كثيرا للتخلى عما درسوه وتعودوا به وتوفرت لهم فيه كل المراجع الضرورية، بل إنهم يقابلون سعينا بأنه ضرب من التعصب وينادون بوجوب التفتح والتمسك بحبل الموضوعية والطرائق العلمية.
لذلك تراهم إذا ما دعوا إلى العمل ضمن لجان مختصة يعالجون الأمر بمنطق أبى دلامة. فقد قيل أن شعرة عوجاء نبتت في لحية أبى دلامة فكان يقضى الساعات الطويلة فى شدها وجذبها حتى تستقيم فظلت عوجاء فقالت لا زوجته: ويحك، اقطع هذه الشعرة وأرحنا منها. فأجاب: ولكن المقص أعوج!... فلا بد إذن من يوم يستقيم فيه ((مقص)) أبى دلامة ولا بد من يوم - قريب إن شاء الله - تنفذ فيه التوجيهات السامية إلى عقول - وقلوب - هؤلاء الأساتذة والفنيين وإلى الشبان المغرورين، فتغير نظرتهم وتثير حماسهم للثأر ممن دفنوا امجاد تاريخهم، كما تغيرت نظرة التونسيين منذ ثلث قرن بفضل دعوة المجاهد الأكبر فأصبحوا يتحدون الاستعمار منذ أن آمنوا بأنهم إذا أرادوا استجاب القدر!... ولا بد من يوم يوفق فيه رعاة التراث وحماة الضاد والغيورون على الأوطان الى استئصال ((شعرة)) الاستعمار الثقافى والتمهيد إلى التفتح الحق والحوار المجدى بين الثقافات. ((الفكر))

