الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "المنهل"

Share

اثعرع بين الخزرج والاوس سكان المدينة المنورة حدا من الحدة كاد يؤدى الى كارثة لولا ان النبي صلى الله عليه وسلم بذل جهده واقصى حكمته ، مستهدفا التوفيق والوصول إلى تفاهم مرض بين جميع سكان المدينة المنورة وافلح في ذلك أول الامر وفي السنة الثانية نزل قرآن يأمر المسلمين بتحويل قبلتهم من القدس الى مكة المكرمة عندما يؤدون صلواتهم الخمس . ومسجد القبلتين في المدينة المنورة لا يزال قائما يذكر بذلك .

وكانت الايام الاولى لنبي صلى الله عليه وسلم ايام شظف شديد حتى على النبى الكريم نفسه صلوات الله عليه وسلامه ، ولم يكن ليأبه بالرفاهية والعظمة حتى آخر حياته الدنيوية ، وفى تلك البيئة الزراعية كانت الزراعة هي العمل الوحيد المتوفر للناس ، فكانت حياة المهاجرين قاسية جدا أول الإمر ، لانهم لم يكن لهم أراض زراعية . . غير ان النبى صلى الله عليه وسلم اخي بين المهاجرين والانصار كما اخي في المال والارث بين المهاجرين انفسيم ، فصهر المجتمع الاسلامي في ذلك الوقت الحرج وجعل منه بحكمته الالهية وحدة اجماعية وسياسية متراصة صارت النواة للمجتمع الاسلامي فيما بعد وقد الغي صلوات الله وسلامه عليه هذه المؤاخاة بعد غزوة بدر الكبرى لعدم الحاجة اليها .

ان الطمأنينة النسبية في المدينة المنورة لم تكن لتنسى النبي صلى الله عليه وسلم واجبه فى توحيد الانسانية تحت علم الاسلام الخفاق . . وقد تضاعف عدد اتباعه فى المدينة المنورة الى ان شعر بالقوة التى يستطيع أن يدافع بها أعداءه المشركين وكان وجود المدينة المنورة فى موقع يتحكم بالتجارة بين مكة المكرمة

وسورية مما جعل هذه المصادمة امرا سهلا فالتحم الفريقان فى ١٧ رمضان بالسنة الثانية من الهجرة بعد ان خرج النبى صلى الله عليه وسلم بجيشه ليقاتل المكيين فى بدر التى تبعد الى الجنوب الغربي من المدينة المنورة وكان معه ٣٠٥ رجل و ٧٠ جملا و ٣ من الخيل ، مقابل ٧٥٠ مكيا معهم ٧٠٠ جمل و ١٠٠ من الخيل . . ومع ان المسلمين كانوا قليلي العدد بالنسبة الى اعدائهم الا انهم كانوا واثقين من النصر لانهم كانوا يقاتلون باستماتة فى سبيل الله ، ولقد اندفع المكيون على المسلمين فنضحهم هؤلاء بالنبل وهم يتقدمون حسب اوامر النبي صلى الله عليه وسلم المشددة - فى صفوف متراصة ، ولم يجردوا سيوفهم الا بعد ان أمرهم النبي ، صلوات الله وسلامه عليه بذلك ، فما هى الا ساعة من نهار ، قرب الظهيرة حتى كان المكيون يولون الادبار منهزمين تاركين وراءهم سبعين قتيلا : ومثل اسيرا . اما خسارة المسلمين فلا تعدو ) ١٥٠ ( شهيدا

ولولا ما ترتب علي هذه المعركة من نتائج بعيدة المدى لاعتبرها التاريخ مناوشة بسيطة لقد قوى الاسلام كثير بهذا النصر وشعرت قريش بأن وجودها اصبح في كفة القدر ، وقد ذكر النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه فى المدينة المنورة بأن ذلك النصر كان من عند الله سبحانه وتعالى فتقول الآية الكريمة : ) وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى ( ، ثم تلا ذلك معركتان بين الفريقين : أحد والخندق ، وقد أقنعتا المكيين بانه من العبث الاستمرار فى مقاومة المسلمين الذين اشتدت شوكتهم فعلا ، حتى ان النبي صلى الله عليه وسلم قاد جماعته فى ١٠ رمضان سنة ٨ للهجرة الى مكة فى نزال فاصل حاسم . ولما رأى المكيون ان لا

قبل لهم بالقوة الاسلامية المقبلة عليهم اذعنوا فكان الفتح المبين . غير ان النبي صلوات الله عليه لم يسمح بسفك الدماء والنهب بل حاول اكتساب خصومه واعدائه الى جانب الاسلام . وحينما شاهدوا عن كثب تسامحه وعلو نفسه فى عصر كان القتل والنهب امرين عاديين من حق المنتصر دخلوا فى دين الله أفواجا ، ولم يدمر النبي صلوات الله عليه الا الإصنام ، أصنام الوثنية الجاهلية في مكة المكرمة .

وفي السنتين الباقيتين من حياة النبي صلى الله عليه وسلم انتشر الاسلام في جميع انحاء الجزيرة تقريبا ، بل انه جهز حملة عسكرية على قوات ملك الروم ) هرقل فى سورية ، ومع ان الجيشين لم يلتقيا فى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، الا ان هذه الحملة ادت الى دخول عدد من الامراء الصغار من المسيحيين والوثنيين في الاسلام .

هذا وفي السنوات العشر التى قضاها النبى صلى الله عليه وسلم فى المدينة قام جيشه بحملات عديدة بلغت ) ٦٥ ( سرية وغزوة قاد النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه ) ٢٧ ( منها ، ويعزى نجاحها الى قيادته الحكيمة واستهانته فى سبيل الله بالموت والى اخلاص المسلمين وتفانيهم فى دينهم الحنيف

لقد أصبحت المدينة بتأثير النبي صلى الله عليه وسلم مركز حكومة دينية تطبق عمليا ما تؤمن به وتعتقده ، واصبحت " المدينة الفاضلة " على وجه المعمورة . وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه المثل العملي الاعلى للايمان ، وهو ان هذه الدنيا ما هي الا وسيلة الى السعادة الاخروية ، إذا أطاع المرء فيها اوامر ربه وتجنب نواهيه .

والمبادئ الاسلامية الثابتة التى

اتى بها النبي صلى الله عليه وسلم وتعتبر اركان الاسلام خمسة وهي : الأيمان بالله وحده وبان محمدا عبده ورسوله . واقامة الصلوات الخمس في مواعيدها أولها عند الفجر وآخرها بعد غروب الشمس بساعة ونصف الساعة . والصيام في شهر رمضان بشروطه وهو الامتناع عن الاكل والشرب وعن تناول المنبهات وتجنب الرفث طيلة بياض النهار . وايتاء الزكاة والحج مرة في العمر على الاقل لمن استطاع اليه سبيلا .

وبعد الهجرة من مكة المكرمة بعشر سنوات أصيب النبي صلى الله عليه وسلم بحمي البرداء ) الملاريا ( وقد بلغ من العمر ٦٣ عاما قمريا ولم تطل به الحمى فتوفى صلى الله عليه وسلم فى يوم ١٣ ربيع الاول سنة ١٠ من الهجرة ) ٨ حزيران سنة ٦٣٢ م ( ودفن صلوات الله وسلامه عليه فى بيت عائشة رضى الله عنها ملاصقا قبره للمسجد الذي بناه عندما وصل الى المدينة .

ومما يزيد في احترام المسلمين للمدينة اعتبارها مهاجر النبي ومدفنه ومدفن بعض اقربائه وصحابته وبعض خلفائه الاولين

وفي المدينة المنورة دفن والده عبد الله وابنه ابراهيم وابنته فاطمة الزهراء وبعض ازواجه رضي الله عنهن والثلاثة الأولون من الخلفاء الراشدين وهم ابو بكر وعثمان رضي الله عنهم

ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبرز بناء في المدينة المنورة .

والاسلام ليس فيه قديسون ولا يسمح باشراك أى شخص مع الله فى العبادة حتى ولو كان محمدا صلى الله عليه وسلم نفسه . أن زيارة مسجد المدينة المنورة فيها ثواب الا انها ليست ركنا من اركان الاسلام حسب تعاليم الاسلام ، وان الله تبارك وتعالي يقول فى محكم كتابه العزيز ) وان المساجد لله فلا تدعوا مع الله احدا ( ومع ذلك فان

الصلاة في مسجد النبي صلوات الله وسلامه عليه للعوامل الدينية المختلفة كانت هدف المسلمين اكثر من ثلاثة عشر قرنا وفيها لهم ثواب كبير . .

ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم رباعي الشكل ، وفيه الروضة الشريفة وكذلك الحجرة النبوية الشريفة وهى تحتوى على قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبرى ابي بكر وعمر رضي الله عنهما وفى قسم منفصل بيت ابنته فاطمة الزهراء رضى الله عنها . وهذا المكان الذي يصبح امثاله عند اصحاب الاديان الاخرى مراكز لعبادة الاشخاص ، قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تقديسه بالحديث النبوى الشريف : " اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد بعدى ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور انبيائهم مساجد ،

وفوق الشباك الحديدى الاخضر تقوم قبة المسجد الخضراء الكبيرة وهى ابرز ما يظهر للقادم في أفق المدينة ولا يعلو فوقها الا المآذن الخمس : اربع منها قائمة على زوايا المسجد الأربع ، والخامسة فى الحائط الغربي ومنها يرفع الأذان الى عنان السماء كل يوم خمس مرات . وعلى جانبى الساحة المبلطة بالرخام وغير المسقففة تنتشر الحصباء غير المسقفة من المسجد النبوى

وقد احترق المسجد مرتين وزاد فيه مرات عديدة خلفاء الاسلام وملوكه فتغير مظهره ولكن بقيت صفته الاساسية على مدى العصور ، يدخله الحجاج لأقامة الصلوات وعبادة الله تعالى وذكره ويصلون صلوات الاستغفار والشكر ثم يحمدون الله ويوحدونه ويلهجون بالشهادة والتكبير وبالاقرار بان محمدا عبده ورسوله

وقد استمر تأثير المدينة قويا فى عصور الاسلام يجذب المسلمين الى المكان الذي

شاهد الحوادث الاخيرة الهامة التى توجت حياة النبي صلى الله عليه وسلم . وعندما وجدت الفتن الداخلية وافتقد الاستقرار في المدينة وانتقل الخليفة الرابع على بن ابي طالب بحكم هذه الفتن الى العراق انتقلت معه الخلافة عن المدينة المنورة . وعندما توفى رحمه الله أسس معاوية بن ابي سفيان رضي الله عنه الحكم الاموى فى دمشق بحكم وجوده اميرا عليها من قبل ثم بعدت كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة فى العصور الوسطى عن مراكز الحوادث السياسية الهامة عندما بدأت مراكز القوة السياسية تتحول إلى العراق اولا ثم الى جهة البحر الابيض المتوسط بعد ذلك : غير ان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بقى له الاحترام الكبير فى قلوب المسلمين اجمعين كما بقى ايضا مركزا للعلوم الدينية

وقد رفعت التقلبات السياسية والحربية الأمويين الى سدة الحكم ثم العباسيين ، ثم المماليك ثم العثمانيين وكل منهم بدوره استولى على الاماكن المقدسة وكل منهم أضاف اليها شيئا وجملها حسب ذوق عصره غير ان هذه المساجد مهما بلغ جمالها وعظمتها فى العين فليست للمسلمين الا مسائل ثانوية ، فى الاعتبار الديني ، لان اهم شئ للمؤمن الحق ليس الشكل وانما الجوهر واللب ، وجوهر الدين الاسلامي ولبه هو القرآن الكريم وهو كلام الله الذي اوحاه الى عبده محمد صلى الله عليه وسلم في كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة . ومن جوهره ولبه كذلك الى جانب القرآن المجيد ، الحديث النبوى الشريف الصحيح والسنة النبوية الكريمة .

اشترك في نشرتنا البريدية