الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "المنهل"

Share

الذي كنت ذهبت اليه منفردا على غير سابق معرفة به ممتطيا حمارا ومعلقا عليه خرجا به بعض الزاد اتبلغ به وركوة صغيرة فيها شئ من ماء ابل بها ظمأى احتياطا . وهراوة صغيرة وكان الوقت قيظا محرقا والسموم لافحا لقد نهرت صوب جنوب المدينة متتبعا طريق الجصة : الطريق النبوى الى المدينة فى هجرته صلى الله عليه وسلم اليها من مكة مع صاحبه الصديق رضى الله عنه . وعلى ذلك تركت مسجد قباء وقرية قباء خلفي . وتوغلت فى الجنوب ولقد مررت على هضبات دكن وجبال سود وحمر . ومضيت حتى كان جبل عير ورائى واستمررت زهاء اربع ساعات فى سير متواصل على ارض موحشة لا انيس فيها ولا طير ولا شجر

ثم التمع امامى جبل صغير فقلت ما هذا ؟ وحثثت السير صوبه باهتمام فلما دنوت منه بدا لي انه جبل اسود رصعته يد القدرة الالهية بهذه الحجارة البراقة الالماسية . . وقد نزلت وربطت الحمار وتقدمت نحو قمة الجبل . وراعنى عند سفحه حيوان اخضر يتقدم نحوى فى هجوم خاطف . فتناولت حجرا ورميته به بشدة فما كان منه الا ان وثب وثبة عالية ، وما كاد حجرى يلامس الارض حتى تناوله بفمه وعضه عضا قويا ومن ثم اتبعت الحجر بحجر آخر فكان منه مثل ما كان سابقا . وهنا تركت له الميدان اذ خشيت ان يكون ساما وتوجهت الى ناحية اخرى من الجبل فلا هو تبعني ولا انا بايت به بعدئذ . وتمشبت على سطح الجبل المتوهج . وكانت الساعة نحو الثامنة نهارا بالتوقيت العربى وراعني منظر هذه القباب اللاطئة التى تمتلئ بها ذروة الجبل من حجارة سود وحمر غير

مشذبة . قببت هكذا بدون ملاط . ولكنها مع ذلك متماسكة الى ابعد حدود التماسك بدليل بقائها هكذا طيلة خوالى القرون . . وقد اجهدت نفسى فى ان اخرج بيدى بعضها لتفتح لى نافذة اطل منها على ما وراءها . وبعد جهد شاق تمكنت من ذلك فأطللت على داخل القبة فاذا هياكل ثلاثة او اربعة لعمالقة طوال ضخام ممددة فى داخل القبة وتحتها بطحاء ناعمة صفراء جافة . كانت الهياكل النظمية هذه بيضاء ممدودة بجانب بعضها . الرؤوس عند الرؤوس . والاقدام عند الاقدام . وكانت سليمة الاجزاء شبه مترابطة وان فنيت منها العروق واضمحل العصب واللحم . وذهبت الى قبة اخرى مماثلة فكان الامر على نفس الحال والى ثالثة ورابعة . وعندها ادركت بطبيعة الحال ان هذه جبانة عتيقة فى مطاوى الزمن البعيد لمدينة عمالقة تجاور هذه المقبرة في فكان ما من هذه المنطقة . لا محالة . وكم كنت مشتاقا الى اكتشاف المدينة المجهولة . ولكنى رأيت الشمس قد امعنت فى الهبوط عن كبد السماء فخشيت ان يدركني الليل فى هذا القفر الموحش الذى لا انيس فيه . . فيعدو على ، حيوان مفترس يتربص بى او يترقب ، ومن ثم عدت الى حمارى وفككت عنه عقاله واطلقت له العنان فى طريق العودة الى المدينة . وقد ملأت الخرج من الحجارة البراقة المشرقة كاشعة الشمس في رابعة النهار . او كالألماس الناصع الاشعاع . ودخلت المدينة وقد اذن المغرب . وفي الصباح ذهبت بالحجارة الى بعض الجوهريين بسويقة . وبعد ان فحصها قال لي : انها ليست بالالماس وانما هي (حجر المدينة) الذي له من صفات البريق واللمعان مثل ما للالماس وليس له خواصه

من قطع الزجاج مثلا ، واضاف انها تعمل منها الفصوص اللطيفة كالالماس تماما . ثم اتفقنا على ان يأخذ ما جلبت منها بخمسين ريالا . . وسألني عن مكان وجودها فدللته عليه . فقال لى : انه لبعيد . .

٢ - في (الصويدرة)

وفي الصويدرة التى تعرف في التاريخ الاسلامي باسم الترعة والتي وصل اليها الفارون من احدى الغزوات النبوية يوجد جبل صغير يحنو على ذلك الوادى الذهبى المملوء بالماء الزلال ، القابع من كثب تحت سطح البطحاء الذهبية الناعمة . وبهذا الجبل صخور عظيمة ملس . ملئت نقوشا عربية وكتابات صفوية منقورة بها منذ مئات القرون . ومن اغرب تلك النقوش صورة وحش ضخم مستطيل الجثة ذى قوائم اربع كجذوع الدوح الكبيرة وذي رأس ضخم هائل مخوف يذكر منظره البشع بمنظر الحيوانات المنقرضة فيما قبل العصر الحديدى . وامام هذا الوحش الكاسر فارس عربي يمتطي فرسا عربية اصيلة . والوحش الكاسر واضع يديه الهائلتين على عاتق الفرس كانما يريد ان يخسف بها الارض او ينتزع الفارس من على متنها وإلى جانبه رسوم عربية منقورة على تلك الصخرات ، نقشا بدائيا . منها رسم جمال عربي يقود جمله . ورسم اغنام وراع وراءها ، ورسم امرأة عربية تركب (الهودج) من فوق الجمل ، وثلة من ظباء ترعى النبات . وقد كنت نقلت بعض هذه الرسوم ونقلت الرقش المنقور على الصخور ثم فسرت حروفه بمقتضى ما دونه علماء

الآثار عن المخطوط العربية القديمة . فكان من خطوط الصفويين .

٣ - ( على الصخرة الملساء )

وفي غرب المدينة المنورة الجنوبي قطعة أرض بيضاء مستديرة بين جبال وتراها مغبرة قاحلة وباحد الجبال المطلة على الغرب هناك صخرة واسعة مستوية ملساء تشرف على البقعة من ناحيتها الشرقية ، وقد الفت نظري ما عليها من نقوش منقورة بها . . . فأقبلت عليها ومكثت تحتها أصوب نظرى وأصعده اليها وأستقرى كلماتها تحت أشعة الشمس المحرقة . وبعد لأى تمكنت من قراءة النقش . فاذا هو بيتان عربيان من نوع شعر الفرزدق والاخطل والحطيئة من شعراء الاسلام الاوائل وقد خلد لنا ناظمها : ( سعد بن محمد بن سعد ) ان هذا الوادى القاحل العابس اليوم كان قبل الف عام وبضع مئات على عكس ما نراه عليه تماما اليوم كان باسما بالحياة السعيدة النضرة الطافحة بالبشر والمرح والحبور . كان متنزها مقصودا من شباب الجنسين كان ملتقى عشاق ومبعث فتنة وجمال طاغ وروعة بالغة . وهذا نص البيتين :

هضاب بهذا السد بالصلد كللت

على كل واديها جنان من الارض

وان الغواني لا يزلن يردنه

وكل فتى سمح سجيته غض

٤ - ( حجة شرعية على صخرة بمكة

بل ان في بطن مكة اليوم حجة شرعية كتبت في القرن الهجرى السادس بخط

بارز من النسخ العربي الجميل . وقد سجلت عليها وقفية رباط سيدنا عثمان بمكة المكرمة . وهذه الحجة الشرعية الصخرية قد سبق ان ملأت فضاء غرفة كاملة من نفس الرباط الواقع بالسوق الصغير فى مكة . وما اجمل ان تنقل لتضم الى دار الآثار فانها تحفة جديرة بالحفظ والدراسة .

٥ - ( النقوش بالجبال ) ولا تسألوا عن كثرة النقوش الاسلامية المملوءة بها الجبال والشواهد والموارد والطرق وهي كلها تدل على مفاهيم حضارية ينبغي لنا ولأجيالنا الصاعدة التعرف عليها ودراستها دراسة وافية بالمرام

٦ - ( مزايا معرفة الآثار ) ايها السادة - لا يخفى عليكم ان من مزايا معرفة الآثار وحفظها ودراستها استيعاب التاريخ القديم والاقدم لهذه البلاد ، معرفة تحقيق وان معرفتها الدقيقة تجعل العالم يدرك مزايا هذه البلاد الحضارية التي عفي عليها الزمن ولفها النسيان ببروده واسماله . وبالمناسبة اذكر ان بعض الكتب الدراسية عندنا قد ذكرت الدول القديمة في منطقة الشرق الادنى معتمدة فى ذلك على الاستكشافات الاثرية

الحديثة التى جلت غوامضها العتيقة وقد اضطر مؤلفو هذه الكتب الى الصمت عن الدول الغابرة الممعنة في القدم بهذه البلاد لا لشئ الا لأن مدنياتها وحضاراتها وتشكيلاتها الادارية ومشروعاتها الزراعية والصناعية والعمرانية وتقاليدها لم تكشف بعد ، ولا تزال غامضة . وما عرف عنها لا يوصل الى معرفة يستفاد منها حقائق ما كانت عليه حتى توضع فى الدراسات وتدون فى الكتب . ومن تلك الدول ثمود وعاد وطسم وجديس والعمالقة وعبيل وانا اسميها دولا ، لان ما وصلنا من اخبارها يدل على انها دول بلغت من القوة والنمو والسلطان ما بلغه سواها من معاصريها من الدول بدليل أن آثارها كآثارهم تماما . وفي اليوم الذي تكشف فيه آثارها من اعماق ارضنا وتدرس وتحل الطلاسم يتجلى ما قامت به من الدور الانشائي العظيم في مراحل انشاء الحضارة العالمية . ولعل ذلك اليوم ليس ببعيد ان شاء الله فقد اسندت مهمة تنظيم الآثار الى وزارة المعارف في عهد الوزير الشاب العامل . . وعسى ان يوفق وان توفق وزارته الى انجاح هذه المهمة الجدية البناءة . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

اشترك في نشرتنا البريدية