الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

2 - حديث مع الشمس

Share

حدثنا ابو الخيال ، قال انى القى على الشمس سؤال ، فما محت آية الظلمة آية الاضوا ، حتى انتصبت منتظرا ظهور ذكاء ، ولم يطل الحال ، حتى برزت ذات الجلال ، تحكى استدارة الدينار ، صفراء يمازجها احمرار ، تبعث الاشعة وتعين المواقيت ، كأنها يتيمة اليواقيت ، ولما كانت فى اول استهلالها ، أمكن للعين أن تتأمل فى جمالها ، فيسأل الله من هذا الخلق العظيم ، ويا لقدرة الصانع الحكيم ، وبعد ما فرغت من التمتع ببهاء الغزاله ناديت عفوا يا ذات الجلاله ، هل تأذنين لى فى الكلام ، يا فاتحة معاقل الظلام

الشمس : قالت ولا ادرى كيف قالت ، الا اننى احسست أن السماء من الارض تدانت ، صوت غريب ، ولا أقول رهيب ، قالت تكلم ياذا الاريحية ، ولكن بعد اهداء التحية

قلت : تالله ما اذهلنى عن السلام ، الا هيبة المقام ، والآن أقول عمى صباحا يا ذات البهاء ، وسيدة اجرام السماء السماء ، وعروس النهار . واعجوبة الاقدار ، اعلمى انه طالما فكرت فيك وتوغلت فى مجاهل معانيك ، واستعنت بما رزقته من اللب ، فلم اتوصل الى ما أحب بل ما كانت الا مقائس عقليه ، ونتائج تقريبا ، ومن لى وأنا البشر الحقير ، بمعرفة كنه هذا المخلوق الخطير ، وكم انفقت فى هذا حينا بعد حين ، وما رجعت الا بخفى حنين ، والتجأت الى المنقول ، فلم أفهم ما يقول ، فقلت والله لاسألن نفس هذا المخلوق ، وان كان من اسفل الى فوق ، ولما اهتديت الى هذا العمل ، واستفحلت فى قوة الامل ، قضيت يومى قلقا ، وليلى أرقا ، وما بدت طلائع اعلامك ، حتى كنت ممتثلا أمامك

الشمس : لقد جئت آلا ، ونزلت سهلا ، فقل ما أنت قائل ، فلم يبق بيننا حائل ، وها أنا مصغية اليك ، ومشرقة عليك ، فاسرع بهذه المهمه ، قبل أن أتوسط القمه ، فهناك تتضاءل الاصوات ، وتصاب بعلة

الاخفات ، وعندها تعود فى يومك الى القلق ، وفى ليلك الى الارق ، حتى تلقانى ثانى الايام ، هذا اذا لم يغشك الغمام

قلت : لعلك اردت أن تقولى يغشي الغمام ، واسندته الى غلطا فى الكلام .

الشمس : أتزعم ايها الانسان ، أن قولى يغشاك سبق لسان ، والصواب أن أقول يغشانى ، وذلك لانك ترانى ، ولكن هل ترانى اذا اسبلت على عينيك ستارا ، كلا بل لا تدرك لبلا ولا نهارا ، فثب بربك الى نهاك ، فان الغمام لا يغشانى بل يغشاك ، فكفى جهالة وضلالا فالسحب تحجبك أنت وتفيئك ظلالا تفعل هذا مهما أمرت ، سواء أضرت أم نفعت ، تحول بينك وبينى فى يوم قر ، وتنعزل عنك يوم هجير وحر ، هذا وأنا سابحة فى ملكوت السماء لا اكترث بما يقع فوق التراب والماء ، ولعمرك لو دنت منها ذات اللهب ، لما تركت فوقها من سبح ومن دب

قلت : صدقت يا ذات العلو ، وصاحبة السمو ، ان هذا بعض ما عرفناه وهو ما نتوقعه ونخشاه ، فالله صورة من ارهب الصور ، وسورة من ابلغ السور ، لو فعلتها لقضيت على كل حياة ، وجعلت من عليها هباء ورفات ، ولكنك صاحبة الشفقة والحنان ، ولست والحمد لله بعدوة للنبات والحيوان ، وان شعارك العدالة والمروه مع انك صاحبة العظمة والقوه ، فشكرا يا ذات العرش النارى ويا عروس السماء وسيدة الدرارى

الشمس : شكرا أيها النطيق الملهم ، على هذا الثناء المنظم ، فقد دلتني طريقتك على ما أرى ، بانك من زمرة الشعراء ، ولكن مع حسن الاسلوب والنمط ، فقد ارتكبت غلطا بل أعظم غلط ، ولكن الحديث ذو شجون ، والشعراء يتبعهم الغاوون

قلت : هل قلت نكرا ، حتى تلتمس لي عذرا

الشمس : نعم كيف لا وانت تقول انى صاحبة الحول والقوه ، وتلتمس منى العطف والمروه ، حتى لا أعدمكم الحياة ، واجعلكم هباء ورفات ، وتزعم أن هذا متعلق بارادتى ، وتحت سلطان جورى وعدالتى ألا فأعلم بأنى لست الا كوكبا يسير ، لا يستشار ولا يخير ، نعم

انى كتلة من النار ، واعظم من تجلى ومن أنار ، وأنى سبب الحياة ، ومنبتة الحب والنواة ، وزعيمة الكائنات العليا ، والمهيمن على الدنيا ، ومع ذلك فانى كوكب مساق ، أجرى بلا قصد ولا ساق أطوف تحت السماوات ، مضيئا منعشا ، محررا للاوقات ، فهل يتصور ياهذا ان صاحب السيادة والاطلاق ، يتحمل بعض هذه المشاق ، ويجريها بالامتثال والصبر ، ولا يحيد عنها قدر شبر ، أهذه صفة الامر أيها المغرور ، أم صفة الخاضع المأمور ، وهل يتصور ذو العقل السليم ، ان الآمر المطلق يتحمل العذاب الاليم

قلت : الست الكتلة النارية ، المانحة السناء للكواكب الدرية ، ألست محدثة الاشتاء والاصطياف وأكبر من البسيطة بأضعاف أضعاف ألست الكوكب المغرب المشرق والجحيم الملتهب المتألق

الشمس : أنا لا أنكر هذه القوات ، ولا استصغر تلك الحالات ،

قلت: ومن يدير القوة الخارقة والعظمة الفائقة

الشمس : تديرها قوة اعظم منها ، لا تدرى لها وصفا ولاكنها ، وأكبر دليل على وجودها وجودى ، واعظم برهان على حكمتها مواقيتى وحدودى ، وأنت يا أبا الخيال ، أكثر علما واوسع مجال ، فانك من ذوى الالباب ، رغم كونك من تراب ، لك ملكة التفكير ، وبراعة التعبير ، والشعور والاحساس ، والتصور والقياس ، واما معرفة الهيئة والمكان ، فنحن واياكم فيه سيان ، فلا يمكن لمخلوق أن يطلع عليه ، ولا سبيل الى الوصول اليه

اشترك في نشرتنا البريدية