الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

2 - شخصيته ومميزاته الخلقية :

Share

كانت للشابى شخصية قوية ، أبية ثائرة بقدر ما له من حساسية مرهفة : تجعله يثور على ما فى الحياة من سخف : « وهل فى الحياة غير السخف » ( من قوله : ص 12 ) « فكل واحد من أبناء الانسان يجر قردا أو قردة فى مسالك الحياة الوعرة .. فواحد من سخافاته وادعاءاته ، وواحد من غروره وكبريائه ، وواحد من دناءة الطبع وخساسة النفس وواحد من اقفار الذمة وخراب الضمير ، الى كثير غير ذلك من انواع القردة المعنوية التى يجرها الناس وهم لا يشعرون!! ( ص 43 ) .

كان الشابى أبيا ، عصبى المزاج : « ان أبغض شىء الى هو أن أبقى الى جانب الرئيس الذى ربما لا تلائم نفسه نفسى ، ولا توافق أخلاقه طباعى ، ربما كان متكبرا يحب السيطرة والعنف ، وأنا رجل عصبى لا أحتمل الذل ، ولا أستطيع أن أخمد غضبى ( ويردف قائلا فى شىء من التهكم ) : « فتنجلى الثورة عن شىء جميل جدا ..! الله أدرى بنتائجه ..! » (ص 55) . ولقد تشتد بالشابى سورة الغضب لتبلغ به حد القسوة ، من ذلك مثلا معاملته لابن عم له صغير كلفه بتسخين السحور على البابور ، واذ هو لم يجد البابور لقى منه الوانا من السب والشتم ولم ينج من ذلك أخو الخطيبة « .. ثم اندفعت عليه ضربا وشتما فى ثورة الغضب العنيف ثم أفاق أخو الخطيبة ، فأعطيته حقه من الشتم والتقريع » ( ص ص 76 - 77 ) .

وطنيته : تجلت عنده بمناسبة الحديث عن الاحتفال المائوى باحتلال الجزائر الذى كانت فرنسا تستعد لاقامته وكانت بعض الفرق التمثيلية التونسية تتسابق الى تقديم رغباتها للمشاركة « فى عيد المظالم الاستعمارية » ،

وبخصوص الحديث عن موظفى ذلك العصر بل عن طائفة منهم : « لم نعرف عنها الا أنها أشباح خشبية فى موكب الاستعمار العظيم » ( ص 24 ) . 754                                     18

* قوة شخصيته : كان الشابى يكره المناصب وبالاخص المناصب الشرعية وكثيرا ما كان يقول له أقاربه وأنسباؤه : « ان لك من معارف أبيك وسمعته الحسنة ، وصيته البعيد وشهرة اسمك ، ضمانا لاسترجاع منصب أبيك اليك لو تسعى .. » فيرد عليهم بقوله : « وكأنهم يحسبون أن المناصب هي كل شىء فى هذا العالم وأن منصب القضاء سيدها .. أنا شاعر والشاعر يجب أن يكون حرا كالطائر فى الغاب ، والزهرة فى الحقل والموجة فى البحار ، وفى المناصب ، « والشرعية بالاخص » خنق لروح النفس وقضاء على أغانى القلب ، واجهاز على راحة الضمير .. » « وللشاعر مذاهب فى الحياة تخالف قليلا أو كثيرا مذاهب الناس فيها . وفى نفسى شىء من الشذوذ والغرابة أحس أنا به حين أكون بين الناس . يجعلنى أتبع سننا ورسوما تحبها نفسى وربما لا يحبها الناس .. أنا شاعر ، والشاعر عبد نفسه ، وعبد ما توحى اليه الحياة ، لا ما يوحى اليه البشر » ( ص ص 64 - 65 ) .

* حساسيته : شعوره بالغربة فى هذه الحياة : « الناس لا يفهمون ما يختلج فى نفس الشاعر من عواطف ، لا يفهمون لغة قلبه ولا يفقهون أغانى روحه .. »

« أدركت أننى غريب بين أبناء بلادى .. اننى طائر غريب بين قوم لا يفهون كلمة واحدة من لغة نفسه الجميلة ... أيقنت أننى بلبل سماوى قذفت به يد الالوهية فى جحيم الحياة .. وتلك هى مأساة قلبى الدامية » .

* وفاؤه : لأبيه ولاصدقائه الاموات فضلا عن الأحياء : وكثيرا ما يذكرهم ويتخيلهم : « ها أنا أنظر ، فاذا أصحابه المتوفون يعودون الى الحياة ثانية كأجل وأجمل ما عرفتهم أول مرة .. »

ويذكر أباه فى شىء من اللوعة والحسرة : « ثم ها هو أبى ينظر الى بوجهه الباسم الضحوك ، ومن عينيه تفيض عواطف الابوة الراحمة الحنون.. ثم ها أنا أنظر فلا أجد شيئا مما رأيت ، لقد ذهبوا كلهم الى عالم الموت البعيد .. » .

* تعلقه بالطبيعة : واذ هو فقدهم الى الابد، نراه يهرع الى الطبيعة، ليجلس منفردا على ربوة صغيرة تتصل بتلال كثيرة ، يفكر بأحلام الحياة، وهو يتحاشى محاذرا أن يقطف زهرة ناضرة أو غصنا رطينا ، اذ فى ذلك جناية كبرى ، ( ص ص 20 - 21 ) .

شعوره بمرض القلب وتأوهه : ولئن كان الشابى يعشق الطبيعة ويجد فيها مسلاة لنفسه فكثيرا ما كان يحرم من التمتع الكامل بما يشاهده فيها ، «وكانت

مشاهد كثيرة متباينة ، ههنا صبية يلعبون بين الحقول .. ومن لى بأن أكون مثلهم ! ولكن أنى لى ذلك والطبيب يحظر على ذلك ، أن بقلبى ضعفا . آه يا قلبى ! أنت مبعث الامى ومستودع احزانى ، وأنت ظلمة الاسى التى تطغى على حياتى المعنوية والخارجية » .

اشترك في نشرتنا البريدية