سمعت من الاخ احمد خالد مرارا وتكرار التفكير فى كتاب يهم السنوات الاخيرة من التعليم الثانوى ورأيت منه حزما ينم عن إرهاص لعمل بناء ، واتفق مع الاخ احمد الشابى وهو من هو عصامية فى العلم ونكرانا للذات فى سبيله لتحقيق هذه الرغبة ، ثم لما اصبح التاليف جاهزا او يكاد طلب من ذوى العزائم الصادقة ابداء آرائهم في التأليف سواء من ذوى الاختصاص او غيرهم , وبالجملة من كل من يانس فيه بصيص ذوق فى مضمار الادب او الفن او العلم وحتى الفلسفة كي يرشد او يعين ، وممن يانس فيه موهبة حية سعيه ، لينكب آخر الامر فى زمرة منهم من واصل سعيه معه ومنهم من خانه السعى فاذا بالاحمدين يواكبان الطريق كالطود الشامخ وكالمقاتل الفاتك الذي يابى الا ان يستميت فى الكفاح حتى النصر وكان لهما منه نصيب يعينهما عليه . فكانت ساعات مضنية بعد الدروس يلاقيها المختصون خارج قاعات التدريس وحينا آخر يتناقش الاحاديث صحبة الزملاء فاذا العمل الجدى المرهق يتخذ ذريعة للسعى واذا الجد والحزم يذللان التعب والارهاق واذا برضى الضمير يقوم مقام النصيب المعين على المضى قدما
فى التأليف وقد كان التأليف لرجلين وفى الحق هو لرجال وكان الاقرار بسننتين وفي الحق قد تم فى سنوات ولن يضير ذلك العمل بل كان بحق تجسيما لجهود الرجال العاملين الذين شملهم حظ الذكر او الشكر.
واعود الى التأليف فالكتاب بحق ( ممتع ) للمختص والمتصفح وهو للاستاذ العامل حافز وللاستاذ المتكاسل مغن فى العديد من مواضيعه اذ لم يبق للاستاذ ولا للتلميذ من مشقة سوى التفنن فى الاخراج بالنسبة للاستاذ وبذل بعض الجهد والطاقة للأثراء عند التلميذ.
اما عن الصفحات العدة وثمن التكاليف فلا يعلم المهمة الا من يعانيها والتكاليف باهظة لا شك في ذلك والارباح كثيرة فى شك الا ان المهم استطاعة التلميذ على التكاليف فبعكس المخوف أقبل التلاميذ على الكتاب اقبال الظمأى وهذا ما يؤكد ان التلميذ التونسي أصبح يحسن التقييم للجهد وان الشعب التونسى فى جملته اصبح يعى ويميز بين الغث والسمين واصبح يدرك العمل المضنى من العمل التجارى البحث فتلك التخوفات التى يظهرها بعض المواطنين وبعض المؤلفين خاطئة اذ يقولون قد نبذل فلا نجد واذا وجدنا فلا تعود التكاليف ، اما الاستاذ احمد خالد فغنى عن التعريف كاستاذ وغنى عن التعريف كعصامي مجتهد بحاثة حبب اليه التفرغ الى العلم والسعى اليه الى ان اصبح ذلك ( حرفة ) لا ( هواية ) وكانما استلذ تلك الصعاب فما ان اتم كتابه ذاك بمعية الاخ احمد الشابى حتى طفق يبحث عن مساعدين آخرين لكتاب جديد لعله سيظهر فيما بعد وسيحدث بالساحل حدثا جديدا وهو لجنة للتأليف والنشر ومن يدرى لقد دعا الى ذلك مرارا وتكرارا غير انه لو توفرت لديه الامكانيات لقدر على التنفيذ انه على ذلك لقدير ولكن ازمة الطباعة فى تونس ازمة معروفة .
فالمواضيع التونسية التى ما يزال علم الناس محدودا فيها وترهق الاستاذ قبل التلميذ وترهق التونسى قبل الاجنبى والمغربى قبل المشرقى اصبحت ميسورة فحين قررت البرامج التربوية في الوزارة استنكف الحاضرون وهم فى القمة باحتراز كبير من ادب تونسى واعتذروا وتلك معرة التاريخ قائلين فى احتشام كلي (فغض الطرف انك من تونس فلا مصر بلغت ولا لبنان ) ولكن ابن هانئ الآن بعد المقارنة والموضوعية أصبح شخصا آخر كشفه (( الاحمدان)) ويحق لهما ان يفرحا الادب ويفخر بهما والحصرى كذلك . وصعوبة اللغة في أدبه وأدب صاحبه الأسبق رغم ما اضطهد من قبل محدودي المعرفة بهما وكما
يقال من جهل شيئا عاداه وكم سائل قال من هو ابن هانئ فيجيبه شبه الجاهل به وبحياته عن عمق الكفور الجهول صاحب قصيدة (( ما شئت لا ما شاءت الاقدار )) او قوله فى بعض ابياته (( قرع قروم في الشقاشق يخبخ )) او كما قال المعرى عنه - وبنفسه حفيظة عليه - كانه (( رحي تطحن قرونا )) وفي الحق فابن هانئ غير ذلك ومن شاء المزيد فالكاتب يوضح اليه والكتاب بين يديه وكان الاديبين احسا بانكار النقاد لهما ولادبهما ولحكمهما فاشعا النصوص بتمهيدات واعقباها بتكميلات ثم بعد هذه وتلك بصور حية موضحة فان انكر منكر بعد ذلك فهو عنود جحود . " - ى - دى ٣٣ جبحب بين
وتعددت النصوص وتطورت حسب الاحداث التاريخية بالرجوع الى الاصول الاكثر وثوقا وتعيينها وتاريخ طبعاتها وارقام صفحاتها واخذ عينات منها تتسم بالدقة وحسن الانتقاء وفي ذلك غناء .
والكتاب على جودة اخراجه وتحلية مواضيعه بالصدق والموضوعية يعتبر لبنة جديدة فى تحبيب مطالعة الادب العربى للناشئة وفي كل حق وصدق فيما اعتقد لقد كان هذا المؤلف من جيد ما كتب شرقا وغربا ومما يجعل التونسي يفخر به اذ ينسب اليه.
والادباء فيه محدودون ولم يحتو الكتاب الا على ابن هانئ وتميم ابن المعز والحصرى وابن رشيق وابن شرف وابن السلط امية والورغي والبشير خريف وهو جل المقرر فى برامج التعليم الثانوى والسنوات الثالثة للترشيح ومع ذلك الايجاز فى الشخصيات قد اكتسب الكتاب جودة فيها كفاية وخير الاشياء كما يقول الجاحظ ما كان قليله يغنيك عن كثيره ، اما كثرة الاخطاء فى الطبع وتأخير الطباعة عن الموعد المطلوب فتزيدان مزية اخرى للاحمدين اذ تابعا الاثر عينات وشرحاه نصوصا وفحصاه تاريخا وتاريخا و ضمناه اسئة تقديما وتكميلا ولابن هانئ نقتصر على ما ورد بالصفحات القليلة التالية من93 الى 99 فنجد تقديما خمسة عشر سطرا ثم عرضا للقصيد مشكولا ومشروحا ثم خريطة بصفحة 96 فشرح لغوى بنهاية 98 وجل 99 واسئلة ثمانية تلم بالموضوع المطروق لم تكن اعتباطية والمرجع الموثوق الدكتور زاهد على صفحة 540-558 وكل تلك الاشياء تنم عن الدقة من جهة والامانة العلمية من اخرى الا انه لن يضير الاحمدين شئ اذ اعتمدا فى انتقاء عينات شعر ابن هاني على (( تبيين المعانى فى شرح ديوان ابن هانئ )) طبعة مصر 1352 اذ اعتبره المؤلفان من اقرب الكتب معاصرة ويمكن ان يعتبر من انفس المراجع دقة وثقة .
وقد كان تقسيمهما للكتاب بحسب أوليات التدريس وطبقا للبرامج المقررة كما كان التقديم للنصوص بحسب اهميتها فيما يظهر فالنصوص التمهيدية استغرقت من صفحة 9 الي 55 اما النصوص التكمينية فلم تتجاور البضع صفحات من صفحة 534 إلى 539 بالاضافة إلى ما ورد عرضا للتمهيد والتكميل وكان لابن هانئ نصيب الاسد فقصائده مرتبة ترتيبا محكما الحديث عنه بلغ ثمانى وثلاثمائة 308 صفحة عدى المعزيات ( اى من صفحة إلي327 ) ثم برق الليل نصوصا واختيارا بلغ 66 ( من 456 الى 467 ) ( ومن 19 475إلى 530 ) ثم ابن رشيق 59 ( من 342 إلى 401 ) ثم ابو السلط 10 صفحات (من 424 الى 434 ) ثم ابن شرف 8 صفحات ( من 409 الى 417 ) تم الورغي صفحتين ( 437 الى439 ) واخيرا تميم ابن المعز صفحة واحدة ( 421 الى 422)
وهذه الجهود كاشفة بنفسها متحدثة عن ذاتها اذ بلغ عدد صفحات الكتاب 574منها ثلاث صفحات ونصف مقدمة ( من 5 إلى 8 ) و 12 تصويبات ( من 559 الي 571) بل ودقق المؤلفان فيه حتى لم يهملا آخر الامر بعض الاضافات التى نسيت في نصوص ابن هانئ منها ( من 572 و 573 ) تضاف هاتان الصفحتان الى صفحة 64 او لعل ذلك يعود الى محض خطا فى الطبع الا انه مهما يكن الامر فالمؤلفان قد استفرغا الجهد وبذلا الطاقة فقدما عملا يتسم بالدقة والعناية .
والغريب الغريب ان النقاد وما اكثرهم فى بلادنا وبين ظهرانينا - على اختلاف مستوياتهم وثقافاتهم - فتحت افواههم في نظرات عجلى واحكام اعتباطية عندما ظهر كتاب اعترف مؤلفه اعترافا صريحا بنقصه وقلة التمكن من التدقيق فيه نظرا للسرعة والزامية الاحداث ومقتضيات الاحكام وهو (( النصوص التكميلية لاحمد خالد )) وانتقدوا المؤلف على سرعة العمل فيه فى غير هوادة وقامت سوق ((سبويه )) من استعمال لحرف جر او انتقاد لأجر وبهاظة تكاليف من مرخص له او مرخص فيه او مرخص فقط اما هذه المرة وقد بلغ الكتاب مقدرة فرضت نفسها بنفسها نتساءل الآن اتراها افحمت الالسنة فعجزت حتى عن الشكر ام ماذا وقع ؟ أسوق البلاغة نفدت أم نار الحمية خمدت أم(( العين على كل جميل كليلة )) ؟ انتظرنا طويلا الألسنة كي تتكلم وتعرف بالفحوى وتستجيب للطلب فلم نر فى الصحف السيارة الا لقطات عابرة ومقتطفات بسيطة بمجلة الاذاعة لا تسمن ولا تغنى او حديثا تلفزيا يا مع المؤلفين استغرق بضع دقائق فاين هى الصفحات الادبية بالصباح واين هي التعاليق ضمن الملحق الثقافي بالعمل اين هو التشجيع من قبل القراء
واين هى العناية ؟ اهكذا كل من بذل الطاقة سكت عن عمله فلم يشجع ولو بكلمة شكر فحين طالب الكاتب من النقاد المعذرة اهملت قولته واما وقد طالب المؤلفان بالنقد فقد تنوسى عنهما فاين هو النقد فى تونس واين هم النقاد الذين نرغب فيهم وفي افكارهم البناءة فان الف المؤلفون فى جودة اعتبر النقاد ذلك حقا مكتسبا وان زلت قدمهم لاسباب عدة اعتبروا الزلة ذنبا وهكذا فالناس يطلبون الخير ويعتقدون أنهم أهل له ويمتنعون عن الذم ويعتبرونه اثما وجرما عظيما .
فالى الاحمدين اتقدم باحر التهانى لهذا الجهد الذى بذلاه واستسمحهما ان صدر مني ما فيه ماخذ او لوم لاني اغار على عملهما غيرتهما عليه واعتبر نفسي احد الذين لبوا نداءهما حين قالا نحن نتقبل بكل سرور ملاحظات زملائنا لنستفيد منها ( المقدمة صفحة 8 ) واعتبر احكام ملحوظات اردت ان ابديها وارجو لهما ان ينالا وقد نالا من جهدهما هذا فيما اعتقد ما يرضى وأرضي ضمائرهما بما هما اهل له ، ونترقب بفارغ صبر الجزء الثاني من (( ممتعهما)) فى الادب المشرقى بما يشفى الغليل وذلك لقلة مصادر ماذهبا اليه وتعدد مصادر ما لم يظهر من مؤلفهما ولعل ابداعهما فى الاختيار اقوى وبراعتهما على الاكتشاف اسمى وقدرتهما على الاثراء اروى وتلك احكام ظهرت بعد طول تعمق وانتظار ترددت كثيرا فى ابرازها لا خشية الاقدام فان الحق أحق أن يذكر وانما لتكون الاحكام اصدق فى رأيى وطبعا - بعد كل شئ - فالمشرف اقوى بصيرة على النقائص ولو قام بها لقام بها ومن حسن عملهما ان عبرت عن بعض ما شعرت .
