الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

5 - أسلوبه وخصائصه :

Share

أسلوب الشابى فى نثره متين سلس بليغ موسيقى هو صورة لشخصيته النابغة وذاته الشعرية الفنانة :

أ) التشخيص : تشيخيص الطبيعة - تشخيص الحياة ، أضفاء الخيال : تتحول عنده الريحانة الى فتاة جميلة : « ها هى تلك الريحانة الجميلة التى انبتتها فى سبيلى أنامل الحياة - ها هى تنظر الى بعينيها الجميلتين الحالمتين بأحلام الملائكة .. ثم تشير الى براحتها الجميلة الساحرة وبأناملها الدقيقة الوردية ، ثم ها هى تطبع على ثغرى قبلة حلوة ساحرة بشفتيها المعسولتين برحيق الحياة ( ص 11 ) .

أو قوله : « .. انما هى المعانى قد كانت تتابع نفسى آخذة برقاب بعضها البعض ( ص 18 ) .

2) التشبيه : يقول متحدثا عن الزهور : « الست أراها ترتعش بين أحضان النسيم ارتعاشة الغانية على صدر عاشقها السعيد ؟.. » 758                                22

ويقول فى ناحية أخرى :

« ألست أرى وريقاتها الصغيرة تتحرك حركة من يهم بالكلام كأنما تحاول أن ترتل أغنية الحب والجمال ؟.. »

3) استعمال الفصيح من الكلام : كقوله : « أجلو عن نفسى ما ران عليها من أقذاء الاجتماع » ) ( ص 17 ) .

أو قوله : « عاصفة هوجاء أو وابل هتان ( ص 18 ) .

- « غادة رعبوب مرخاة الذوائب » ( ص 70 ) .

4) من أسلوب الحوار : يتحاور الشابى مع نفسه ، كقوله « لا تغامر يا شابى وارجع الى عشك واستخلف الله فى هذا الشعب الضائع والخيبة المرة .. » ( ص 18 ) .

5) استعمال المحسنات البديعية : يستعمل الشابى بعض المحسنات البديعية (بدون افراط) مثل :

- والطباق : كقوله : « التلال الخرساء الناطقة فى صمتها بأبلغ معانى الحياة » ( ص 22 ) .

- الجناس : كقوله : « فان لك من أصدقاء أبيك وشهرته الطائرة وخدماته الطاهرة .. ما يحقق لك هاته الامنية فى أسرع من لمح البصر .. » ( ص 65 ) .

- المقابلة : كقوله : « .. غربة الشاعر الذى استيقظ قلبه فى اسحار الحياة ، حينما تضطجع قلوب البشر على أسرة النوم الناعمة » ( ص 31 ) ، فى هذه الفقرة قسمان ونلاحظ هنا المقابلة بين القسمين :

القسم الأول : « غربة الشاعر الذى استيقظ قلبه فى أسحار الحياة » .

القسم الثانى : « حينما تضطجع قلوب البشر على أسرة النوم الناعمة » .

6) الموسيقى اللفظية والايقاعات الصوتية :

يذكرنا نثر أبى القاسم الشابى بما ألفه الشاعر الفرنسى « شارل بودلير » من « قصائد صغيرة نثرية » وذلك لما يتصف به أسلوبه من نغمات ومقاطع صوتية ، تقوم على التوازن بين الجمل وما تنتهى به من امتدادات صوتية قريبة كل القرب من السجع .

« .. ثم ها أنا أنظر فلا أجد شيئا مما رأيت ، لقد ذهبوا كلهم الى عالم الموت البعيد . وتفرقوا شيعا فى أودية المنون الصامتة فما عدت أراهم حتى الابد فى مسالك هذا الوجود . وما عدت ألقاهم حتى الموت فى صحراء هذه الحياة . لقد احتجبوا عنى حتى الأبد وبقيت وحدى فى هذا العالم . أناديهم من وراء الوجود ولكن عبثا أدعو فانهم بعيدون عنى لا يسمعون نداء روحى ولا صرخات قلبى الغريب .. لقد ذهبوا كلهم وبقيت ههنا وحدى انا فى وحدتى وانفرادى وفى سكون الظلام » .

الخاتمة : وهكذا نستطيع القول بعد هذا الاستعراض لما تميزت به «مذكرات الشابى» فحوى وأسلوبا انها وثيقة هامة لمزيد الاطلاع على شخصية هذا الشاعر الفذ ذى العبقرية المبكرة، والالمام بجوانب من حياته وأدبه الطريف وهى لا تقل قيمة فنية عن بقية آثاره الاخرى وخاصة ديوان شعره ، ويتسنى لنا أن نصرح بأن الشابى الكاتب الناثر مكمل للشابى الشاعر من حيث هو أديب تونسى يتصدر طليعة الادباء العرب فى عصره ، ويبقى خالدا عبر العصور بفضل ما امتاز به من حساسية وقدرة على الخلق والابداع .

اشترك في نشرتنا البريدية