فى هذا الحديث لا أعرض لظروف نشأة القصة القصيرة فى الجزائر لانه قد سبق لى فى مناسبات كثيرة أن عرضت بالتفصيل للمؤثرات والعوائق التى أخرت ظهور هذا اللون من الادب عندنا الى فترة متأخرة بالقياس إلى القصة فى العالم العربى ، كما أنه من تكرار القول أيضا الحديث عن العوامل الكثيرة التى أسهمت فى ضعف الثقافة العربية وتأخرها فى الجزائر الى بداية هذا القرن فهذا ايضا عرضت له بكثير جدا من التفصيل فى كتاب : القصة القصيرة الجزائرية ، وتطور النثر الجزائرى الحديث ، اذن فمن نافلة القول أن نعيد ونكرر فى أمور أصبحت من الاشياء المعروفة .
ومع هذا فاننى مضطر إلى تلخيص بعض ما يتصل بالموضوع حتى نربط بين تطور القصة وبين الظروف ، لان وضع الادب فى الجزائر بوجه عام يختلف عن وضعه فى بقية الاقطار العربية نظرا الى أن الجزائر قد ابتليت بالاستعمار قبل غيرها من الاقطار العربية ، وأن اللغة العربية فيها قد تعرضت لاضطهاد لا نظير له بالنظر الى بقية البلدان العربية الاخرى .
هذا الوضع الشاذ الذى عرفته الجزائر سياسة وثقافة قد كان له أثره فى تأخر ظهور الاشكال النثرية الجديدة مثل القصة والرواية والمسرحية . بينما نجد أن الشعر وجد عناية نسبيا وأهتماما سواء من قائليه أو متلقيه على حد سواء .
فاذا كنا قد وجدنا نماذج من الشعر فى العقود الاولى من قرننا الحالى . فان الفنون الاخرى لم تحظ بذلك سوى فى العقد الثالث وما بعده حتى الآن .
ويمكن التمييز بين مراحل مرت بها القصة القصيرة . .
فالمرحلة الاولى هى مرحلة النشأة ، حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ، وهى الفترة التى كان الشعب يتلمس طريقه فيها الى النهوض فى شتى المجالات بما فيها الادب . ومن ثم فان القصة أو الاشكال القصصية التى ظهرت فيها كانت أشكالا بدائية فى أسلوبها وشكلها وطرائق التعبير فيها ومعالجتها للمضامن التى ارتبطت بالفكر الاصلاحى اساسا . ونلحظ عناية بالمقال القصصى بالدرجة الاولى ، وشيئا ما بما يمكن أن نطلق عليه الصورة القصصية .
ويرجع هذا الى الفهم الساذج للقصة ولدورها ومفهومها لدى المنشئين من كتابها ، والى تأثرهم بالتراث فى هذا الموضوع ، فطابع التأثر بالمقاومة يبدو واضحا فى لغتهم وأساليبهم ، فليس هناك عناية بالحوار من حيث انه عنصر يعكس رأى الشخصية وفكرها ويساعد على رسم هذه الشخصية ورؤيتها وفهمها للحياة ؛ وان الحوار يأتى للتعبير عن أفكار الكاتب وغرضه من كتابة هذه القصص . ثم ان الشخصية نفسها لا ملامح لها ولا خصوصية تمييزها عن غيرها نظرا الى الاحكام العامة التى يطليها عليها الكاتب والى طابع الجمود والافكار المسبقة عنها فليس لها أبعاد تعطيها سمات معينة تكتشفها من خلال الموقف أو التصرف أو الفكرة او البيئة التى تعيش فيها فضلا عن التربية والمؤثرات الاخرى التى تسهم فى تكوينها وتفردها وامتيازها الى جانب الفكرة التى تفصل بين الخير والشر لدى هذه الشخصية ، فاذا كانت تنتمى الى البيئة الاصلاحية فهى شخصية خيرة أما إذا كانت تنتمى الى البيئات الاخرى خاصة مثل بيئة رجال الطرق ، فهى شخصية شريرة شيطانية ، فهذان المحوران هما الاساس فى هذه القصص واشباه القصص التى ظهرت فى هذه الفترة.
وبالطبع فان الكتاب قد ارتبطوا بالحركة الاصلاحية كانوا يعبرون عن أفكارها ودعوتها وفهمها للادب والحياة بوجه عام ، لذلك فان القصة انحصرت فى هذا المجال ، فى الصراع بين المصلحين وخصومهم من الجامدين سواء كانوا من رجال الدين أو من رجال السياسة .
وهذا الوضع كان له أثره فى أن التجارب دارت فى هذه الدائرة وان احداث القصص ارتبطت بهذا المفهوم ، بالاضافة الى انها احداث معزولة عن الشخصيات فليس هناك ارتباط بين الشخصية وبين الحادثة ومن ثم انعدم التطور فيها بصورة واضحة .
وهذا الفهم للقصة أدى إلى عدم التركيز فى الاسلوب من جهة والى الاطناب من جهة أخرى ، فالكاتب لا يختار لغته او اسلوبه كما انه لا يختار الحادثة او الشخصية ، وانما يكتب كما شاء وكما اتفق له ، طالما ساعدته المفردات والكلمات وطول القصة أو قصرها لا يخضع الى مقياس فنى أو احساس معين يعبر عنه فى لحظة خاصة يختارها من بين اللحظات الكثيرة ويصطفيها من بين الحوادث المختلفة الكثيرة التى تجسد موقفا معينا يتخذه الشخص تجاه الحياة، وان الكاتب يشاهد واقعة أو يستوحيها من بيئته فيدير حولها حوارا وسردا يشبه الخيال القصصى أو حول حكاية تدور حول شخصية معينة أو فكرة سيطرت على الكاتب او منظرا من المناظر أثر فى القصاص فينشئ قصة قصيرة بالمفهوم العام لهذا المصطلح أى يراعى ناحية الكم والحجم ولكنه لا يراعى المقاييس والخصائص الفنية الاخرى .
وكما ذكرت فان المضامين فى هذه المرحلة تشابهت وتركزت حول الاصلاح الاجتماعى والدينى والاخلاقى .
وان الذين كتبوا فى هذين الشكلين البسيطين كثيرون بحيث يمكن القول بأن اسماء كثيرة كانت قد ظهرت فى هذه المرحلة ولكن يأتى فى مقدمة من غير بصورة واضحة بكتابة هذا اللون الادبى يأتى محمد بن العابد الجيلالى ، والسعيد الزاهرى ، الحفناوى هالى ، واحمد رضا حوحو ، وهذا الاخير كان يكتب صوره القصصية فى مجلة المنهل الحجازية فى الثلاثينات وبداية الاربعينات .
على ان المرحلة الاولى تعتبر تمهيدا لتطور واضح بعد الحرب العالمية الثانية التى كان لها أثرها فى اليقظة الفكرية والسياسية والثقافية فقد أتيح للمثقفين الجزائريين أن يطلعوا على نماذج من القصة العربية بعد اتصال بالبيئات العربية سواء عن طريق البعثات العلمية او عن طريق الرحلات أو عن طريق الكتب ، ولكن الحصار الثقافى الذى عاشته الثقافة العربية فى الجزائر استمر بصورة أقل حدة عن ذى قبل مما أتاح الفرصة للكتاب بأن ينظروا إلى القصة نظرة مختلفة نسبيا عن نظرتهم اليها فيما بين الحربين ، فلم يعد مفهوم الادب هو الشعر وحده كما كان الامر فيما سبق ولكن بدأ الكتاب ينتبهون الى أن القصة القصيرة لها قيمتها ومكانتها فى الادب العربى والعالمى ومن ثم بدأت الدعوة الى كتابتها والاحتفال بها وان بقيت هذه الدعوة محصورة فى نطاق ضيق .
و لا شك فى أن الاديب القصاص رضا حوحو كان له الفضل فى هذه الدعوة كما كان له الفضل فى تطوير هذا اللون الادبى فى الجزائر . فقد نشر قصصه فى الصحافة الوطنية وان كان بعض هذه القصص فى الحجاز كما أسلفنا القول ، وقد امتاز هذا الاديب بروح الفنان الناقد المتمرد وبالثقافة الواسعة بالاطلاع على الادب العربى والاجنبى ، ولكنه مع هذا لم يستطع أن يحقق مفهومه وتصوره للقصة القصيرة بالرغم من ادراكه لتقاليدها وخصائصها ، ومع هذا يبقى رائد القصة الجزائرية لا لريادته ولكن لانتاجه الغزير فيها رغم انه استشهد فى الثورة عن عمر لم يتجاوز الخمسين . ونحن نلمس تطورا فى هذه المرحلة الثانية التى تمتد حتى البدايات الاولى لثورة نوفمبر 1954 م . وهذا التطوير يمس الجانب الشلكى والمضمونى أيضا فمن ناحية الشكل نلحظ توظيفا جديدا للغة بحيث أصبح الكاتب - خاصة عند حوحو - يهتم بالتعبير الموحى لا المباشر كما هو شأن من سبقه بل وحتى من عاصره .
كذلك فان التركيز على جانب واحد او موقف خاص يختاره الكاتب ويركز عليه ، وان الشخصية ارتبطت بالحادثة نوعا ما ، ومع هذا بقى لدى بعض الكتاب ذلك الانفصال بين الشخصية وبين الحادثة بين الخير وبين الشر فيها. ومال بعضهم الى التركيز فى رسم الشخصية ووصف الحادثة ولكن بعضهم لم يستطع أن يتحرر من المفهوم القديم لكتابة القصة كما سبق أن ذكرنا فما زال الكتاب ينظرون الى القصة على أنها حكاية حول شخص أو أكثر تصاغ بطريقة نثرية عادية دون اهتمام بالعناصر الفنية الاخرى التى تساعد القصاص على جمع خيوط القصة لتصبح وحدة متماسكة فى شكلها ومضمونها .
ويبرز إلى جانب رضا حوحو كتاب آخرون بدرجة اقل منه كما وكيفا ، مثل أحمد بن عاشور ، وعبد المجيد الشافعى وزهور ونيس وسعدى حكار وغيرهم ، ممن أسهم فى اثراء القصة القصيرة بصورة جلية واضحة .
وبالرغم من المحاولات الكثيرة لزرع هذا الشكل فى البيئة الادبية فان النتاج الذى نشر فى هذه الفترة نفتقد فيه الاصالة والموهبة الا فى النادر القليل كما نفتقد فيه الدوافع الفنية فى كتابة القصة وان الدافع الاساسى الا ما ندر كان هو الشعور بالفراغ المريع فى انتاج القصة .
ومع هذا فان هؤلاء الكتاب كان لهم الفضل فى التمهيد بنشر هذا الشكل الادبى فى الادب العربى الجزائرى المعاصر . كما نبه الاذهان الى أن هناك فنا
ينبغى أن يستخدم للتعبير عن التجربة الخاصة بالفرد والتجربة العامة المتصلة بالمجتمع . مما دفع بالكتاب الذين جاؤوا بعدهم الى تجويد اساليبهم وحثهم على متابعة السير بل وساعد على تطور القصة على أيدى الجيل التالى لهم خاصة بعد ان قامت الثورة التحريرية وفجرت الطاقات الابداعية للشعب فى شتى الميادين واتاحت الفرصة للكتاب أن يغيروا من نظرتها الى الواقع والى الحياة .
ويبدو هذا التغيير فى ملامح كثيرة ، ففى الفترة من السنين تحدثنا عنها كان الكتاب يهتمون بتسجيل الواقع تسجيلا حرفيا اصبح الكاتب فى هذه المرحلة يعبر عن الواقع من خلال الحدث والشخصية والاسلوب . ذلك ان الثورة أتاحت للكتاب امكانيات ضخمة وتجارب جديدة دفعتهم للبحث عن الجديد سواء كان اتصل ذلك بالموضوع أو المضمون أو الشكل .
ومن ثم رأينا الكتاب يبحثون عن الموضوعات الجديدة مثل الحديث عن الاغتراب وعن الهجرة الى اروبا والى فرنسا بالذات ، ثم الاهتمام بتأثير الحرب واهوالها فى حياة الناس ، كما اهتم الكتاب بالجيل الذى لعب دورا بارزا فى النضال القومى ، فضلا عن محاكمة الاستعمار الفرنسى وأذنابه ، الى جانب العناية بالمرأة ودورها فى النضال مثل الحديث عن الفلاح الذى رفع السلاح من أجل الحرية والعدالة .
وتغير مفهوم البطل ، فبينما كان فى الماضى هو الرجل الاصلاحى الذى يدافع عن العقيدة أو يدعو الى التقدم ونبذ الخرافات أصبح هو الانسان الذى يكافح ظروفه ويتغلب على غرائزه الانسانية الذى يحب ويكره ويخاف ويطمح، يتجرأ ويتراجع ، باختصار أصبح البطل انسانا يمتزج فيه الخير والشر ويرتبط بالارض والواقع . كذلك ظهرت أشكال جديدة للقصة القصيرة ، مثل شكل الرسالة وظهر ما يسمى تيار الوعى بالاضافة الى الاساليب الاخرى فى كتابة القصة . وأصبحت وظيفة القصة هى التصوير والايحاء والتعبير بدلا عن الاسلوب الخطابى الذى كان هو الغالب فيما كتب من قصص فيما سبق. وبكلمة واحدة حاول الكتاب تحقيق السمات الخاصة بالقصة القصيرة المعروفة ولكن بنسب مختلفة ، وهذا راجع الى تجارب الكتاب واختلاف ثقافاتها وملكاتهم وأساليبهم .
على أنه ظهر لنا أن فى القصة تيار رومانسى وآخر واقعى نتيجة عوامل مختلفة بعضها يتصل بالكاتب وتجاربه ونظرته وبعضها يتصل بالظروف الاجتماعية وبالبيئة العامة ، ثم الاوضاع التى تغيرت بعد قيام الثورة مما أوجد نزعة الى الواقع والتعبير عنه بحيث سيطر الاتجاه الواقعى بعد ان انحسر
التيار الرومانسى وبعد أن ارتبط الكتاب بالنضال الوطنى من اجل الحرية والدفاع عن الارض والشرف والكبرياء القومى .
وقد حاول الكتاب اثناء الثورة ان يعكسوا هذا الواقع فى انتاجهم القصصى ويصوروا تجاربهم انطلاقا من تجربتهم الخاصة او من تجربة الشعب بوجه عام . وهذا الاتجاه يسجل نقلة هامة فى القصة الجزائرية القصيرة وقد استمر هذا الاتجاه بعد الاستقلال .
وقد تطورت أساليب الكتاب فى نظرتهم الى الواقع من ناحية وتصويره من ناحية أخرى وبذلك أوجدوا نوعا من التوازن بين الذات والموضوع بين الشكل والمضمون ، بين الفردية والجماعية فى الآن نفسه .
ويميز المرحلة السابقة كتاب كثيرون مثل الدكتور أبو العيد دودو وعبد الحميد بن هدوقة والطاهر وطار والجنيدى خليفة وعثمان سعدى وحنفى بن عيسى ومحمد خليل ومحمد الصالح الصديق وكاتب هذه السطور وغيرهم ممن أسهم بقصص قليلة فى هذا الاتجاه .
واذا كنا قد لاحظنا أن هناك تطورا فى القصص التى ظهرت فى هذه المرحلة فان هناك بعض المآخذ التى لم تتملص منها مثل الاهتمام بالجانب الظاهر فى الشخصية الانسانية وفيما يتصل بالثورة ومعطياتها وآثارها المادية والروحية، ولم يهتم بالجانب النفسى للفرد والشعب معا ، فكان الصراع فيها سطحيا لا صراعا يعبر عن ازمة الانسان ومأساته أو انتصاراته وأثرها فى أعماق هذا الانسان .
والواقع اننى أريد أن أكرر القول فيما ذكرته عن القصة القصيرة المكتوبة بالفرنسية فقد تحدثت بشئ من التفصيل فى كتابى (( القصة القصيرة )) وناقشت نشأة الادب المكتوب بالفرنسية وناقشت القضايا المتصلة بهذا الموضوع وبينت رأيى فى دور هذا الادب الذى كتب بلغة أجنبية فى فترة معينة وأظهرت بأنه أدب مرحلى الوقت ليترك مكانه لادب عربى فتى يعبر عن واقع الشعب وماضيه ومستقبله .
أما المرحلة الاخيرة فهى التى ظهرت بعد الاستقلال والتى تمتد حتى اليوم . والملاحظة التى نسجلها أن القصة قد أصابها نوع من الركود فى بداية الاستقلال لظروف تتصل بالكتاب وبالمجتمع ، ذلك ان الدوافع لكتابة القصة قد ضعفت بالقياس إلى عهد الثورة التى فجرت العواطف والمشاعر وأثارت
حماس الجميع ، بينما بعد الاستقلال خفت حدة التوتر بعد الانتصار .
يضاف إلى هذا كله ان المجتمع بدأ يتحول من مرحلة الاضطراب الى مرحلة الاستقرار المادى والفكرى بعض الشئ . ولكن كان المفروض ان نلمس تطورا وهذه الفترة ولكن مع هذا لا نلحظ تطورا ملحوظا قبل السبعينات ، فكتاب الثورة هم اولئك الذين استمروا بعد الاستقلال واستغرقتهم ظروف كثيرة لم تترك لهم الوقت الكافى لتجديد انتاجهم وهذا ما يفسر قلة النماذج الجيدة فى الستينات خاصة تلك التى ترقى الى المستوى الرفيع فى هذا الفن الصعب .
على أننا اذا كنا لا نلحظ تطورا واضحا فى الشكل فاننا نلحظ بعض التطور فى المضمون بالرغم من أن كثيرا من هذه القصص بقيت تجول في دائرة الثورة واحداثها وآثارها ، ولكن مع هذا وجدت بعض النماذج التى تحاول أن تركز على الواقع وتساير الافكار التى انتشرت فى الستينات مثل معالجة الجانب المادى فى حياة الفرد والعدالة الاجتماعية او الدعوة الى الاشتراكية ولكن الموقف لا يمثل تيارا واضحا فى الستينات . وانها من ارهاصات تشير الى ان الكتاب أصبحوا ألسنة تنطق بما يجول فى خلد الشعب .
على أننا نسجل بأن الانتاج فى هذا العقد كان من ناحية الكم يدل على غياب اكثر بهذا اللون من الادب ، كما انه فى آخر الستينات بدأ بعض الشبان يمارسون كتابة القصة وان كان كثير منهم لا يدل انتاجه على فهم سليم لمفهومها وبذلك انتشرت الحكايات التى لا تبرهن عن موهبة أو أصالة أو تمكن سواء من ناحية الاسلوب أو المحتوى أو الفهم العميق للواقع وابعاده وأعماقه .
ولكن بداية السبعينات وحتى اليوم يمكن أن نسجل بداية مرحلة أكبر اهتماما بالقصة بعد أن ظهر شاب يمثلون جيلا جديدا ويتمتعون بمواهب أدبية وبحس فنى ملحوظ وهؤلاء يحاولون التجديد سواء فى الموضوع او الشكل أو المضمون ، وحتى فى الرؤية والنظرة للواقع .
ويمكن أن أذكر بعض الاسماء التى تسير على الطريق نحو المستقبل مثل : احمد منور ومصطفى قاسى ، وحرز الله وعمار بن ابو حسن ، والقيد بن عروس وعلاوة على الادرع الشريف وخلاص جيلانى ، وغيرهم من الكتاب الشباب الذين يحاولون التجديد والتجريب ويتمثل هذا لدى البعض فى الابتعاد عن الطريق المألوفة فى السرد القصصى ، وعن الخط التطورى فى القصة ، فيهتم بالقصة الدائرية ان صح التعبير ، فهو لا يبدأ من بداية معينة ويتابعه الحدث فى تطوره مع الشخصية حتى النهاية وانما يندمج فى الحديث ويبنى أفكارا
حوله وحول شخصيته فلا يهتم بنموها حتى الذروة ، ولكن يهتم بالايحاءات التى تتكشف من خلال التصوير للموقف أو النظرة ويستخدم لذلك الازمنة المتداخلة ينتقل فيها من زمن الى آخر ويضئ اللحظة أو الفكرة التى يريد الكشف عنها او ابرازها .
كذلك فان بعض الشبان يجرب أسلوب أو شكل الفقرات فى القصة بحيث يجزئها إلى أفكار او أجزاء ثم فى النهاية يربط بينها بخيط ما ، وربما استعان بالتاريخ باليوم أو بالتعاون الفرعى ابرازا للواقع أو للمأساة ، وقد استخدم بعضهم الرمز للافكار برموز مادية يجسد بها أفكارا معينة . أو برموز تتصل بحياة الشعب وثقافته وتصوره وخياله وأحلامه وآماله بغرض اضفاء الحيوية على المعالجة والبعد عن المباشرة من جهة وتصوير الموقف بما يناسبه من غوص وراء الظاهر الى الاعماق .
ويمكن ان نسجل بان لدى هؤلاء الشبان قناعة اشتراكية يتفاوتون فى ابعادها وفهمها وتفسيرها ، ويتأرجحون فيها بين الاعتدال والمبالغة التى قد تدفعهم الى ان يهتموا بالمضمون أكثر من الشكل . ومع هذا يصعب الحكم على من يبقى فى الدرب ومن سيتوقف ولكن الذى نلحظه ان بعضهم يبشر بشئ يمكن ان يتضح مع مرور الزمن ومع التجريب والمعاناة والتثقيف المتواصل ، إذا وجدوا الرعاية والعناية المادية والمعنوية .
وكم كنت أود أن اعترض الى الرواية العربية فى الجزائر حتى تكتمل صورة هذا الحديث ولكن الامر يتطلب بحثا مستقلا لان الرواية فى الجزائر باللغة العربية فن حديث يرجع فى نشأته الى السبعينات ولكننى قد تحدثت بشئ من الايجاز عن هذا اللون القصصى فى كتابى : تطور النثر الجزائرى الحديث، ويبقى أن نذكر فى نهاية هذه الكلمة بأن الاشكال الادبية الحديثة لم تجد فرصتها الملائمة سوى فى الاستقلال ولذلك فان الحكم عليها قد يظلمها ويظلم أصحابها ، ولكن المهم أن الارادة متوفرة وان المواهب موجودة ولكن الفن والادب لا ينبت فى لحظة واحدة ولكن يتطور مع الحياة يأخذ منها ويعطيها ويستمد بقاءه من الانسان ومدى تعبيره عن أشواقه وآلامه وهذا ما يحاول الادب العربى فى الجزائر بأن يقوم به حتى يقوم برسالته النبيلة باعتباره رافدا من روافد الادب العربى الحديث والمعاصر وبوصفه تعبيرا عن مزاج الفرد والمجتمع ليلتقى فى النهاية مع النهر العربى المتدفق خدمة للعروبة والادب العربى .
