الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

اقصوصة من الف ليلة وليلة، اسطورة الالهة

Share

الليل مقمر ، والجو يكتنفه صمت جميل ، وانفاس الصيف تهب واهنة مجهدة وفي إحدى شرفات القصر المنيف انبسطت آريكة من الوان الربيع حذو خوان حافل فى انتظار الفاتنة شهرزاد وزوجها شهريار ، انها الليلة التى وعدته باتمام قصتها فيها ، وما اطول قصصها ، لكأنها تحكى بلسان الزمن عن حوادث الزمن . . . .

- قالت لقد وعدتك . يا زوجي الحبيب - باتمام قصة "الاميرة تاج النجوم" وما حدث لها من افراح لذيذة ، وما اعقبها من فواجع اليمة ، ونسيت ليلتئذ ان احدثك عن حياة أهل تلك المدينة التى شهدت فيها "تاج النجوم" النور لاول مرة فما رأيك فى سياحة رائعة مدهشة ؟

- قال : الامر بيدك يا حبيبتي ، اما انا فكلي انصات وشوق وضمها اليه ، فتهدلت خصلات عطرة من شعرها الفاحم على انفه بعثت فيه كامن الاحاسيس

- قالت : كانت فى احدى جزر الحياة الواقعة خلف الافق الشرقى مدينة جميلة تدعي "مدينة الغد" قد حباها الله بمناظر جميلة من رائع إبداعه لكأنها الجنة التى وعد بها المتقون ، وفى هذه المدينة ، بعد زمن طويل ، ولدت الاميرة "تاج النجوم" التى عرفت طرفا من حياتها - ولقد اقترف سكان هذه المدينة جريمة نكراء ! هي تمردهم على الاله "امون" ورغبتهم فى استنشاق نسيم الحياة . انهم سئموا الزحف على وجوههم فى اعماق الارض فتجمعوا وحملوا رفاتهم بأيديهم وصرخوا فى وجهه : نريد النور ، نريد ان نخرج من الكهوف ، نريد ان تتملى جمال مدينتنا ! أتدرى بماذا أجابهم الا له ؟ فانتفض شهريار قائلا : بماذا ... بماذا ؟؟

قالت : لقد سلط عليهم نقمته الماحقة فارسل اليهم شمسا محرقة داخل كهوفهم تبدد ما حولهم من ظلام ، فاذا عيونهم مغمضة ، واذا الزيف يندس في صفوفهم واذا دليلهم أيديهم ، ومرة ثانية جمعوا فلول شملهم وصاحوا في وجه الاله : سئمنا هذه الحياة ، ولكن الاله كان فى شغل بمخاطبة السماء ، فلم يحفل

بصراخهم وتحت قدمى هذا الاله السابح في عالمه الماورائى دبرت المكيدة وعزم القوم على امر . . . هذه العجلة الدائرة يجب ان تقف . . .

وفي احدى ليالي الشتاء كان الوجود في حيرة ، فلقد وقفت عجلة الزمن فجاة ، واحس الاله بارتجاج عنيف وزلزال عارم يجتاح صرحه فيهوي فيه ركاما على ركام ، وفيما يحاول الاستنجاد كانت العجلة قد استانفت السير وفى احدى شطحاتها حرفته الى الماضى . . وكانت زوبعة وكان مطر وانشق أخدود . . ثم عاد الصفو وعاد القوم الى الركس . . وعاد النور بلا زيف ، وترددت أصداء الزلزال على جنبات الوادى وفي الجزر المجاورة فاذا الالهة فى بحران ، واذا الارض تتململ حبلى بأسرار تريد الانطلاق

قال شهريار ، هل عندك أخبار عن هذه الجزر وماذا حدث فيها ، انى لعلى شوق ملحاح لما تخبئه ألغازك من اسرار قالت : لقد سارت حياة هذه الجزر في تثاقل رتيب ردحا من الزمن ، ولكن ما لبثت ان اصيبت بالاكفهرار ، فالزلزال الذي غير "مدينة الغد" بلغ صداه هذه الجزر . . فاذا الوشوشة جلجلة والكبت انفجار ، والقوم غليان جياش ، إنهم يحسون بالظلمة والرطوبة تكتنفهم وتعشش في داخلهم ، علام لا يحسون بالنور ، بالحرارة ؟ علام لا يحترقون لكي يولدوا ؟ لقد سمعوا عبر الاثير الحانا تعزف : "الاحتراق طريق الحياة" ! اتراهم واهمين ؟ وعلى ابواب الآلهة كانت أشباح واصوات : أين الشمس ؟ اين برج الميزان ؟ وتنتفض الالهة في رعب : اتراكم جادين ؟ ، إنكم تتدخلون فى شؤوننا ، هذا تطاول على السماء لا نغفره ابدا ، اننا نقرر فيكم ما نشاء ، حياتكم هبة منا ، ومن انتم حتى تنهدوا الى امتلاك الشمس او برج الميزان . . وكانت جلجلة فرماد ممزوج بماء الحياة ، وارتوت الارض بعد ان اصابها القحط اعصرا طوالا فربت واهتزت  . . وكان الخصب والنماء

قال شهريار : هل تذكرين كيف كان يتصرف هؤلاء الالهة فى مخلوقاتهم ، وما لون حياة هذه المخلوقات ؟ قالت : اجل استطيع ان احدثك عن حياة كل جزيرة ولكنى اخشى ان يدركنا الصباح قبل انتهاء كلامنا المباح قال : الامر لك إذن . . !

قالت : سأحدثك عن حياة احدى هذه الجزر وعلى ضوئها تستطيع ان تدرك حياة الجزر الاخرى لان الآلهة فى كل مكان يتخذون لونا واحدا للحياة

انها جزيرة تقع فى الجنوب الشرقي من جزيرة " الغد " ولقد تفجرت عليها ينابيع من السماء ، ولكن الاله اتخذ لها جداول فى الفضاء يذهب بها الى خارج الجزيرة الى قصى الابعاد ، وكان احد هذه الجداول يمر بصرح الاله فيسقى الروض وينثر التبر ؛ . . . وفى مطاوى الارض اشباح تتلوى ، غذاؤها الوهم ، وشرابها السراب ، اما دينها فالعبودية ، ولقد كانت الآلهة فى ماضى الزمن يتزوجون وينسلون ، واله هذه الجزيرة قد أنجب آلهة صغارا تقاسم وإياهم شؤون ملكوته ومخلوقاته أما هؤلاء فالاصداف الجوفاء في يد التيار العارم ، . . .

أتذكر قصة القطيع وراعيه الذي حدثتك عنه في احدى ليالينا الماضية ، عندما نهدت احدى النعاج الى التحرر من قبضة الراعى ، لقد ضجت من رؤية جماجم رفيقاتها وقد تساقطت بمدية الاله الراعى ، فصرخت بعنف : " يجب ان تتحرر الحيوانات من آلهتها يجب ان تتوقف عجلة الزمن مرارا ليتدحرج تحت اضراسها هؤلاء الالهة ، . . وغدا سيروى التاريخ قصة تمردنا على آلهتنا . . وسنعيش بلاخوف بلا اوهام بلا عبودية ، بلا آلهة "

قال شهريار : وهل تحررت هذه المخلوقات من آلهتها اننا ما نزال نرى القطعان فى مختلف ابعاد البسيطة تستسلم بجبن لمدية الراعي .

قالت : انها في طريق التحرر ، ولن يمضي طويل زمن حتى تصبح "الالهة الاسطورة" سمر النوادى وحديث التاريخ

ان الصرخة المجلجلة فى وعى الزمن دغدغت آذان المسافرين مع قوافل الزمن فى شتى رحاب الارض ، انهم سيأكلون آلهتهم ، وسيدحرجون الاصنام من الطريق وينطلقون . . احرارا . .

قال شهريار ؛ انني لم افهم شيئا من قصتك الليلة ، ولست ادرى هل انت تتكلمين بالالغاز ام هو الارهاق اعانيه .

قالت : لا تتعجل بازوجي الحبيب ، فسينكشف لك كل شىء فى النهاية . . . والآن هوذا الصباح .. فقم بنا نتخذ طريق الجدول نستمتع بجمال الطبيعة فى هذا الصباح الساحر ونستنشق النسيم الندى . . اما بقية قصة الاميرة "تاج النجوم" فلها مجال رحب في آتى ليالينا الماتعة !

اشترك في نشرتنا البريدية