يعتمد مؤرخو الحضارات على الخزف لقياس مدنيات الأمم، فهو من أولى الصناعات التي تمتزج بحياة الإنسان وتتصل بأهم أسباب معاشه، أعني بها طعامه وشرابه.
والشرق موطن الخزف كما هو موطن الحضارات والثقافات.
ولما كانت الحضارات تستقر أولا على ضفاف الأنهار - والنيل أقدمها وأعرقها - فقد رأينا المصريين القدماء يحرزون قصب السبق في صناعة الخزف بل لقد توصلوا إلى استخدامه في تزيين جدران إحدى قاعات الدفن في هرم زوسر بصقاره في أواخر الألف الثالث قبل مولد المسيح، وهو أقدم ما نعرف عن استخدام الخزف في تغطية الجدران، بل لعله أقدم ما تعرف عن الخزف المطلي بالمينا جميعاً.
لهذا اهتم العلماء بالخزف فكتب عن الخزف الإسلامي من المصريين علي بك بهجت، ثم الدكتور زكي محمد حسن. ومن المستشرقين فبيت وكونل ولام ممن خدموا جامعة فؤاد الأول، وغيرهم كثير لا داعي لذكرهم، حتى وصل إلى أيدينا أحدث المؤلفات بقلم الأستاذ أرثرلين أحد رجال متحف فكتورياً وألبرت.
والمؤلف عالم وقف دراساته على الخزف؛ فكتب عن الخزف اليوناني والخزف الفرنسي، ثم هاهو يكتب عن الخزف الإسلامي فيلم به إلماماً شاملاً هادئاً، ويعالج المشاكل القائمة في تاريخ الفن بقوة، ويطلعنا على تمكنه ورسوخه، فلا يدفع به البحث إلى مزالق الهوى كما حدث للأستاذ بتلر في مجلده الضخم (الخزف الإسلامي) .
وتناول المؤلف الدول الإسلامية في مواطنها كلا على حدة، فيما بين حدود الهند ووادي النيل؛ فيبدأ بترجمة سريعة للنهضة الفنية والأحداث السياسية التي مهدت لها وأحاطت بها، ثم يعكف على الأساليب الفنية في صناعة الفخار والخزف ونقشه وتزيينه وتلميعه بالمعادن والمينا فيقتلها بحثاً، ثم يعرض لنا المراحل المختلفة التي يمر بها كل لون من ألوان هذا الفن الجميل من ناحية الصناعة، ويكشف عن المواد الأولية ومزجها وحرقها والتصوير عليها حتى تخرج تحفة فنية.
والأستاذ (لين) منصف للفن والفنانين، فهو يحدثنا عن التأثيرات الفنية الغريبة عن الإسلام كالبيزنطية والساسانية والصينية، وكيف تمكن المسلمون من استيعابها جميعاً ومزجها مزجاً هيناً لطيفاً وكيف أضافوا إليها من ذوقهم الحساس وروحهم الشاعرة حتى أخرجوا منها عصارة فنية طيبة تفوح بأريج عبقرية الفنان المسلم. وكيف رسم الفنان المسلم خطوطاً واضحة لفنه فخلق له طابعاً فذاً فريداً له مميزاته الخاصة وشخصيته الواضحة. ثم يخلص
المؤلف من هذا إلى المقارنة بين مختلف المدارس الفنية في العالم الإسلامي فيبين خواصها ومميزاتها بوضوح وجلاء بعيدين عن التعقيد الذي يعمد إليه عادة الفنانون
ويؤمن الكاتب بالرأي القائل بأن الأحاديث النبوية الشريفة التي تنهي عن استعمال الذهب والفضة كان لها أكبر الأثر في سمو هذه الصناعة وبلوغها ذروة المجد: فإن الخلفاء التمسوا في أواني الخزف ما يختلف مادته عن الذهب والفضة ولا يقل عنها رقة وفخامة وجمالا. ثم ما صحب عصر (النهضة الإسلامية في دولة بني العباس من تشجيع للعلوم والفنون، جذب إلى بغداد وسامرا عباقرة الخزفيين من جميع بقاع العالم الإسلامي وأنشئوا مصانعهم حولها وأغدق عليهم الخلفاء ما شجعهم على التفنن والإتقان) .
أما في مصر الفاطمية فللمصريين فخر إنشاء مدارس فنية تتمتع بذاتية لامعة تنافس بها سائر المدارس حتى في إيران نفسها، وقد أصيب فنان الفاطميين برعشة من رعشات الفن الوافدة أوحت إليه من خزف الصين الذي كان زهرة أسواق الخزف في العالم.
وأما من ناحية موقف الإسلام من التصوير، فقد وافق على الكراهية التي أشاعتها الأحاديث الشريفة ولم يأت خبر تحريمها في القرآن الكريم. على أن الخلفاء يتقيدوا كثيراً بهذه الكراهية، سواء في ذلك السنيون والشيعة.
ولما بدأ المغول يكيلون للضربات القاسية المتلاحقة للعالم الإسلامي في مطلع القرن الرابع عشر وقف بنا البحث عند هذا الحد. فقد انتهى المؤلف من الكلام عن الخزف الإسلامي المبكر ويعدنا بأن يتناول ما يلي ذلك فيما يتبع من مؤلفات.
وبالكتاب أكثر من ٢٥٠ صورة ضوئية - أربع منها ملونة كما في الأصل - مبين عليها مقاسات التحف وتأريخها وأما كن عرضها. وقد أخرجته مؤسسة (قابر أند فابر) إخراجها لا يقل أناقة عما كنا نراه من كتب ما قبل الحرب الأخيرة التي كانت السبب في حبس التحف في المخابئ، وتعطيل الإنتاج الفني طوال هذه السنين.
ولنا أن نزجي التهنئة إلى الأستاذ المؤلف لتوفيقه في بحثه الذي يهم كل متتبع لسيرة الحضارة الإسلامية وإنتاجها الفني الفياض وكل مشتغل بالفن أو كلف به.
