مسألة الخلق الفنى او ابتكار الشخصيات في الأدب ليست من المسائل الواضحة التي يسهل الاحاطة بأقطارها ومهاجمتها وإخضاعها الأساليب البحث العلمى وطرائق النطق وليست بالموضوع الذي يصلح الكتابة المذكرات المسهبة والتقارير الوافية ، وإنما هي مسألة يتكتفها الخفاء ويحقها الغموض، وليس من الميسور تحديدها والالمام بأطرافها والتخلق في الأدب كالخلق في الحياة عامض السرحق الشأن . وقصارى ما يستطيع الانسان حياله أن يرسل في نواحيه القائمة الخواطر والأفكار ، كلمات الضوء في الضباب الحالك والدجن المطبق
وفى الحياة ضرب من الوحدة وراء مظاهرها المتعددة وأزيائها المختلفة ، لأنها قائمة على شيء واحد هو بمثابة الأساس المسكين المشترك، وهو النشاط الحيوى أو الحيوية الموزعة وأساس الوجود هو هذا النشاط الكامن في الأحياء، ويتكون منه جوهر المخلوقات وعصب الأحياء ، وقد سماه شوبنهاور إرادة الحياة » وسماء هارتمان ( اللاوعي » وأطلق عليه برجسون اسم الدافع الحيوى » ، وهذه القوة الحيوية التي يشترك فيها الأحياء، هي التي تمكننا من أن تقاسم الأحياء شعورها و نبادها العطف، ونشاطرها السرور والألم، وتدرك ما يدب فى شعورها ويرتكض فى حوامها ، ومن هذه المشاركة الأساسية والعطف المحكم الوثيق تتكون التجارب وتتم المشاهدات ، ومن شأن هذه المشاعر المستوعبة و الأحاسيس (المترية) أن تزود العقل الباطن وتحبوه طرائف الاحساسات وغرائب المدركات ، ويكاد العقل الباطن أن يكون مستودعاً مكتفاً بتلك التجارب الواردة
إليه من مختلف الحواس وشتى المشاعر، فس ادبيه حافلة ومساربه ممتلئة ، وفي كل لحفلة من لحظات الحياة تزداد هذه التجارب وتتكاثر تلك الثروة
وعقلنا الواى لا يستطيع أن يستثمر تلك التربوة الطائلة جميعها، وإنا هو يتخير منها ويتفق من أرباحها ، وما نسميه القوة المبدعة الخالقة فى الأدب والفن هو قدرة خارقة غير مألوفة على القوص في أعماق العقل الباطن، واستخراج النفائس منه والافادة من ثروته والانتفاع بشمرات تجاربه وعجائب مشاهداته، مع توفر الاستعداد وتهيؤ القدرة على تنسيقها وتنظيمها والملامة بينها ، والعبقرية الفنية الخالقة هي استعداد أكثر من المعتاد على تكوين صور فنية أو قطع موسيقية أو روايات أو قصائد شعر من تلك السادة الخيرية والثروة الدفينة ، ويخيل إلى أن أبا تمام قد لمح طرفاً من قدرة العقل الباطن في قوله عن الشعر :
ولو كان يفنى الشعر أفتنته ما قرت
حياضك منه في العصور الذواهب
ولكنه فيض العقول إذا انجلت
سحائب منه أتبعت بسحائب
ولتوضيح عملية الخلق بعض التوضيح أبدأ بالحديث عن كتابة التراجم ، وفي كتابة التراجم على المؤلف أن يكسو الهيكل العظمى ثوب اللحم والدم، ويزيل عنه غبار الأجيال ويرد إليه الحياة ويسترجع صورة العصر السالف ، فعمله من ناحية الخلق والإيجاد يعد بمثابة استكمال للوجود واستيفاء لشرائطه فهو أقرب إلى طبيعة عمل المصور الذي ينحصر جهده في إبراز خصائص الأنموذج الماثل أمامه والكشف

