الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 905 الرجوع إلى "الرسالة"

الشجاع.!

Share

ما إن استلقى على سريره ووضع رأسه على الوسادة ، حتى  تبه إلى حركة غريبة فى الغرفة التي ينام فيها وحده! ما معنى  لك الحركة ؟ وما هو تفسيرها ؟ وتوقف فكره .. بل إنه جاهد  متى أوقفه عند هذا الحد خوف الوصول إلى التفسير الذي  لا يقبل الشك .. وكان يجاهد أيضاً في أن يهدئ من روعه ، وأن .  يخفف من خفقان قلبة .. خشية افتضاح أمره عند..عند  من يشاركه الغرفة في تلك الساعة الرهيبة ! .. وبكثير من الجهد  حول عينيه يبحث عن مصدر تلك الحركة . وعندئذ ارتاح إلى أنه لم يطفى النور بعد .

وقعت أنظاره على صوان ملابسه فقال لا بد أن النص فيه ..  نازدادت رهبته ، لكنه اطمأن قليلاً إذ تبين موقع اللص منه ،  ولم يلبث أن انتبه إلى نفس الحركة وهي تصدر من مكان آخر .  فالتفت التفاتة غريزية سريعة ، فلمح على الأرض السرير ، عند طرف السرير شيئا يتحرك ! فلما أنعم النظر تبين أنه غطاء فراشه  الملقى على البساط شأنه في كل يوم . ومن حسن حظه أنه لم  يفطن إليه عند ما استلقى ، فلو أنه فطن لدفعه ليتدثر به ..  ولحلت الفاجعة .. التي لا يمكنه تصورها .. فاللص الذي كان  في الغرفة قبل دخوله إليها قد اختفى ، اختفى تحت الغطاء بمجرد  أن سمع وقع خطواته في الدهليز ا يا للهول ، كيف لم ينتبه إلى  ذلك أول ما دخل ؛ ليته تأخر هذه الليلة ، وترك للص الحرية ،  کی برق ما يشاء . فذاك أهون من أن يحتبس معه داخل غرفة ضيقة ! !

نال يرتعش . فتخشب جده والتصق بالسرير ، وظل  حائراً وجلاً لا يدرى كيف النجاة من هذا الشر الذي تربص له

في غرفته الآمنة وضاق صدره حتى خيل إليه أنه يختنق ، كما  لو أن اللصقد أفسدهواء الغرفة بطريقة خاصة. لكنه مع ذلك  ظل جامداً لا يتحرك، وبقيت أنظاره وجلة مترقبة، ترمق ذلك القطاء المنطوى على أخطر ما كان ينتظر .

بيد أن الحركة لم تتكرر، فاطمأن.. زدوزال عنه بعض الخوف:

هذا لا ينبغى ، الأوفق أن أنقض عليه ، وأشبعه ضرباً  وركلا ، حتى يعجز عن المقاومة فيستسلم . فأوثقه بالحبال ، ثم  أخرج قادء و أهلى ، وأدعو كافة الجيران ... لعل أن تأنى ( صبيحة)  مع ابنتها نجوى . ليطلما على فعلى ، وقد تتأكد نجوى من أننى  بطل ، لا كما تو همت ، فسخرت منى عندما نبح أحد الكلاب  الضالة على بنتة فلذت بالحرب : ولجأت إلى البيت ، فإذا  بقهقهات ساخرة تترامى إلى أذنى فارتعشت أكثر مما ارتعشت  عند نباح الكتاب . فقد عرفت صاحبة القهقهة الساخرة ... إنها  نجوى بالذات . فرأيت أنى لا يجب أن أتراجع وألوذ بالبيت ،  وأبدو أمامها كالوجل من نباج كاب حقير ، فانتظرت برهة  لأجمع رباطة جأني ، ثم دفعت الباب وخرجت ، أتلفت يمنة  ويسرة ، فصرخت نجوى من نافذتها التي تشرف على ( المحلة )  امض فقد ذهب الاسد ) صفعتنى عبارتها ، ووددت لو أني  ما خرجت تلك الساعة ، ولا صادفى ذلك الكتاب ، ولا كانت  نجوى في شرفتها ... والله لو أني تنبأت بما سيقع ، أو علمت  أن نجوى تراقبي ، لما تراجعت ولما ذعرت حتى لو قابلني أسد جائع لا كلاب ضال

".. تلك الفتاة المغرورة الساخرة ، ستتعجب إذ ترابى  أوثقت النص بالحبال ، سألطمه على وجهه لطمات قوية أمامها .  كي تغير رأيها في . وتدرك أنني بظل حقا . وأنني أستحق الإعجاب  منها . كيفية الأبطال الذين تعجب بهم وهي لم ترهم. أولهم  "أرسين لوبين" : هذا المنافس الغريب الذي يأتي إليها من خلال  سطور الروايات فيسلب عقلها في حين أنني ما فتئت أحاول جذب  نظرها إلى . نظرها الجدى . فتأبى هى إلا أن تنظر إلى بسخرية ،  ويأبى القدر إلا أن يعهد السخريتها حادثة مضحكة ، كحادثة  الكلب ، وحادثة السيارة ، وحادثة أولاد الحارة الصغار..

"كفاني سخرية ، فإني لا أستحق سوى الإعجاب . إن هذه الفتاة المغرورة سوف تراني إلى جانب أرسين لوبين عملاقا ..  إذ أنه يطالعها من خلال الأكاذيب ، في حين أني أطالعها أنا من  خلال حقائق ثابتة . 1 من قال إن ذلك الأجنبي بملك من الدهاء  والقوة أكثر مما أملك ؛ هيه ، إني لأقوى منه ، إني لأدهى منه ،  وسأثير اهتمام نجوى وأملك مشاعرها بمجرد أن أوثق هذا  الدخيل المتدثر الخائف.. وهو خائف بلا شك، وإلا لظهر أمامى  من دون غطاء . وعلى أن أنتهز الفرصة فأنقض عليه ، وبذلك  أرفع اسمى ، وترفع نجوى على لقب « الجبان الذى منحته لى  وتمنحنى لقب « الشجاع » . ا ومن ثم سآخذ أسيرى إلى أقرب  نقطة للشرطة ، ولا شك أن الشرطة سيففرون أفواههم دهشاً ،  معجبين بشجاعتي وإقدامي . ولا شك أن كبيرهم سيشد على يدى  مهنئا ، ومن يدرى لربما أنعم على بشيء ، بهدية.. أو توسط عند  رؤسائي للترقية ، فأنا أستحق كل ذلك .. لأنني شجاع اولأني قمت  بمهمة وطنية تستلزم التشجيع ! ولسوف تنشر الصحف اسمى -  وقصتي في صفحاتها الأولى ، كما تنشر صوري أيضاً .. وبعدئذ يشتهر  أمرى عند الرجال .. ويشهر جمالى عند النساء ! فيفدن إلى .  ويقبلن على ، معجبات مغرمات .. ولسوف ترى نجوى كل ذلك، ولن أهتم بها أبداً ، فأتركها فريسة للغيرة والندم ..."

وشهق شرقة عبرت عن مدى فرحته وابتهاجه بتلك الفكرة .  بيد أن القطاء الملقى على البساط ما لبث أن تحرك ! فتوقف عن  التفكير . وشابه بعض القلق .. ثم اتجه إلى وجهة أخرى ...

لقد بدأ يتحرك ، ما أمره ؟ لعله قد فطن إلى ما سيحل به.  فاحتاط مقدما . أليس من الخطورة أن أهجم عليه وليس في الغرفة سوانا ؟ لاويب أنه مسلح بينما أنا أعزل . »

انزعج لهذه الفكرة ، لكنه لم يقدر أن ينحرف عنها ،  ليواصل أحلامه الحبيبة ، لأن الخطاء تحرك مرة أخرى.

لاريب أن الملعون يستمد لما سيقع فإذا أنا هجمت عليه  لاقاني رأس خنجره قبل أن يلاقينى جسده المرتعش . أوه هذا  مخيف ، رأس خنجره يدخل صدوى فينبثق الدم أحمر قانيا .. حتى  تخمد أنفاسي .. ف .. فأموت .. ضحية مكيدة قدرة دبرها لص

جبان! وقد يصبح موت أيضاً سخرية في قم نجوى، لا.. إن هذا  لمزعج ، مخيف ، يجب أن أستمد أنا أيضاً . فهذه ساعة خطيرة قد  لا أنجو فيشتهر أمرى ويرتفع اسمى .. الأوفق أن .. أن آتي له  بصلاح ، بأي سلاح ، بسكين على الأقل ، فالسكين أحسن من  لاشيء الأغادر الغرفة ، إلى المطبخ ، فأتى بذلك السكين الكبير  الحمد لتكسير العظام ! والأجدر أن أدعو كلبنا ( جاكي ) ليساعدني  إذا احتجت إلى المساعدة، إن جاكى الكتاب شجاع ، فهو بالرغم من منظره وضآلة جسمه ، وبالرغم من انزوائه وصمته يملك قوة  خارقة .. مثلى تماما . فأنا أيضاً لا ينبيء مظهری و انزوائى بما  أملك من قوة وشجاعة . كلانا سيكشف عما يذخر من قوى في  هذه الساعة بالذات ، والويل لهذا اللص النبي الذي لم يحسن  اختيار ضحيته ، فوقع في شركي : الويل له.. إني سأجرب فيه  قوتى وبطشى وياويله من قولي وبطشی . »

وهنا ألقى نظرة ترفع واحتقار على الغطاء وهو ينسل يخفة من  فراشه ، ويستوى واقفاً . وقبل أن يستدير للخروج، تحرك  النطاء تجمد هو في مكانه ، فرأى أنه لو استدار فاللص قد يهجم  عليه من الخلف ، فعليه ألا يتمهل ، وألا يرفع عينيه عنه . ومن  ثم استطاع أن ينقل قدمه ببطء شديد ، وبخوف شديد .. إلى  الوراء خطوة قصيرة ، ثم نقل إليها قدمه الأخرى ، وهكذا  استطرد بنسحب من الغرفة، دون أن يستدير . وكان الاضطراب  قد بلع منه مبلغاً عظيما ، بحيث جعله يذهل عما حوله ، وينسى  عتبة الباب، فإذا بقدمه تصطدم بها ، فيمتر ، فيسقط على وجهه ...  وفي اللحظة الأخيرة جاهد كي لا يقع على القطاء الذي اختفى اللص  تحته ، وكان أن سقط على كرمى بجانبه ، فمال الكرسي ،  فوقع على القطاء بقوة !! فإذا بصرخة قوية تهز الغرفة .. فقال هو في نفسه ( لقد مت » 1 لكنه لم يمت تماما . فقد تبين أن الصرخة التي أذهلته لا تشابه صراخ إنسان .. إنها تشابه إلى حد بعید صراخ جاكي . وهنا رأى بعينيه الكلب وهو يثب من تحت القطاء مذعوراً وهو يعوى .

العراق _بصره

اشترك في نشرتنا البريدية