ما إن استلقى على سريره ووضع رأسه على الوسادة ، حتى تبه إلى حركة غريبة فى الغرفة التي ينام فيها وحده! ما معنى لك الحركة ؟ وما هو تفسيرها ؟ وتوقف فكره .. بل إنه جاهد متى أوقفه عند هذا الحد خوف الوصول إلى التفسير الذي لا يقبل الشك .. وكان يجاهد أيضاً في أن يهدئ من روعه ، وأن . يخفف من خفقان قلبة .. خشية افتضاح أمره عند..عند من يشاركه الغرفة في تلك الساعة الرهيبة ! .. وبكثير من الجهد حول عينيه يبحث عن مصدر تلك الحركة . وعندئذ ارتاح إلى أنه لم يطفى النور بعد .
وقعت أنظاره على صوان ملابسه فقال لا بد أن النص فيه .. نازدادت رهبته ، لكنه اطمأن قليلاً إذ تبين موقع اللص منه ، ولم يلبث أن انتبه إلى نفس الحركة وهي تصدر من مكان آخر . فالتفت التفاتة غريزية سريعة ، فلمح على الأرض السرير ، عند طرف السرير شيئا يتحرك ! فلما أنعم النظر تبين أنه غطاء فراشه الملقى على البساط شأنه في كل يوم . ومن حسن حظه أنه لم يفطن إليه عند ما استلقى ، فلو أنه فطن لدفعه ليتدثر به .. ولحلت الفاجعة .. التي لا يمكنه تصورها .. فاللص الذي كان في الغرفة قبل دخوله إليها قد اختفى ، اختفى تحت الغطاء بمجرد أن سمع وقع خطواته في الدهليز ا يا للهول ، كيف لم ينتبه إلى ذلك أول ما دخل ؛ ليته تأخر هذه الليلة ، وترك للص الحرية ، کی برق ما يشاء . فذاك أهون من أن يحتبس معه داخل غرفة ضيقة ! !
نال يرتعش . فتخشب جده والتصق بالسرير ، وظل حائراً وجلاً لا يدرى كيف النجاة من هذا الشر الذي تربص له
في غرفته الآمنة وضاق صدره حتى خيل إليه أنه يختنق ، كما لو أن اللصقد أفسدهواء الغرفة بطريقة خاصة. لكنه مع ذلك ظل جامداً لا يتحرك، وبقيت أنظاره وجلة مترقبة، ترمق ذلك القطاء المنطوى على أخطر ما كان ينتظر .
بيد أن الحركة لم تتكرر، فاطمأن.. زدوزال عنه بعض الخوف:
هذا لا ينبغى ، الأوفق أن أنقض عليه ، وأشبعه ضرباً وركلا ، حتى يعجز عن المقاومة فيستسلم . فأوثقه بالحبال ، ثم أخرج قادء و أهلى ، وأدعو كافة الجيران ... لعل أن تأنى ( صبيحة) مع ابنتها نجوى . ليطلما على فعلى ، وقد تتأكد نجوى من أننى بطل ، لا كما تو همت ، فسخرت منى عندما نبح أحد الكلاب الضالة على بنتة فلذت بالحرب : ولجأت إلى البيت ، فإذا بقهقهات ساخرة تترامى إلى أذنى فارتعشت أكثر مما ارتعشت عند نباح الكتاب . فقد عرفت صاحبة القهقهة الساخرة ... إنها نجوى بالذات . فرأيت أنى لا يجب أن أتراجع وألوذ بالبيت ، وأبدو أمامها كالوجل من نباج كاب حقير ، فانتظرت برهة لأجمع رباطة جأني ، ثم دفعت الباب وخرجت ، أتلفت يمنة ويسرة ، فصرخت نجوى من نافذتها التي تشرف على ( المحلة ) امض فقد ذهب الاسد ) صفعتنى عبارتها ، ووددت لو أني ما خرجت تلك الساعة ، ولا صادفى ذلك الكتاب ، ولا كانت نجوى في شرفتها ... والله لو أني تنبأت بما سيقع ، أو علمت أن نجوى تراقبي ، لما تراجعت ولما ذعرت حتى لو قابلني أسد جائع لا كلاب ضال
".. تلك الفتاة المغرورة الساخرة ، ستتعجب إذ ترابى أوثقت النص بالحبال ، سألطمه على وجهه لطمات قوية أمامها . كي تغير رأيها في . وتدرك أنني بظل حقا . وأنني أستحق الإعجاب منها . كيفية الأبطال الذين تعجب بهم وهي لم ترهم. أولهم "أرسين لوبين" : هذا المنافس الغريب الذي يأتي إليها من خلال سطور الروايات فيسلب عقلها في حين أنني ما فتئت أحاول جذب نظرها إلى . نظرها الجدى . فتأبى هى إلا أن تنظر إلى بسخرية ، ويأبى القدر إلا أن يعهد السخريتها حادثة مضحكة ، كحادثة الكلب ، وحادثة السيارة ، وحادثة أولاد الحارة الصغار..
"كفاني سخرية ، فإني لا أستحق سوى الإعجاب . إن هذه الفتاة المغرورة سوف تراني إلى جانب أرسين لوبين عملاقا .. إذ أنه يطالعها من خلال الأكاذيب ، في حين أني أطالعها أنا من خلال حقائق ثابتة . 1 من قال إن ذلك الأجنبي بملك من الدهاء والقوة أكثر مما أملك ؛ هيه ، إني لأقوى منه ، إني لأدهى منه ، وسأثير اهتمام نجوى وأملك مشاعرها بمجرد أن أوثق هذا الدخيل المتدثر الخائف.. وهو خائف بلا شك، وإلا لظهر أمامى من دون غطاء . وعلى أن أنتهز الفرصة فأنقض عليه ، وبذلك أرفع اسمى ، وترفع نجوى على لقب « الجبان الذى منحته لى وتمنحنى لقب « الشجاع » . ا ومن ثم سآخذ أسيرى إلى أقرب نقطة للشرطة ، ولا شك أن الشرطة سيففرون أفواههم دهشاً ، معجبين بشجاعتي وإقدامي . ولا شك أن كبيرهم سيشد على يدى مهنئا ، ومن يدرى لربما أنعم على بشيء ، بهدية.. أو توسط عند رؤسائي للترقية ، فأنا أستحق كل ذلك .. لأنني شجاع اولأني قمت بمهمة وطنية تستلزم التشجيع ! ولسوف تنشر الصحف اسمى - وقصتي في صفحاتها الأولى ، كما تنشر صوري أيضاً .. وبعدئذ يشتهر أمرى عند الرجال .. ويشهر جمالى عند النساء ! فيفدن إلى . ويقبلن على ، معجبات مغرمات .. ولسوف ترى نجوى كل ذلك، ولن أهتم بها أبداً ، فأتركها فريسة للغيرة والندم ..."
وشهق شرقة عبرت عن مدى فرحته وابتهاجه بتلك الفكرة . بيد أن القطاء الملقى على البساط ما لبث أن تحرك ! فتوقف عن التفكير . وشابه بعض القلق .. ثم اتجه إلى وجهة أخرى ...
لقد بدأ يتحرك ، ما أمره ؟ لعله قد فطن إلى ما سيحل به. فاحتاط مقدما . أليس من الخطورة أن أهجم عليه وليس في الغرفة سوانا ؟ لاويب أنه مسلح بينما أنا أعزل . »
انزعج لهذه الفكرة ، لكنه لم يقدر أن ينحرف عنها ، ليواصل أحلامه الحبيبة ، لأن الخطاء تحرك مرة أخرى.
لاريب أن الملعون يستمد لما سيقع فإذا أنا هجمت عليه لاقاني رأس خنجره قبل أن يلاقينى جسده المرتعش . أوه هذا مخيف ، رأس خنجره يدخل صدوى فينبثق الدم أحمر قانيا .. حتى تخمد أنفاسي .. ف .. فأموت .. ضحية مكيدة قدرة دبرها لص
جبان! وقد يصبح موت أيضاً سخرية في قم نجوى، لا.. إن هذا لمزعج ، مخيف ، يجب أن أستمد أنا أيضاً . فهذه ساعة خطيرة قد لا أنجو فيشتهر أمرى ويرتفع اسمى .. الأوفق أن .. أن آتي له بصلاح ، بأي سلاح ، بسكين على الأقل ، فالسكين أحسن من لاشيء الأغادر الغرفة ، إلى المطبخ ، فأتى بذلك السكين الكبير الحمد لتكسير العظام ! والأجدر أن أدعو كلبنا ( جاكي ) ليساعدني إذا احتجت إلى المساعدة، إن جاكى الكتاب شجاع ، فهو بالرغم من منظره وضآلة جسمه ، وبالرغم من انزوائه وصمته يملك قوة خارقة .. مثلى تماما . فأنا أيضاً لا ينبيء مظهری و انزوائى بما أملك من قوة وشجاعة . كلانا سيكشف عما يذخر من قوى في هذه الساعة بالذات ، والويل لهذا اللص النبي الذي لم يحسن اختيار ضحيته ، فوقع في شركي : الويل له.. إني سأجرب فيه قوتى وبطشى وياويله من قولي وبطشی . »
وهنا ألقى نظرة ترفع واحتقار على الغطاء وهو ينسل يخفة من فراشه ، ويستوى واقفاً . وقبل أن يستدير للخروج، تحرك النطاء تجمد هو في مكانه ، فرأى أنه لو استدار فاللص قد يهجم عليه من الخلف ، فعليه ألا يتمهل ، وألا يرفع عينيه عنه . ومن ثم استطاع أن ينقل قدمه ببطء شديد ، وبخوف شديد .. إلى الوراء خطوة قصيرة ، ثم نقل إليها قدمه الأخرى ، وهكذا استطرد بنسحب من الغرفة، دون أن يستدير . وكان الاضطراب قد بلع منه مبلغاً عظيما ، بحيث جعله يذهل عما حوله ، وينسى عتبة الباب، فإذا بقدمه تصطدم بها ، فيمتر ، فيسقط على وجهه ... وفي اللحظة الأخيرة جاهد كي لا يقع على القطاء الذي اختفى اللص تحته ، وكان أن سقط على كرمى بجانبه ، فمال الكرسي ، فوقع على القطاء بقوة !! فإذا بصرخة قوية تهز الغرفة .. فقال هو في نفسه ( لقد مت » 1 لكنه لم يمت تماما . فقد تبين أن الصرخة التي أذهلته لا تشابه صراخ إنسان .. إنها تشابه إلى حد بعید صراخ جاكي . وهنا رأى بعينيه الكلب وهو يثب من تحت القطاء مذعوراً وهو يعوى .
العراق _بصره
