كان المصريون القدماء يكثرون من صناعة التماثيل المنحوتة من شتى أنواع الصخور او من الحجر الجيري أو من الخشب . وكانوا يضمونها في المقابر لتلجأ إليها الروح إذا بليت الجثة ، فيمنع ذلك فناء الميت ،
ولم يكن التمثال الفرعوني يوازي زميله الإغريقي في الاعجاب بجمال الجسم الانساني ، والقدرة علي تصويره مجسما وفي أوضاع متنوعة ، مع العناية بأجزائه ودقة محاكاه الطبيعة في كل منها . ولكن الفنان المصري كان يعمل على أن يكون التمثال اقرب ما يمكن من صاحبه ، وان يكون بقدر الإمكان صورة له في تقاطيعة ومميزاته ، على أنه كان يعني بالوجه أكثر من عنايته بسائر أجزاء الجسم .
وامتازت صناعة التماثيل في عصر الدولة الفرعونية القديمة ( حول منتصف الألف الثالث قبل الميلاد ) بصدق تمثيل الطبيعة ، وإن كنا نري في اكثر منتجاتها شيئا من الجمود ، وتكرار هيئة الأشخاص ، والأوضاع المصورة فيها ، مما قد يبعث شيئا من الملل في نفوس غير الخبيرين بمبادئ الفنون المصرية القديمة
وقد حفظت لنا الاهرامات والمصاطب عددا كبير من أبدع التماثيل المصنوعة في ذلك العصر ؛ ولكن الذي يعنينا اليوم بوجه خاص هو تمثال الكاتب الجالس ( أو المتربع ) ، وهو محفوظ الآن في متحف اللوفر في باريس ، ويعد من اجمل التحف المصرية القديمة ، فصار اسمه علما على القاعة المحفوظ فيها ، وأصاب في غربي اوربا ، وفي امريكا شهرة لا توازيها إلا شهرة رأس نفرتيتي في المانيا .
وهذه التحفة الفنية مصنوعة من الحجر الجيري الملون وارتفاعها ثلاثة وخمسون سنتمترا ، وقد عثر عليها ماربيت باشا في سقارة بمقبرة من مقابر الأسرة الخامسة . وأكبر الظن أنها تمثل اميرا من امراء الأقيالم اسمه ((كاني)) له تمثال آخر في متحف اللوفر ، وقد عثر عليه في المقبرة نفسها . والظاهر ان بعض الامراء وكبار الموظفين في الدولة المصرية القديمة كانوا يتخذون لقب " الكاتب " ويأمرون بأن تصنع لهم تماثيل تصورهم في هيأة كاتب يصغي لما يملى عليه . وقد كشف المنقبون عن الآثار عدة تماثيل من هذا النوع تختلف عن بعضها في وضع الساقين وفي شكل الوجه .
والتمثال المحفوظ في متحف اللوفر ( انظر الصورة في الصفحة المقابلة ) يصور الأمير " متربعا " وفي بده اليمني قلم وفي اليسري طرف ملف من ورزق البردي منشور في حجره ، وقد وفق المثال إلي ابعد حدود التوفيق في صدق تصوير الطبيعة . وإننا لنكاد نشعر اننا امام الكاتب بلحمه ودمه فاعتدال الجسم واتزانه ، والبريق الذي ينبعث من العينين يعبران عن انتظار الكاتب لما عليه سيده ، ولعله الملك نفسه . ويزيد التمثال حياة ألوان أجزائه وانه صورة شخصية لصاحبه ، غانة في الدقة والاتقان وتدل على أنه اقل ملاحة و كبر في العمر من صاحب التمثال المتربع الذي كشفه دي مورجان " في سقارة والمحفوظ الآن في المتحف المصري بالقاهرة .
وقد استخدم المثال مادة مختلفة لكل جزء من اجزاء العين حتى يصل إلي النظرات الحية التي تنبعث منها ، فجعل بياضها من حجر الصوان الابيض ، والقرنية من حجر البلور الصخري ، والإنسان من خشب الابنوس . ووضع الكل في إطار من البرونز . ويلاحظ في هذا التمثال أن اصابع الكاتب طويلة جدا ، ولكنه يوازي في قوه التعبير أبدع ما خلفته لنا سائر الفنون .

