الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الثقافة"

الكاتب الجالس، le scribe accroupi

Share

كان المصريون القدماء يكثرون من صناعة التماثيل المنحوتة من شتى أنواع الصخور او من الحجر الجيري أو من الخشب . وكانوا يضمونها في المقابر لتلجأ إليها الروح إذا بليت الجثة ، فيمنع ذلك فناء الميت ،

ولم يكن التمثال الفرعوني يوازي زميله الإغريقي في الاعجاب بجمال الجسم الانساني ، والقدرة علي تصويره مجسما وفي أوضاع متنوعة ، مع العناية بأجزائه ودقة محاكاه الطبيعة في كل منها . ولكن الفنان المصري كان يعمل على أن يكون التمثال اقرب ما يمكن من صاحبه ، وان يكون بقدر الإمكان صورة له في تقاطيعة ومميزاته ، على أنه كان يعني بالوجه أكثر من عنايته بسائر أجزاء الجسم .

وامتازت صناعة التماثيل في عصر الدولة الفرعونية القديمة ( حول منتصف الألف الثالث قبل الميلاد ) بصدق تمثيل الطبيعة ، وإن كنا نري في اكثر منتجاتها شيئا من الجمود ، وتكرار هيئة الأشخاص ، والأوضاع المصورة فيها ، مما قد يبعث شيئا من الملل في نفوس غير الخبيرين بمبادئ الفنون المصرية القديمة

وقد حفظت لنا الاهرامات والمصاطب عددا كبير من أبدع التماثيل المصنوعة في ذلك العصر ؛ ولكن الذي يعنينا اليوم بوجه خاص هو تمثال الكاتب الجالس ( أو المتربع ) ، وهو محفوظ الآن في متحف اللوفر في باريس ، ويعد من اجمل التحف المصرية القديمة ، فصار اسمه علما على القاعة المحفوظ فيها ، وأصاب في غربي اوربا ، وفي امريكا شهرة لا توازيها إلا شهرة رأس نفرتيتي في المانيا .

وهذه التحفة الفنية مصنوعة من الحجر الجيري الملون وارتفاعها ثلاثة وخمسون سنتمترا ، وقد عثر عليها ماربيت باشا في سقارة بمقبرة من مقابر الأسرة الخامسة . وأكبر الظن أنها تمثل اميرا من امراء الأقيالم اسمه ((كاني)) له تمثال آخر في متحف اللوفر ، وقد عثر عليه في المقبرة نفسها . والظاهر ان بعض الامراء وكبار الموظفين في الدولة المصرية القديمة كانوا يتخذون لقب " الكاتب " ويأمرون بأن تصنع لهم تماثيل تصورهم في هيأة كاتب يصغي لما يملى عليه . وقد كشف المنقبون عن الآثار عدة تماثيل من هذا النوع تختلف عن بعضها في وضع الساقين وفي شكل الوجه .

والتمثال المحفوظ في متحف اللوفر ( انظر الصورة في الصفحة المقابلة ) يصور الأمير " متربعا " وفي بده اليمني قلم وفي اليسري طرف ملف من ورزق البردي منشور في حجره ، وقد وفق المثال إلي ابعد حدود التوفيق في صدق تصوير الطبيعة . وإننا لنكاد نشعر اننا امام الكاتب بلحمه ودمه فاعتدال الجسم واتزانه ، والبريق الذي ينبعث من العينين يعبران عن انتظار الكاتب لما عليه سيده ، ولعله الملك نفسه . ويزيد التمثال حياة ألوان أجزائه وانه صورة شخصية لصاحبه ، غانة في الدقة والاتقان وتدل على أنه اقل ملاحة و كبر في العمر من صاحب التمثال المتربع الذي كشفه دي مورجان " في سقارة والمحفوظ الآن في المتحف المصري بالقاهرة .

وقد استخدم المثال مادة مختلفة لكل جزء من اجزاء العين حتى يصل إلي النظرات الحية التي تنبعث منها ، فجعل بياضها من حجر الصوان الابيض ، والقرنية من حجر البلور الصخري ، والإنسان من خشب الابنوس . ووضع الكل في إطار من البرونز . ويلاحظ في هذا التمثال أن اصابع الكاتب طويلة جدا ، ولكنه يوازي في قوه التعبير أبدع ما خلفته لنا سائر الفنون .

اشترك في نشرتنا البريدية