الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 607الرجوع إلى "الثقافة"

بين صدقي وتولستوى

Share

- 2 -

ذكرت في المقال السابق ما كان يراه صدقي باشا في تسليح الجيش المصري ، ولما كان الفيلسوف الشهير " ليو تولستوي " رأي يشابه رأي صدقي في التسليح فقد عرضت للقارئ رأي الزعيمين الجريئين في هذا الموضوع .

وقد كان رأي صدقي باشا في التسليح مخالفا جميع الآراء التي ظهرت في ذاك الوقت ، وكذلك كان رأيه في مسألة دخول مصر حرب فلسطين رأيا مخالفا لما كان يراه بقية الزعماء ، فقد وقف صدقي باشا بمفرده ينادي بان ليس من مصلحة مصر أن ندخل هذه الحرب ، وذلك بعد أن درس الموقف الدولي دراسة عميقة .

وأحب هنا أن أعرض رأي ليو تولستوي في الحرب . لأنه كان ينصح دائما - كما كان يفعل صدقي باشا - بعدم الاشتراك فيها ، ولست أدعي هنا بأن الدوافع التي دعت هذين الزعيمين إلى التصريح بهذه الآراء دوافع واحدة ، وإنما هي النتائج المشتركة التي وصل إليها الزعيمان هي التي دعتني إلى عرض رأي الزعيم تولستوي الذي قال :

" في هذه الحياة التي يتطاحن فيها الناس ويتنافسون كالبهائم ، دعني أقول إني أكره الحروب وأود السلام . . دعهم يقولون إني رجل أجله أبله مذبذب ، فإني راسخ الإيمان ثابت العقيدة بأن الحرب تجارة واسعة تباع فيها سعادة الناس وهناؤهم .

" ليس للحرب غاية سوى الدمار وإراقة الدماء الذكية ، وذلك ثمرة خضوع الأكثرية للأقلية من جرأة  تغرير الثانية بالأولى . وما دام الحال على هذا المنوال فمحال أن يتم إصلاح . " إن الحكومات تعمل دائما على نشوب الحرب وتسعى دائما إلى إيجاد سوء التفاهم بينها وبين الدول ، لأن وجوده يسوغ لها  إيجاد الجيوش التي تعتمد عليها في ابقاء سلطانها . " أفيقوا أيها الإخوان ، لا تسمعوا أقوال هؤلاء اللئام الذين يلوثون عقولكم من الصغر بعاطفة الوطنية الشيطانية ،

التي تنافي العدالة ، وتقضي بكم إلي تضحية أملاككم وحريتكم ووقاركم ، لا تصدقوا دعوي هؤلاء الأدعياء وأقوال هؤلاء القساوسة الفاسدين الذين يفهمونكم أن مقاتلة الأعداء ارضاء لله لاتعولوا على كلام هؤلاء المتظاهرين بحيكم ، الذين يوالون إقامة المجتمعات وإلقاء الخطب وتدوين المقالات ، بدعوى انهم سيوجدون نظاما حسنا للناس بدون أن يتعبوا أنفسهم ، فإنهم يريدون إبقاء هذا النظام على حاله . . لا تصدقوهم . . لا تتبعوا إلا ما تمليه عليكم ضمائركم ، التي تنبئكم بأنكم أحرار ، ولستم بحيوانات ولا أرقاء .

" أيها الناس توبوا إلى رشدكم ، وتدبروا قليلا فيما أنتم فاعلون ، انظروا فسرعان ما يتبين لكم أن أعداءكم الحقيقيين ليسوا بالبربر ولا بالإنجليز ولا بالفرنسيين ، بل أنتم أنفسكم ، لامتثاكم للحكومات التي تستبد بكم وتجركم إلي هاوية الشقاء ، لتصوركم أنها تحميكم ، وتذود عن حياضكم ، فصيرتكم حمايتها الغريبة هذه جنودا ذلولين ، وليس بمنجد لكم إذا أنتم لم تنجدوا أنفسكم .

إن الاصلاح الحقيقي لن يأتي إلا بإظهار حقيقة هذا التغرير الذي تخدع الحكومات به الناس فيندفعون تحت تأثيره إلى مقاتلة غيرهم يرغم ارادتهم ولست أنا بأول قائل بهذا الحل ، فقد نادى به قبلي الكثيرون من الكتاب ، وأظهروا ما في الاندماج في الجندية من الأضرار ، وقد عمل به كثير من الأفراد في معظم ممالك أوربا ، بل وكثير من القبائل الضاربة في أنحاء أوربا وآسيا . وهاكم ما كتبه أحد أهالي الولايات المتحدة :

" نحن مزارعون ومهندسون وتجار وصناع ومدرسون ، كل ما نطلبه هو أن نكون أحرارا في القيام بأعمالنا أحرارا في التصرف في أوقانا ، ولكن هؤلاء السياسيين لا يرضون بذلك ، هم يريدون أن يتحكموا في معيشتنا ، يفرضون علينا الضرائب ، ويطلبوننا لتأدية الخدمة العسكرية ويسوقون

أولادنا إلى ساحات الحروب ، وتلك الألوف المؤلفة من كبار الموظفين إنما يعتمدون على ما يحبونه منا من الأموال ليتنعموا بها ، ويؤلفوا جيوشا رابضة لإلزامنا بدفع ما يطلبونه ، مدعين أن وجود الجيوش ضروري لسلامتنا ، والله يعلم مقدار كذبهم وبهتانهم .

إن كل حكومة توهم شعبها أن هناك أعداء متحفزين للوثوب عليهم ، وتدعوهم إلى محاربتهم ، مدعية أن خدمة الوطن خدمة لله بهذه الطريقة يستنزفون أموالنا ويحولون إخواننا أعداء لنا ، مع أنه ليس لنا أعداء سوى هؤلاء القوم الذين يدعون بأنهم يحبون منا الضرائب لإيجاد ما هو لازم لنا " والحل الوحيد هو التعليم . . علموا الناس أن القتل

جريمة ، علموهم هذا القانون الذهي ) أحب لأخيك كما تحب لنفسك " علوهم عدم الاكتراث لأبهة الحكوميين . . علوهم أن الدخول في الجيش أمر معيب ، دعوهم يطلبون منهم النزول إلى ساحة العمل المثمر معهم ، دعوهم يصرحون بأنهم يؤمنون بالسيح ولا يطيعون ما يا عرون به بما يخالف أوامرء

لا تدخل الجندية ، لا تطلق الرصاص إذا أمرونا ، لا نصوب بنادقنا نحو هؤلاء المزارعين والرعاة الذين يدافعون عن أوطانهم ، لا تدفع لكم الضرائب ، سنصرح بآرائنا ، سنعلم الناس الحقيقة ، سنفهمهم أن الحكومات لا تصرح لنا إلا بكل ما هو كذب وبهتان .

اشترك في نشرتنا البريدية