فى فصل تقدم (١) أشرنا الى تاسيس الغزاة من العرب للعاصمة الاسلامية بالمغرب ، وكيف وقع اختيارهم على المكان الذى تحله الان ، والاسباب الحربية والسياسية والعمرانية التى حملتهم على الاستقرار هناك ، وذكرنا بعض المنشاءات الاولى بها ، وبينا طريقة توزيع المنازل بين بطون القبائل من الاجناد
ونستمر هنا على تتبع اتساع القيروان في مرحلتها الثانية ، وكيف انتشر عمرانها فى عصر الولاة من لدن الدولتين الاموية والعباسية ، وما بلغت اليه من التحضير قبيل ظهور الدولة الاغلبية ، معتمدين فى ذلك كله على النصوص الصحيحة والوثائق التاريخية والاثرية معا .
لا ريب ان عقبة بن نافع عند تخطيطه للمدينة وتوزيع قطع أرض البناء على المجاربين وعيالهم لانشاء مساكنهم ، ترك فى وسطها جادة واسعة تمتد من الجنوب الى الشمال وتبتدئ من المسجد الجامع وتنتهى بآخر العمران ، فتقسم المدينة الى نصفين ، وهي التي اطلق عليها - فى الوقت او بعد ذلك - اسم "السماط الكبير" أى الشارعة المصطفة حولها دكاكين التجارات ، وقد صارت هذه الجادة بعد حين قلب العاصمة النابض ومحور حركتها التجارية
يقول البكري (٢): " وكان السماط سوق القيروان متصلا من القبلة الى الجوف ، وطوله من باب ابي الربيع الى الجامع ميلان غير ثلث ، وكان سطحا متصلا فيه جميع المتاجر والصناعات ، وكان أمر بترتيبه هكذا هشام بن عبد الملك" الخليفة الاموى .
وما برحت همة الولاة منصرفة الى الفسح فى عمارة القيروان الفتية ، فما منهم واحد الا وكان يضيف اليها معالم جديدة او على الاقل يدخل تحسينا مناسبا على ما كان موجودا بها من المعالم .
قال المالكي : (٣) " ... ورجع حسان بن النعمان الى القيروان - بعد قتل الكاهنة - واقام بها وعمرها المسلمون ، وانتشروا بها ، وكثروا فيها وامنوا"
ونعلم ان حسانا لما عاد الى القيروان هدم المسجد الجامع الذى كان خطه عقبة ، وكانه استضعف بناءه ، فهدمه ولم يترك من اثاره سوى المحراب ، وجدد بناءه وحمل اليه "الساريتين الحمراوين المؤشاتين بصفرة ، اللتين لم ير الراؤون مثلهما ، من كنيسة كانت للاول فى الموضع المعروف بالقيسارية (١) بسوق الضرب" وكان ذلك بعد الثمانين من القرن الاول او قبلها بقليل .
واستمر البكرى فى وصف المدينة - ناقلا بلاشك عن الوراق القيرواني فقال (٢) "فلما كانت خلافة هشام بن عبد الملك - من ١٠٥ الى ١٢٠ هـ - كتب اليه عامله على افريقية يعلمه ان الجامع يضيق باهله ، وان بجوفه جنة كبيرة لقوم من فهر . فكتب هشام اليه يامره بشرائها وان يدخلها المسجد الجامع ، ففعل ، وبني في صحنه ماجلا وهو المعروف بالماجل القديم بالغرب من البلاطات ، وبنى الصومعة فى بئر الجنان ونصب اساسها على الماء ، واتفق ان وقعت في نفس الحائط الجوفي" - وهذه المأذنة ليست هى الموجودة به الآن . إذ ان هذه الاخيرة هى من انشاء زيادة الله الاول .
ومن ناحية اخرى نعلم ان حسانا هو اول من "دون الدواوين بافريقية ووضع على سكانها - من افارقة وروم وبربر - الخراج والجزية " يعنى الضريبتين اللتين أباحهما الاسلام (٣)
ثم خلف حسانا موسى بن نصير على البلاد ، فأوسع دائرة الدواوين ، وسن لها نظاما محكما على غرار ما كان جاريا فى اقطار المشرق الخاضعة للعرب ، فالى موسى يرجع الفضل فى سبك النقود العربية بالمغرب ، وقد اتخذ لعملها "دار الضرب " للمسكوكات ، وكان مقرها - فيما يلوح - بجوار بقية مصالح الحكومة نعنى حذو دار الامارة وبالقرب من الجامع ، ولدينا عدد وافر من نقود موسى بن يصير ما بين دنانير ذهب ، على شكل دنانير جرجير البطريق البيزنطى ،
وبين فلوس من نحاس مرسوم عليها اسم موسى بالحروف اللاطينية (١) ولم نعثر له على دراهم فضة . والظاهر انه لم يضرب منها شيئا . وقد أفردنا بحثا مستقلا للنقود العربية الافريقية في غير هذا (٢)
مصانع الماء ولا يفوتنا فى هذا المقام ان نلمح الى اهتمام الخلفاء الامويين انفسهم بتزويد القيروان بمصانع المياه الصالحة للشراب - والماء عنصر الحياة الاول فى نظام المدائن ونموئها - فقد روى البكرى (٣): ان هشام بن عبد الملك امر عامله على القيروان بانشاء خمسة عشر ماجلا (صهريج) خارج سور المدينة تكون سقايات لاهلها" فباشرها الوالي واتمها فى مدة سريعة ، وما زال البعض منها معروف المكان ، فى المحل المسمى اليوم بفسقية الباى وهي غير بعيدة عن سقبة الاغالبة من شرقيها ، وكانت هذه المصانع من المتممات الضرورية لتكامل عمران المدينة ، ولهذا السبب نفسه سميت القيروان قديما (بمدينة الصهاريج وبمدينة المواجل) لكثرة سقاياتها (٤)
ويلوح لى ان مجارى المياه الوسخة (القنوات) الموجودة بالقيروان انما احدثت فى العصر الاموى ايضا، ومن يتأمل هندسة هذه القنوات يحكم بان وضعها كان فى غاية الاتقان من الناحية الفنية المعمارية . الاسواق
ومن المناسب ان نشير هنا - بكلمة عاجلة - الى النظام الذى نشأت عليه اسواق القيروان المخصصة للتجارة والصناعة وسائر المهن ، ويظهر أن الوالي الذي أقرها بادىء بدء ونسقها على ما دامت عليه دهرا طويلا هو الامير يزيد بن حاتم المهلبى - في حدود سنة ١٥٦ هـ (٧٧٣م)
حكى ابن العذاري (١) - ناقلا بلا شك عن الرقيق - قال : " قدم يزيد ابن حاتم افريقية واصلحها ، ورتب اسواق القيروان ، وجعل لكل صناعة مكانا " يقصد سوقا معينة ، ويلوح ان الترتيب الذى وضعه يزيد للاسواق كان على قاعدة ما كان متعارفا ومألوفا في المدائن التى احدثها العرب في العراق ، يعنى : البصرة والكوفة ، ثم واسط وبغداد.
ولا يخفى ان نشأة يزيد - وجميع آل المهلب الازديين - انما كانت في البصرة فلا غرابة حينئذ فى تقليده لما كان جاريا فى مسقط راسه ، وكأنه اعتبر فى ترتيبها ما يوجد من العلاقة بين التجارات والصناعات بعضها ببعض فنسقها تنسقا ملائما وقد جعل الدكاكين صفا متصلا يقابله صف مثله ، وعين لكل سوق مكانا خاص مستقلا ، وجعل على رأس كل صنف منها عريفا اختاره من بن وجوه تلك الصناعة ووظيفة العريف - ويسمى آمينا ايضا- أن يشرف على سيرها، ويقاوم ما يطرقها من الغش ، ويسهر على حسن العلاقات بين اصحاب المهنة وعمالهم واعوانهم ويحرس على ضمان حقوق الاجير كبيرا كان او صغيرا (٢)
وليس من شك ان نظام الاسواق على ما رتبه يزيد بن حاتم في القيروان سرى دستوره الى بقية المدائن الافريقية مثل تونس ، وصفاقس ، وسوسة ، وغيرها وامتدت سننه بعد حين الى عواصم المغرب مثل (تاهرت) قاعدة بنى رستم ، و(سجلماسة) عاصمة بني مدرار ، و(فاس) التى احدثها الادارسة العلويون ، ثم انها تحولت الى ما هو ابعد من ذلك حيث عبرت مجاز طارق ودخلت الى عدوة الاندلس واستقرت بقواعدها الكبيرة مثل (قرطبة) و (طليطلة) و (اشبيلية) وغيرها ، وكانت نتيجة هذا الانسجام ان اصبحت تسمية الاسواق واحدة او متقاربة فى سائر بلاد المغرب ، مثل سوق العطارين ، وسوق الوراقين، والسراجين ، والبزازين ، وهلم جرا .
ولا ادل على ذلك من تسمية "سوق البركة" (بكسر الباء) وقد شغل فكرى وجه هذا التشابه مدة من الزمان حتى وقفت على خبر اورده ابن عبد الحكم فى تاريخه عند ذكر ، لتخطيط عمرو بن العاص لمدينة (الفسطاط) التى أنشأها بعد فتح مصر - سنة ٢٠ هـ - قال ابن عبد الحكم : " كتب عمرو بن العاص الى عمر بن الخطاب : انا قد اختططنا لك دارا بالفسطاط عند المسجد الجامع - فكتب اليه عمر رضى الله عنه : أنى لرجل بالحجاز تكون له دار بمصر ؟ !! "
وأمره ان يجعلها سوقا للمسلمين - قال ابن لهيعة : هى دار البركة ، فجعلها سوقا كان يباع فيها الرقيق ." (١)
ويظهر لي ان الجنود الوافدين من مصر على افريقية في خلال القرن الثاني نقلوا هذه التسمية بعينها الى القيروان ، فاطلقوها على السوق التى يباع فيها الرقيق ، فقالوا "سوق البركة " كما عرفوها فى الفسطاط ، ولم تقف هذه التسمية عند القيروان فحسب ، بل انها امتدت الى مدينة تونس ، وسوق بركتها لعرض العبيد وبيعهم من اقدم ما يوجد بها ، ثم انها تحولت بعد ذلك الى فاس ، فعرف سوق رقيقها بالبركة ، ومن هناك اجتازت البحر وانتقلت الى قرطبة فنعت محل بيع العبيد السودان والعلوج بهذا الاسم ايضا .
فانت ترى كيف قطع هذا الاسم المسافات الشاسعة وكيف ارتسم الى ما شاء الله فى اسواق متشابهة التجارة ليس بها ولا بقربها بركة ماء - ونظائر هذا كثير في تاريخ المدائن الاسلامية يدركها من يتتبع حركة امتدادها واصول تسمياتها .
وفي القيروان كانت اسواق نسبت الى مؤسسيها الاولين او الى بعض من كان يسكن بجوارها من اعيان الرؤساء ومشاهير العلماء فعرفت باسمائهم ، مثل(سوق اسماعيل) التى احدثها - سنة ٧١ هـ - اسماعيل بن عبيد الانصارى ، احد وجوه التابعين المتوفى بالقيروان سنة ١٠٧ هـ وكانت هذه السوق حذو مسجده المعروف بجامع الزيتونة (٢) - وكذا (سويقة ابن المغيرة) نسبت الى عبد الله بن المغيرة الكوفى من كبار المحدثين الوافدين على القيروان (٣)، (وسوق بني هاشم) المنسوبة الى صالح بن حاجب بن هاشم (٤) وسوى ما ذكرنا كثير
وما قلناه عن تسمية هذه الاسواق المنسوبة ينطبق ايضا على غير واحد من أحياء المدينة ، وابوابها القديمة ، مثل (باب سلم) و( باب نافع) و (باب أبى الربيع) و (باب اصرم) وقد جاء ذكرها كلها فى معالم القيروان قبل القرن الثالث غير انا لم نهتد فى كثير منها الى من نسبت اليه لاغفال المؤرخين واصحاب التراجم التنصيص على ذلك . ومن الغريب ان يكون في المائة الثانية للهجرة من بين الصناعات الرائجة
فى القيروان صناعة "الزجاج" وكان لها ناحية معينة تعرف بالزجاجين) يعمل بها أوانى البلور وتضرب بها الصنوج (١)
وجملة القول ان تعمير مدينة القيروان وتمصيرها الاول حصل في مدة من الزمان لا تتجاوز المائة عام من حين خططها عقبة بن نافع رضى الله عنه ، وقد بلغت فى ذلك القرن والذي بعده من غزارة العمارة وكثرة الخلائق ما أربى على عامة مدن المغرب والاندلس.
اما احياء المدينة ومسالكها ودروبها ورحابها وسورها وابوابها ومجارى مياهها وما يتصل بعمرانها تفصيلا فقد افردنا له مقالا ضافيا يأتي عند الكلام على انظمة الدولة الاغلبية حينما اتسع ملكها ، واستقر سلطانها ، وأخذت البلاد زخرفها وازينت، معتمدين فى ذلك كله على ما وصفها به الجغرافيون العرب، وعلى مشاهدات من زارها من اصحاب الرحلات ، وبالله التوفيق .

