الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

جواب الأستاذ, الطاهر قيقة

Share

مفهوم الثقافة

خطر لي ان طرحت على المترشحين لبعض الامتحانات سؤالا اطلبهم فيه ان يقوموا بشرح للقول الفرنسي الشهير ؛ الثقافة هي ما يبقى لنا عندما ننسى كل شيء فاجابني فريق وكانوا كثرة : اذا لم يبق فى ذهن الانسان اي شيء مما حفظه واستوعبة فاين الثقافة ؟ وشنوا هجوما عنيفا على قائل العبارة وألصقوا به جميع النقائص والعيوب .

إن اولئك الشبان كانوا كونوا تكوينا جعلهم يعتقدون ان الثقافة كمية من المعلومات المتنوعة ادخرها الانسان في حافظته وهو يستطيع في كل حين بسطها امام الناس مثل التاجر الذي يعرض بضاعته للزبون .

ومفهوم الثقافة هذا هو بالضبط مفهوم عجائز قريتي اللائي يقلن عن مؤدب الصبيان ان صدره ملآن علما الا انهن يستعمل كلمة علم عوض ثقافة ، وزار قريتنا في صباي مؤدب له نوبات عصبية فكانت النسوة يعللن تلك " بالعلم " الذي كان يضغط على كيانه فيفجره تفحيرا فيه ويصرع ويزيد .

وعفا الله عن شيخنا الذي كان يقول لنا في احدى حكاياته التي " كان يوردها للتخفيف علينا من عناء الدرس " : رحم الله الشيخ فلان لقد كانت ثقافته متينة عميقة اد حفظ القاموس المحيط عن ظهر قلب . وكنت اعجب - وأنا شاب مراهق - من ذلك الشيخ الجليل الذي استطاع بعد حفظ الفرآن وقسط لا بأس به من الاحاديث النبوية والفية ابن مالك ومتون اخرى ان يستوعب القاموس المحيط باكمله . وما كنت ادرك لعمله معنى .

اظن ابن الثقافة لا تدخل تحت المقاييس فلا توزن ولا تكال بل هي سلوك

ذاتي يجعل الفرد يحيا ويعمل ويفكر طبق معتقدات دينية وفلسفية معلومة وقواعد أخلاقية محددة ونواميس ذوقية معينة .

ليس المثقف في نظري وعاء يحوي معلومات بل كائنا حيا له نظرته الخاصة إلى العالم ومبادئه الدينية والفلسفية والاخلاقية التي يدين لها فيفكر ويعمل بمقتضاها ونواميسية الذوقية التي تجعله يميل الى اشياء ويمسج اشياء بمقتضى قواعد جمالية جعلها معيارا له .

فالثقافة - اذن - اسلوب كيان . وما دامت الثقافة لم تمتزج بالكيان حتى تصبح كالدم الجاري في العروق او التنفس فهي زيف .

الثقافة والتعليم

للتعليم صلة متينة بالثقافة لانه صورة من صور التثقيف ووسائل التثقيف عدة منها المسرح والسينما والاذاعة والموسيقى والمتاحف والمعارض الفنية ومنظمات الشباب والحركات النقابية والسياسية .

واذا كان دور التعليم هاما رئيسيا لتكوين النشء فان قيمته نسبية لتثقيف الكبار ولكن التعليم نوعان تعليم مثمر يرمي الى التثقيف وتعليم عقيم يزرع الغرور او الحيرة في النفس قيودي باتزان الشخصية .

لا يكون التعليم مثمرا ينعش النفوس ويقومها تقويما الا اذا كان مسايرا لواقع المجتمع النفساني والمادي خادما لاهدافه معينا على الوصول اليها .

لا يثقفنا التعليم الا ادا كان ملائما لعقليتنا معينا لنا في حياتنا اليومية ييسر لنا حل المشاكل التي تعترضنا ويهيئنا لبلوغ اهدافنا واهداف المجتمع .

اما التعليم الذي لا يلائم عقليتنا ولا يساير واقعنا ولا يخدم اهدافنا لانه بال او اجنبي او مزيج مشوه من تعليمين احدهما شبه وطني والآخر اجنبي فهو ورم وعبء ومرض .

الثقافة الغربية

إني عاجز على تعريف الثقافة الغربية والثقافة الشرقية ولا آمن في الحديث عنهما المغالطات والملابسات وتشويه الحقائق ولمملمة الافكار .

الا اريد ان اسقط في جب سقط فيه اقوام : الثقافة الغربية مادية ( رغم صبغتها

النصرانية ) والثقافة الشرقية روحية ( رغم ان معظم الشعب الصيني ملحد والصينيون نصف سكان الشرق وثلث البشرية ) والثقافة الغربية واقعية والثقافة الشرقية شعرية الخ ...

ثم ينبغي ان نحصر الشرق : هل تعد الثقافة الروسية المعاصرة شرقية ام غربية ؟ ... واليابانية ؟ ... وينبغي ايضا ان نجعل للغرب حدودا واضحة : ما هو وجه الشبه بين الثقافة الفرنسية وثقافة الولايات المتحدة ؟ الخ ...

وهذا خطب يطم وامر لا يتم . أما الثقافة العربية فهي واضحة المعالم كما يقال نشأت وازدهرت ودبلت في عصور معلومة وفي اصقاع معينة .

وتلك الثقافة اسلامية - طبعا لان الاسلام منحها سند المعتقدات الذي لولاه لم تكن ثقافة فالثقافة الفرنسية مثلا نصرانية كاثوليكية والثقافة الروسية المعاصرة تعتمد اعتمادا كليا على الفلسفة الماركسية ،

أظن ان الدين الاسلامي وهو العامل الرئيسى في الثقافة العربية - صبغ تلك الثقافة بالاتزان واحترام الذات البشرية والتسامح .

فالكمال عند المسلم في نطاق البشرية لا يتجاوزها والرسول هو الانسان الكامل ويسعى الاسلام دائما الى التوفيق بين توق الروح وشهوة الجسد لا تضيم الروح الجسد ( لا رهبانية في الاسلام ) ولا يتخلق الانسان بطباع البهيمة بانهماكه في ارضاء شهوات الجسد . والاسلام مسالم متسامح متفتح لجميع التأثيرات يأخذ منها الصالح ويمج الفاسد .

ورأيي ان هذه الظاهرة الاخيرة اهمها فليست الثقافة الاسلامية ثقافة موصدة منكمشة عاتية تعتبر انها بلغت اوج الكمال بل هي ثقافة متفتحة لجميع التيارات الثقافية الاجنبية لانها تحترم الانسان من حيث هو انسان ولا تدين بالعنصرية .

وكانت الثقافة عربية ايضا لا لان اللغة العربية كانت وسيلة من وسائل التعبير ولكن لانها عبرت عن الروح العربية في ميلها الى القيم البدوية ونزعها الى الاقتصاد في وسائل التأثير الذي يفضي الى الشظف والعراء احيانا وهذا الاقتصاد يسمى ايجازا في الادب وهو في الفن المعماري والنقش والموسيقى وضوح خطوط واجتناب كل ما يثقل ويشحن ويخل بالاتزان . ولكن الثقافة العربية كانت ...

الثقافية العربية المعاصرة

أيمكن الحديث عن ثقافة عربية معاصرة ونحن لا نجد في كامل العالم العربي اليوم عالما دينيا فتح ابواب الاجتهاد من جديد ووضع مذهبا تغلغل في اعماق الامة العربية وعرض عليها حلولا مذهبية للمشاكل التي تتخبط فيها اليوم ولا نجد أيضا فيلسوفا عرض على المجتمع العربي نظرة جديدة الى العالم .

واذا فقدت الثقافة السند المذهبي كانت شتاتا ونروات ومحاولات . أيمكن ان نعد الموسيقى العربية المعاصرة الناعسة المائعة او المختلسة إنتاجا ثقافيا ؟ أيمكن ان نعتبر السينما المصري ثقافة ؟ الخ ..

الثقافة العربية المعاصرة والشعب

الانتاج الثقافي العربي المعاصر يعد ويقدم لاقلية ضئيلة من الامة العربية وهي تلك الاقلية التي ساعدها الحظ فتلقت تعليما ما بنسب متفاوتة .

إن الشعب العربي الامي لا يلعب دورا في الثقافة العربية بل له وسائله الخاصة للتعبير عن آراءه وعواطفه وذوقه وتلك الوسائل كلها تدخل في نطاق الانتاج الثقافي الشعبي الذي نجهله او نتجاهله رغم غزارته .

وكثيرا ما يشعر المتعلمون بميل يدفعهم الى القصص الشعبية والقصائد الشعبية والموسيقي الشعبية ولكنهم لا يتجاسرون على الاعتراف بان الانتاج الشعبي في الوقت الحاضر اقرب الى انفسنا من الانتاج الثقافي الصادر عما نسميه نحن بالمثقفين .

واذا شعر بعضنا بميل شديد الى كتب الجاحظ والاغاني ومقامات بديع الزمان فلان اولائك الكتاب لهم روح شعبية .

ثقافتنا العربية الحالية ثقافة " خاصة " انعزلت عن " العامة " انعزالا يكاد يكون كليا . واذا اتجه مثقفونا الى عامتنا اتجهوا اليهم بعقلية استغلال وابتزاز اموال فالمسرح والسينما والموسيقى مثلا تجنح الى الارتجال وتسلك ايسر الطرق للتأثير على الشعب واستدرار امواله فلا نجد أي محاولة تذكر لتثقيف الشعب ببعث الهمم المتواكلة وتوضيح الغايات الغامضة وتهذيب الذوق الخشن .

وذلك المظهر الارتجالي الذي يتسم به انتاجنا الثقافي العربي المعاصر ناتج عن فقدان المستهلكين القادرين على التميير بين الطيب والخبيث .

فعالب منتجينا الثقافيين ينتجون على قاعدة " كعور واعط للاعور " كما يقول رجال الشعب .

هل لنا ثقافة قومية بتونس

لا يمكن ان نتحدث عن وجود ثقافة قومية بتونس . الانتاج الادبي ضئيل هديم القيمة او يكاد والمسرحيات مجرد هراء يذاع " على امواج الاثير " والاغاني سمجة مائعة لا تساير الواقع القومي مطلقا والانتاج السينمائي معدوم الخ ...

ومع ذلك فالمؤهلات لبعث ثقافة قومية موجودة : خاض شعبنا غمار مقاومة وطنية دامت سنوات والمقاومة ملهمة في جميع الظروف وجميع البلدان : لقد مجد الرسام قويا Goya الاسباني كفاح شعبه ضد نابليون على لوحات شهيرة وكتب فركور Vercors اثناء المقاومة الفرنسية الاخيرة كتابه الشهير " صمت البحر " Le silence de la mer . والامثلة في الميدان عديدة .

ولم تلعب مقاومتنا دور لقاح القرائح ما عدا القرائح الشعبية . ونعيش اليوم في جو منشط يبعثنا الى التشييد والتجديد وتشاهد بعثا عجيبا في ميادين شتى ما عدا الميدان الثقافي . ما هي الاسباب ؟

١ ) ان نخبتنا اليوم عقيمة لانها عفوية ساعدتها الظروف ولم تلاق مزاحمة تذكر لانحصار التعليم في جانب ضئيل من الامة فاجبرت بسبب ذلك على العيش في مستوى ارفع من مستواها الحقيقي فالمحرز على اجازة بسيطة في اي فن من الفنون مثلا يعتبر استاذا عظيما في حين انه يكاد لا يجد عملا يقتات به بفرنسا التي تعد من المجازين عشرات الآلاف واذا عاش الانسان مرجعا بالنسبة الى مستواه الحقيقي دغدغه الغرور واصابه عقم

٢ ) ان فقرنا في الاطارات وجهل شعبنا وإعجابه المفرط بكل متعلم يبث في نخبتنا شيئا من الميل الى السهولة والارتجال فتقدم الى شعب نهم لجهله انتاجا غثا " كالشهدة الهف " كما يقول المسعدي .

٣ ) ان اتجاهات الطبقة المثقفة مختلفة اختلافا جوهريا فهذا متأثر بالثقافة الغربية وذاك بثقافة عربية عتيقة يرجع عهدها الى عصور تقلص ظل الحضارة

الاسلامية وآخر له معلومات سطحية اقتبسها من الانكباب على مطالعة المجلات الشرقية الخ ...

وتلك الفوارق آتية من عدم وجود تعليم قومي موحد . ٤ ) يلعب القراء والمشاهدون والمستمعون دورا هاما في توجيه الكتاب والممثلين والمغنين . فالهالة التي توجد دائما حول نواة المنتجين مفقودة هنا أو تكاد لتفشى الامية .

وذلك من شانه ان يبث الفشل في نفوس المثقفين او يدفعهم الى تقديم انتاج ثقافي ضعيف .

مستقبل الثقافة لتونس

نشعر باننا جزء لا يتجزأ من العالم العربي وبان ثقافتنا لا يمكن ان تكون الا عربية اسلامية ولكن ذلك مجرد عبارة تحتوي على نوايا طيبة فحسب .

نحن من بناة الثقافة العربية المعاصرة التي ما زالت في المهد ولا يمكن ان نبنيها الا اذا شعرنا بذاتيتنا ووضعنا في صرح ثقافة المستقبل حجرتنا .

اذن ينبغي ان تكون ثقافة المستقبل ثقافة قومية واعني بذلك ثقافة مغربية اذ لا اومن - خاصة في الميدان الثقافي - بالوطنية الضيقة التونسية . للمغرب العربي تراث له ميزاته يمكننا من بعث حضارة الجناح الايسر للعالم العربى من جديد .

والقومية تعيننا على خلق ذلك المحتوى للثقافة الذي لولاه لم تكن الثقافة الا زيفا ودجلا . وارى ايضا ان مستقبلنا الثقافي في الشعب . تكون صالحة تقدر خدمتها له تستخرج منه المادة الخام وتحورها لتقدمها اليه قصد تهذيبه وتثقيفة . ذلك ما صنعته امم قبلنا مثل الامة الالمانية والاسبانية .

سنستخرج مواضع قصصنا وشعرنا ورواياتنا المسرحية والسينمائية ورسمنا ونحتنا ونقشنا من واقع شعبنا لتكون ثقافتنا صورة لواقعنا معبرة عن آمالنا واحلامنا وغايتنا . وارى في آخر الامر ان ثقافتنا تحتاج الى التفتح الى جميع الثقافات الاجنبية لتأخذ منها ما هو صالح لها فتهضمه وتجعله جزءا منها وذلك التفتح الى الخارج خاص خاصية اسلامية قارة فالانكماش الثقافي يؤدي الى الصلف او الى العنصرية الثقافية وهي بذرة فساد لكل ثقافة ابتليت بها .

نحن نؤمن بقيمة الشعب ومستقبل الشعب ونخبه من اعماق انفسنا وحبنا للشعب يدعونا الى احترام جميع الثقافات البشرية واحترام الانسان من حيث هو انسان .

اشترك في نشرتنا البريدية