يظهر لي أن الثقافة: "نضوج عقل المتعلم بما يتعلمه من علوم لغرض المنفعة تظهر في مجتمع مخصوص قابلة للتطور والامتداد خاضعة لقانون التنازع وبقاء الأصلح"
والمعرفة أم للثقافة والفرق بينهما بيِّن، فالعلوم تجارب محَّصها الإنسان بعقله وربط بعضها ببعض. إلا أن اختلاف الزمان والمكان يجعل بين الناس تفاوتًا في النشاط العقلي وتفاوتًا حتى في أجهزة البدن. فكان من الطبيعي أن تتعرض هذه التجارب المدونة أو الثقافات المبنية عليها إلى النقد والتمحيص من أناس آخرين.
وهذا ما وقع من (الغرب) بعدما تعلم فلسفة العرب وعلوم العرب ورجع بها إلى فلسفة وعلوم الأمة اليونانية. فكان يشعر من هذه وتلك بشيء من التناقض وبشيء من الاضطراب وبغموض لا تطمئن إليه العقول السليمة، فكان مدفوعًا لغربلة ما انتقل إليه من علم وفلسفة حتى اهتدى لخلق ضوابط وقوانين لوزن ما تتعرض إليه العقول البشرية ليعتمد منها الصحيح النافع فكان النجاح حليفًا له في عمله هذا وفيما يشد عليه من بعد من علوم وفنون وصناعات كانت مدهشة ومثالية للنسج أو لمحاولة النسج على منوالها من جميع الأمم الأخرى.
٤ فظهر بعد ظهور الغرب بمظهره الجبار أن الثقافة الشرقية لا سيما بعد تأثرنا بحضارته وعلومه ثقافة لا تعيش إلا بالتطهير ففيها جوانب قد أصبحت (تاريخية) كالتصوف والخلافة والخضوع للحاكم المطلق وقصر نشاط المرأة على شؤون المنزل وحبسها فيه وتنازع القحطانية والعدنانية والموالي والقول بافتراق الأمة إلى نيف وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة! والتجارة في الرقيق وملك اليمين
والتمتع بالجواري وظهور سبعين أو ثمانين مولودًا للرجل الواحد في البيت الواحد.
وإلى ذلك نجد في الكتب أسماء لا نعرف مسمياتها كالدرهم والدينار والصنج والفلوذج والقلنسوة وغير ذلك مما ألف فيه الغربيون المستشرقون القواميس! وإننا لا نبالغ إذا قلنا إن كثيرًا من كتب الثقافة العربية أصبحت لا تُفهم بمجرد قراءتها أليس من قبيل ذلك معظم أمثال العرب (الصيف ضيعت اللبن) والأدب الجاهلي وكتب الحماسة والأمالي لأبى علي القالي والكامل للمبرد وكتب الجاحظ وكثير من كتب العلم المؤلفة في عصور الانحطاط متن من خليل وشروح وحواشي.
فالثقافة الإسلامية العربية على ما هي عليه بدون غربلة وبدون تصفية فيها إرهاق بل فيها إزهاق لحيوية شبابنا المتعلم - هذا الشباب الذي ننتظر منه في الوقت نفسه أو نفرض عليه بأن يقوم بعمل مماثل في البلاد التونسية لما هو قائم في أوربا من صناعات ومعالم وحياة فائقة في منتهى القوة والسلامة ويحب لتخفيف الوطأة على هذا الشباب حتى لا يخفق في رسالته أن لا نُقدم إليه شيئًا من ثقافتنا التي احتضنها التاريخ وأن نقتصر على تغذيته بالمُتوكِّد منها والمصفى في مراحل التعليم الابتدائي والثانوي وأن نفرض عليه في بداية أمرنا أن يتعلم في المرحلة الثالثة العلوم العملية وألا نجعله عرضة للوقوع في هاوية (المستشرقين) هاوية الاستغلال بالآداب العربية في الجامعات الغربية أو الشرقية ليتعلم وليعلم البحث على الحلاج والجاحظ والغزالي والمعتزلة وما إلى ذلك مما نعده من البذخ العلمي الذي يجب أن نتجنبه موقتًا ما دامت بطوننا جائعة وعقولنا من مقومات الحضارة هزيلة فاشلة،
يجب أن نتقشف في طلب العلم وكسب المعرفة وتتجنب في سبيل ذلك الغرور والإسراف لقد كنا مسرفين عندما كنا متاعًا للمستعمرين! كنا مسرفين إد إرادتنا كانت بيد المستحوذين ! وكانوا في حظوظنا من العابثين والمتغلبين! كنا مسرفين إذ الوقت كان يمر بنا لفائدة غيرنا ولا يُلتفت إلى أحد منا إلا كان لهم من التابعين الممسوخين المفسّخين!
كنا غير مكترثين بأعمارنا الطويلة أو القصيرة على حد سواء لأنها كانت تدخل الدنيا وتخرج منها وليس لها من الكسب إلا النكاية والحرمان والإهمال
أما الآن - وقد تحوَّل كل شيء فيحب أن ينقلب إلى منفعتنا كل شيء يجب أن نتحكم في الزمن وساعاته، حتى لا يمر بنا يوم بلا كسب نافع.
يجب أن نلتهم المعرفة لحوض معركة الحياة الكاملة في هذا الوجود. لقد دخلنا إلى ملعب الحياة ودخولنا إليه فيه إيذان بالشروع في المعركة فالحذر كل الحذر من أن تكون ثقافتنا الجديدة مركزة على شيء من الأوهام الضارة أو على ما أصبح نفعه قاصرًا على التاريخ.
٥ و ٦ والثقافة العربية باعتبارها إسلامية ثقافة واحدة لأننا لا نتصور الأخطل وابن كلس وابن ميمون وابن ماسويه كانوا يعملون لغير فائدة الحضارة الإسلامية وأنهم كانوا بعربيتهم يعملون لحضارة منعزلة عن حضارة المسلمين
٧ أما خاصيات الثقافة الإسلامية فإنها تمتاز على غيرها بالمميزات التي سبق ذكرها.
٨ هذا سؤال غير واضح عندي
٩ و ١٠ ثقافة البلاد التونسية ملونة وفي غير اتجاه واحد لاختلاف طرق التعليم فيها فالثقافة المركزة على التعليم ثقافة زيتونية أخذت في التطور والاتجاه إلى ما يجب أن تكون عليه من علوم عملية عصرية وبذلك فإنها أخذت تقترب من الثقافة التونسية المتغذية بالعلوم العربية وحدها.
كما أن هذه الأخيرة قد أخذت في التطور والاتجاه إلى التقرب من الثقافة الأولى.
وفي ما سوى ذلك ثقافات تستمد قوتها من الغرائز والعادات المحلية تظهر في الشعر الملحون وضرب الأمثال والأغاني إلخ.
وهذه أكثرية الشعب التي تنتظر الاستقرار وترفيع المستوى في الفلاحة والصناعة والتعمير والتمدين وحبرهم على الدخول إليها والتعلم فيها.
ومتى كان ذلك فإن ثقافة البلاد التونسية تقترب من بعضها وتتضافر على فهم الحقائق ويزول سوء التفاهم بالمجانسة والانسجام.
وستكون لنا بعد ذلك كله ثقافة عربية غربية تمتاز بخصائص وضعية البلاد من الناحية الجغرافية والطبيعية والشيء مع غيره غيره.
