١ و ٢
كلمة الثقافة من الكلمات التي - رغم سعة انتشارها وكثرة ورودها على اقلام الكتاب - مازالت في حاجة الى تحديد دقيق . ونحن اليوم نحملها من المعاني مما لم تحمله في اصل وضعها العربي . ففي اساس البلاغة للزمخشري " تثقفت العلم او الصناعة في أوحى مدة اذا اسرعت اخذه ... ومن المجاز أدبه وثقفه ولو لا تثقيفك وتوفيقك لما كنت شيئا . وما تهذبت وتثقفت إلا على يدك "
وفي المصباح المنير للقيومي " ثقفت الحديث فهمته بسرعة وتثقفته أقمت المعوج منه " ولا شك انها اكتسبت هاتيك المعاني التي خرجت اليها حين جعلناها مقابلة للكلمة الغربية culture معناها المجازي في الفرنسية التربية والتعليم وهي عند الالمان تطلق على حضارة الشعوب الجرمانية . ولو رحنا نستقرىء مدلول هاته الكلمة كما جاءت في بحوث المفكرين والمربين ، ولا سيما عند كتابنا التونسيين لراينا لها مفاهيم وحدودا لا تزيد ضبطها وتعريفها الا صعوبة وعسرا .
ولما كان المسؤول عنه هو مفهوم الثقافة عندنا فاننا نجازف بهذا الحد فنقول : " الثقافة هي تكوين " آلة التفكير " تكوينا صحيحا . والمثقف في نظرنا هو الذي ينظر الى الحوادث والأشياء نظرة شمول واتساع ويدرك ما هو الجوهري منها وما هو العرضي ويحكم عليها حكما سليما " وبهذا نخرج من الثقافة كثيرا من الذين يعدون انفسهم او يعدهم الناس مثقفين وهم اشبه بالعوام في تفكيرهم وسلوكهم ونظرتهم للعالم ، واتصالهم به ، وحكمهم على الاشياء والوقائع .
وبهذا الحد بصبح ضبط الفارق بين الثقافة والتعليم هينا واضحا . فكل ما
اكسب الفكر سلامة في التفكير ، وحكما صائبا على الاشياء والناس واعمالهم ونظرة متسعة للكون فهو ثقافة ، وكل ما أكسب الفكر معارف مجردة ومعلومات لا تمتزج بالنفس ولا تؤثر على السلوك ولا تكيف الحياة فهو تعليم فالثقافة نظام فكري والتعليم معارف لا تتفاعل مع الفكر ولا تملي عليه اية قاعدة للسلوك . والثقافة تدفع صاحبها الى التفكير اي الى الخلق والابتكار والتطور والتجدد والتماس الحلول للمشاكل ، والتعليم هو حشو الذهن بالقواعد والحقائق والاصطلاحات والحدود والمعلومات والوقائع دون ان يكون الهدف من كل ذلك استثمار هاتيك الاشياء لتكوين شخصية حية نامية متأثرة ومؤثرة ، وبعبارة اخرى هو الفارق الذي جعله مونتيني Montaigne بين التعليم والثقافة في قوله المشهور " أحب ان اختار للطفل مربيا ذا عقل حسن التكوين لا عقل مملوء بالمعارف "
٢ الثقافة الغربية في نظري ثقافة علمية واقعية متحررة تؤمن بالقوة اكثر من ايمانها بالحق وتغلب النواحي المادية العملية على النواحي الروحية : هي ثقافة علمية من ناحية ان البحث العلمي والتطبيقات العملية لنتائج البحث العلمي هو من اظهر العناصر فيها ، وهي ثقافة عملية لانها تقدر الواقع وتقيم نظمها ومعالمها على اساس الواقع وتواجه الطبيعة والكون بنظرة واقعية وترتب شؤون اجتماعها وسياسة امورها حسب ما يتطلبه الواقع لا حسب الخيال والاحلام والتشبث بالاوهام وهي متحررة لان حرية البحث والنظر والتقرير متوفرة فيها يكفلها القانون وايمان المجتمع بوجوب احترام هاته الحرية واعتبارها من اثمن مقومات الثقافة الغربية . وفي رأيي ان الثقافة الغربية ونفوذها في العالم وانجازاتها لم تتوفر الا يوم ان استطاعت تلك الثقافة ان تغزو حريتها من طرف الذين كانوا يرومون الحد منها ويقفون في سبيلها ويضطهدون دعاتها باسم الدين والتقاليد وغير ذلك من الدعاوي . وهي تؤمن بالقوة اكثر من ايمانها بالحق وذلك ظاهر فيها يؤاخذها عليه ابناؤها قبل ان يؤاخذها عليه خصومها . يتجلى ذلك في ارادتها السيطرة على الشعوب وتسخير جنس من البشر لخدمة جنس آخر وعدم ايمانها بالقانون الاخلاقي في معاملة المستضعفين ونكرانها في بعض الاحيان للانسان وقيمه الروحية وحقوقه الطبيعية . أما تغليب الناحية المادية في الحياة على الناحية الروحية فذلك لا
ينكره احد . الا ان الشرقيين يبالغون في وصف الثقافة والحضارة الغربية بالمادية وهو وصف لا يخلو من رغبة في التشفى والتعيير . والحقيقة هي اننا ادا نظرنا الى الثقافة الغربية نظرة موضوعية نرى انها لا تهمل الجانب الروحي ولا تزهد فيه رغم ما حققت في الميادين المادية فما زال الفنانون والموسيقيون والشعراء والكتاب والفلاسفة ينتجون اروع الآثار واخصب المبادىء والآراء وما زالوا يزينون حياتهم بكل جميل وبهيج .
٤ الثقافة الشرقية مشهورة منذ القديم وعند جميع الناس - بانها ثقافة روحية اليس الشرق مهد النبوءات ومهبط الفلاسفة الروحيين منذ الاجبال السحيقة ؟ - والباحثون كثيرا ما يقابلون بين ثقافة الغرب " المادية " وثقافة الشرق " الروحية " ويستنتجون من ذلك ما يحلو لهم من النتائج . ولكن هذا التراث الروحي للشرق - هذا الجوهر - قد علقت به - على مر السنين اعراض حجبت نوره عن الانطار وطمست معالمه حتى تنوسي الجوهر او وقع الزهد فيه واصبحت تلك الاعراض الطفيلية هي التي تتجه اليها الانظار خاصة - فقنعنا من روحية الشرق بالسكون المزيف والقناعة الذليلة والكسل العقلي والخوف من كل " بدعة " وكل ابتكار وبما بسمية الاستاذ المسعدى " طمأنينة الرخام " (١)
٥ و ٦ الثقافة العربية عندنا هي بدون شك الثقافة العربية اللسان الاسلامية التاريخ والثقافة العربية هي الثقافة الاسلامية - كل لا يتجزأ ، ووحدة لا تنفصم هي كائن حي جسما وروحا لا حياة للجسم بدون الروح ولا قيام للروح بدون الجسم قضت بذلك ضرورات التاريخ والاقليم وطبيعة تكون الامة الاسلامية وقضت بذلك ايضا عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية ونفسية - فهاته اللغة العربية التي صقلتها نهضة الادب الجاهلي في القرنين الخامس والسادس الميلادي وجعلتها ناضجة لان ينزل بها القرآن - وهو دستور اعظم ثورة اجتماعية في القديم قد استطاعت ان تصهر في بوتقتها الضخمة خصائص وامزجة أمم كثيرة ، دخلت في الاسلام واضطلعت بالتعبير عن نتاج افكارهم وعواطفهم وميولهم وكونت من جميع ذلك هذا الشئ الطريف
حقا وهو الثقافة الاسلامية التي اشترك في بنائها مجموعة بشرية ذات حضارات مختلفة وامزجة متباينة بواسطة اللغة العربية العدنانية . (١)
٩ اميل عاطفيا الى القول بان لنا ثقافة قومية ولكني ارجع البصر كرتين فينقلب البصر خاسئا وهو حسير ، ذلك ان جل اساتذتنا في المعاهد الثانوية يدرسون العربية كلغة اجنبية لتحضير شهادة الباكلوريا . ولسنا نحن الذين وضعنا برامج الباكلوريا وحددنا مدى قومية الثقافة في تلك البرامج . ثم ان المشرفين على الشؤون الثقافية بادارة المعارف في الماضي اجد رجلين ؛ رجل ينكر ويمنع - بحكم ما له من الهيمنة والسلطان - ان تكون لنا ثقافة قومية . ورجل لا يؤمن بوجودها ولا بامكان وجودها ولا بجدواها إن وجدت أما الثقافة " التقليدية " فكل المظاهر تدل على انها ثقافة قومية ولكنها - ويا للاسف - اصيبت بشر ما تصاب به ثقافة ما - اصيبت بالانكماش والتحجر اللذين اولداها " العقم " لقد اصبح الحرص على العمل بقاعدة " وكل خير في اتباع من سلف " وقاعدة " ما كان اصح عليم من تقدما " وقاعدة " ما نرك الاول للاخر شيئا " - وهي اقوال يكثر ترديدها عند اهل تلك الثقافة - اصبح الحرص على كل ذلك مانعا لها من ان توصف بالثقافة القومية " لتونس المتطلعة الى حياة جديدة .
١٠ سؤال ضروري اكيد في مثل هاته الفترة من حياتنا . فان كان لنا ان نبدي اقتراحات او نوصي بتوصيات فاننا نجملها في هاته " الصفات التسع " التي يتأكد في رأينا ان تتسم بها الثقافة في تونس الغد .
وها نحن اولا نذكرها وان كان بعضها اصبح من البدائه والمسلمات التي لا يختلف فيها اثنان ولا ينتطح فيها عنزان كما يقول الاقدمون فثقافة المستقبل بالنسبة لتونس يحسن ان تكون :
اولا - موحدة - فليس اضر على الامة من تعدد اتجاهات الثقافة التى تؤول الى ايجاد طبقات من المثقفين لا يتفقون على راي ولا يحلون اي مشكل فيتنكر بعضهم لبعض ويتنابزون بالالقاب ويتبادلون التهم والشتائم ولا نتيجة لكل ذلك الا
العداوة والتفرقة والخذلان . ثم تأتي الحكومة القائمة وتفضل عقلية او ثقافة فريق على الفريق الآخر حسب نزعات المصرفين للامور وتمكن البعض من الرئاسة والسيادة والغلبة وتحرم البعض الآخر من فرص الاضطلاع بالمسؤوليات واظهار الكفاءة وبذلك تجعل هاته الطبقة المحرومة المبعدة فريسة لمختلف المركبات النفسية وقد كنا نادينا بضرورة هذا التوحيد منذ خمس عشرة سنة في حفلة لتكريم الناجحين في الشهادات .
وتوحيد التعليم يجب ان يشمل مراحله ويرامجه ومناهجة واساليبه ودرجاته واتجاهاته وشهاداته ، ولا بأس ان يراعى في اقامة البرامج شىء من الانسجام مع برامج بلاد الشرق العربي لاسباب سياسية وعاطفية وعملية وان كان الشرق العربي مازال يتخبط في نفس البلبلة والفوضى اللتين نتخبط فيهما (١)
ثانيا - قومية اي تونسية الاتجاه عربية اللغة اسلامية الروح لكنها متسعة الافق سمحة متسامحة تمقت الانزواء والانطواء وتتطلع الى ما عند الامم من ثروات روحية وفكرية فتحسن الانتفاع بها والاقتباس منها لتطعيم ثقافتها - ونحن ننعت الثقافة بالقومية - وان كان من طبعها الاتساع والشمول والاطلاق لكي نحمي المثقف التونسي من ان تكون ثقافته - اذا لم تعتمد عنصر القومية - ضربا من التلفيق والترف العقلي Dilettantisme الذي لا يصلح نفسا ولا يكيف فكرا ولا يهذب سلوكا .
ثالثا - بعيدة عن الذبذبة والتردد والخلط لان التيارات الثقافية التي تتجاذب التونسي - بحكم موقعه بين الشرق والغرب - من شأنها ان تشتت دهنه وتجعله هدفا للتردد والبلبلة - وفي رأيي ان ثقافة الغد يجب ان تستلهم مقوماتها من عناصر ثقافات البحر الابيض المتوسط بشرط ان تكون من هاتيك العناصر شخصية خاصة بها تنسجم مع عبقرية الامة التونسية وخصائصها الذهنية والنفسية - وفي اتصاف هاته الثقافة بالاصالة وبالطابع الخاص ضمان لها من التلاشي والذوبان في ثقافة او ثقافات اخرى ذات شخصية قوية غلابة لها قدرة على ابتلاع غيرها من الثقافات او الهيمنة عليها -
رابعا - عملية واقعية - اذ الثقافة لا تنافي العمل ولا تمنع الصلة بين الانسان والجنس البشري ولا بين الانسان وبيئته وعصره وماضي قومه . هي واقعية لانها تلائم حاجيات القرن العشرين وتعتمد على العلم العصري دون ان تزهد في طابعها الروحي وهي عملية لانها تمكن صاحبها من تحقيق مجال للعمل يبرز فيه نشاطه وكفاءاته ولانها تراعي حاجيات الامة في النواحي الاقتصادية والمعاشية
خامسا - متحررة - من جميع القيود التي تعوق النمو والازدهار ومن جميع الرواسب المختلفة من عصور الجمود والانحطاط . والثقافة المتحررة هي التي تعد الحرية من انفس الذخائر وتعلي شأنها في جميع المظاهر ولا سيما مظهرها الفكري اي حرية البحث والنظر والتفكير . وكما تعلي شأنها تدافع عنها كلما هددها اخطار التعصب وضيق الافق وحب السيطرة .
سادسا- تقدمية تؤمن بالديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية وتتكافأ فيها الفرص لابناء الشعب حتى يستطيعوا اظهار ذكائهم وكفاءاتهم .
سابعا- انسانية تؤمن بالانسان وقيمه الرفيعة وتعطف على مشكلاته وضروراته وتحترم ذاته وكرامته وتتألم لشقاء الانسانية التي تتنازعها عوامل الشر والطغيان وتتهددها من نفس مدنيتها اسباب الفناء والدثور واخبرا تقدر مأساة البشرية وهي في صراع مع الوجود .
ثامنا - تدخل في حسابها العناية بالفنون ، كل الفنون - فالهيام بالجمال في كل مظهر وصورة ، وتطلبه في كل عمل ومجال هو من اسباب تفوق الغربيين والثقافة الغربية على الشرقيين وعلى ثقافتهم . الغناء عند الشرقيين تهويش وتصدية بالأكف ، والرقص اثارة للغرائز الجنسية والنحت بقية من عبادة الاصنام ، والتصوير لا يحفل الا القليلون من اصحاب الثقافة الغربية والموسيقى التصويرية لا يفهمها الا اقل من القليلين . الشرقي لا يعنى بالاطار الذي يعيش فيه ولا يحاول تكييفه وتجميلة ، ولا يفر من القبح والقذارة . وهو يمر - في الغالب - بمجالي الجمال ويواجه الطبيعة الطبيعة صباح مساء دون ان يتذوق روعتها او يلتفت التفاتة صادقة لمفاتنها ولا عبرة بالقلة التي تفطنت الى هاته الامور . والطفل الشرقي يقطع اغصان الشجرة التي يجدها في طريقه ويحبس العصفور في القفص ويلوث البستان ولا يحجم عن
العبث بازهاره لو أمن غفلة الرقيب والرجل الكهل لا يحمي الشيء الجميل من الاذى والضرر وهو على الاعم لا يظهر في سلوكه ومعاشه ميلا للاعتدال والقصد وحبا للنظام والتناسب وطلبا للانسجام والتناسق في اعماله او اقواله - ولا سبب لذلك في ما ارى - الا فقدان الثقافة الجمالية في المدرسة وفي المجتمع .
ونحب كذلك ان تدخل في حسابها الى جانب هذا العناية بالر باضة البدنية ولسنا نعني برياضة البدن تلك الحركات والاعمال التي يقوم بها الشباب عندنا في مختلف المنظمات الرياضية والكشفية وانما نعني بها ما يجب ان ينتج عنها من تكوين نماذج للكمال الجسدي وللفتوة في اسمى معانيها ، فقدماء الاغريق قد حققوا في هذا الميدان ما لا يزال محل اعجاب العالم الى اليوم وما لا يزال الغربيون يحذون فيه حذوهم ويأتون فيه بالعجيب المدهش من البطولات .
تاسعا واخيرا - تهدف في جملتها وتفصلها الى تكوين المواطن الصالح للحياة في عصره ، والنافع بمواهبه واعماله والمساهم مع الامم المتحضرة في بناء حضارة العالم . اذ ما هو الهدف الاسمى للثقافة ان لم يكن تحقيق التقدم البشري والارتفاع بالانسانية الى أعلى مستوى ممكن .
وقد اوجدت المدنية الحديثة وسائل كثيرة لتيسير الثقافة وتعميم نشرها بين كافة الطبقات وذلك مثل الصحافة والاذاعة والمحاضرات والرحلات ودور المسرح والسنما ومعارض الفنون والمكتبات المتجولة والقارة . فلنحسن . استخدام هاته الوسائل في نشر الثقافة العامة اولا وفي تيسير مهمة المعاهد الثقافية المسؤولة عن ثقافة الشباب .
القيروان
