الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

جواب الاستاذ, أحمد بن صالح،

Share

١

الثقافة نتاج العلم او العمل ، تسمو سموا اذا كانت نتاج العلم والعمل . هي نقطة الفكر والحس والضمير ، يقظة الى كل شىء . وهى توازن قوى الانسان . وهي دائم الاتجاه الى الحياة تحمل الانسان ماهية ماضي مجتمعه والانسانية وتحمله الحاضر وكل ما يزخر به من عمل وامكان . وتحمله التوق الى الغد .

ولا ثقافة اذا لم تخلق التوق الى الغد . الى حياة اقوى واغرز واسع ، ولا هي ثقافة اذا لم تخلق العمل في تلك السبيل . الثقافة حياة الفكر والحس والضمير . وحياة الفكر والحس والضمير لا تكون في الوحدة ، الوحدة اكذوبة كبرى خلقها المرضى او أنصاف المتعلمين او الفاسقون بانفسهم . الثقافة حياة ولا حياة في غير الاجتماع

والاشتراك والمحبة . الثقافة سعي وقرب وانسجام مع البشرية جمعاء . وهي سمو مطلق متى لبست جسدا حيا هو آمال كل اصناف المعذبين في الارض وهو توقهم الى حياة افضل والى نهش الدنيا وهو توقهم الى العدل المطلق المستحيل .

هي تسمو عندما تدفع البشرية الى التوق الى المستحيل ودعوتها الى المستحيل لا تخلق التحجر واليأس انما الاندفاع والعراك المستمر جيلا بعد جيل ، وهكذا الثقافة عراك مستمر ، عراك المجموعات البشرية جيلا بعد جيل لخلق السعادة وتعميمها وبلوغ هدف الانسان الاسمى : العدل المطلق .

٢ يمكن ان نقول في ايجاز كامل بعد ان تحدثنا عن الثقافة ان التعليم احدى وسائل البلوغ الى مستوى الثقافة وهو وسيلة في متناول الذين لا يقدرون السير وحدهم في الحياة العملية ، وسيلة في متناول الاطفال يوجهون في خطاهم الاولى . ولا تتيسر لهم الثقافة اذا كان التوجيه ضغطا وقتلا لاشواقهم .

هذا التعليم بالنسبة للثقافة في معناها الذي بيناه . والتعليم اليوم اما ان ينسجم في نطاق عمل الامة في سبيل ازدهارها وتسيير كل شؤونها والا فليس بالتعليم ، التعليم واجب ان يكون تكوينا مهنيا في شتى ميادين الحياة بينما الثقافة وضع فكري وحسي يشمل يقظة الانسان الى كل ميادين الحياة في مجموعها .

٢ و ٤ ليس عندى ثقافة غربية او شرقية ، الثقافة لا يمكن ان تكون جغرافية او " طقيسة " او تاريخية ولا يغرنا ما اصابها مدة قرون من تدليس خلقه التفاوت في التقدم الصناعي والاقتصادي وبالتالي التفاوت في التوازن الاجتماعي والتوازن الثقافي .

ولا يمكن الا ان تتفاوت القارات بتلك الصفة فتلك سنة لن تتغير الا اذا سوى التقدم الصناعي او الذري اليوم بين كل الجماعات البشرية حتى يتوحد الاتجاه ويتوحد التوق الى الحياة .

فالثقافة كفر بالعنصرية ولو اتسع مجالها ، وهي كفر بالتفاوت الفاحش الخالق للضيم . هي ايمان بمستحيل العدل والتوازن بين جميع عناصر الحياة والبشرية .

٥ الثقافة العربية ، الثقافة الاسلامية ، الثقافة الشرقية ، الثقاقة الغربية . كل هذا خطأ . وانما يعتبر عربي اللسان المثقف باللسان العربي انه ينتسب الى الثقافة العربية وكذلك يعتبر نفسه ألماني اللسان او روسي اللسان او هنديه . ولو اطلع احدنا على اكثر من لغتين لاكتشف ان ما يجده في التفكير المدون بالعربية يجده مدونا بجميع اللغات ، وهذا بالطبع فيما يتعلق بالكتب او الاتجاهات الاساسية وليس حديثنا عن قشور الثقافة من كتب او قصص لتسلية مجموعات بشرية تسعى الى التسلية الرخيصة

والسريعة بالخصوص ، والثقافة ليست وجها من وجوه التسلية بل هي كد مستمر للكشف المستمر ،

٦ و ٧ و ٨ و ٩ لا اومن بتعدد الثقافات وقد اقتنعت بمفهوم الثقافة الذي بينت في أول كلامي . كذلك لا اومن بوحدانية الثقافة فى اقليم ما او قارة ما وانما الثقافة هي كد ماهية البشرية في سبل ماهية اهداف البشرية ثم هي عمل مشترك بين المجموعات البشرية في سبيل الانتصار بتلك الاهداف في مستوى الانتصار اليومي على اعداء البشرية واعداء الحياة

هناك فقط صور متعددة ولغات متعددة تبلغ بها الثقافة فكر الانسان وحسه وضميره وهناك صور متعددة ولغات تبلغ الثقافة بها البشرية سبيل الكد الفكري والحسي وتبلغها سبيل العمل المشترك لبلوغ اهدافها .

وعندنا اليوم فى البلاد ذات اللسان العربي صور غير موحدة للثقافة . وعندئا اليوم فى البلاد ذات النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي المريض المختل صور متعددة للثقافة ،

وانما الاتجاهات العامة تجدها فى بلاد آسيا وبلاد افريقيا وبلاد اوروبا او اميركا الجنوبية ، هي اتجاهات قسم كامل من المجموعة البشرية يسعى سعيا جديدا حادا الى جعل التقدم الصناعي والذري احيانا ينتشر سعادة وحرية على جميع البشرية وعندما اقول سعيا جديدا حادا فذلك بالنسبة الى شيخوخة سعي الذين انهكهم التقدم لانهم اخطؤوا سيل تسخيره في صالح البشرية ، فهو هو الذي سخرهم وهضمهم ووضع على قلوبهم غشاوة واوصد على افكارهم وحسهم ابواب السمو البشري ، فضلوا واخذتهم سبل الطغيان .

واليوم الاتجاهات الثقافية نسميها قومية لانها في حالة دفاع لتخليص اقطارنا او قارتنا ولكننا واجب ان نسعى السعي الحاد حتى لا تقف عند الدفاع لان الثقافة ليست تحجرا بل هي غزو للمستقبل وفتح مستمر مبين للانسان وفكره وحسه وضميره وهي فتح مستمر مبين في وجه المجموعة البشرية لتسمو في نظامها ويتوازنها وتبلغ مصف المجموعات الزاحفة جيلا بعد جيل الى الحياة الكريمة السعيدة

مستقبل الثقافة في تونس . ولا نقول مستقبل الثقافة التونسية . هو في الحقيقة مشكل مستقبل التعليم الذي هو وسيلة من وسائل الثقافة ، يجب ان لا يدفعنا حبنا للتخلص من تأثير الاجنبي الى الانغلاق . واجب ان يسهل تعليمنا القومي العربي سبيل فهم الدنيا والحضارة الانسانية مهما تعددت صورها . يجب ان يحافظ على اللغة ومميزات وطننا ومميزات المجموعة الافريقية والمجموعة العربية التي تنتسب اليهما وكذلك مميزاتنا في نطاق البحر الابيض المتوسط الماجد التاريخ . ولكن مع المحافظة على المميزات فتح الأذهان الى الدنيا والى التقدم وتمكين الجيل من الشعور بانسجامه مع العصر انسجاما فنيا وذلك يكون على شرط ان ينسجم التعليم نفسه مع نظام البلاد الاقتصادي والاجتماعي الذي تريد واحب ان نتقي خطر انفصال المدرسة عن الشارع وانفصال الفكر عن الحياة اليومية وان تعتبر جدران المدرسة شفافة قريبة الى تدفق الحياة العامة ومآسيها وافراحها

يجب ان يكشف الطفل نفسه بصورة مستمرة في نفس الوقت الذي بكشف فيه المجموعة التي يعيش بينها كما يجب ان يبلغه ذلك الاكتشاف الى الشعور بانتسابه الى البشرية جمعاء

نظام التعليم ونظام البلاد الاقتصادي هما اللذان يهيئان صورة قومية للثقافة ، هما دعامتا كل الثقافة ، ومستقبل الثقافة في بلادنا اساسه رغبة الجيل الجديد في حياة افضل بالكد المشترك وتوق الجماهير الشعبية الى تلك الحياة الافضل في الكد المشترك لبلوغ العدل الكامل .

اشترك في نشرتنا البريدية