الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

جواب الاستاذ, احمد عبد السلام،

Share

١ في السؤال بعض التناقض " وكانكم ، اذ قلتم " على وجه العموم " قصدتم ما يخرج عما وصف في الاسئلة الاخرى بالغربي والشرقي والعربي والتونسي وما يشبه ذلك لكن ، كلما حاول انسان ضبط مفهوم الثقافة عنده عبر عن فهم لها هو بالضرورة فهم امرىء يعيش في عصر بعينه وبيئة بعينها ، ذلك لان الثقافة .

كجميع الاحوال البشرية ، توجد ثم تفهم . ويكون الانسان مثقفا ثم يدرك عناصر ثقافته ادراكا هو جزء من ثقافته . ولعل الثفاقة تطلب اكثر مما تدرك وهى على كل حال تتضمن الطلب .

وقد يعيننا ما سبق على توضيح اوصاف للثقافة منها :

١ ) ان الثقافة تستعصي بعض الاستعصاء على الحد وليس استعصاؤها غريبا . فما هو حد المشي عندكم ؟ وما حد الحياة ؟ وما معنى ألفاظ كانت تدل على أزمنة غير زماننا على ما يشبه بعض الشبه ما نسميه اليوم ثقافة : ما معنى " الادب " عندكم وما معنى " الحكمة " ؟

ان الثقافة تؤثر على السلوك وعلى فهم الانسان للكون وعلى نظرته الى نفسه . . . وعلى فهمه للثقافة كما اسلفنا .

فهل يمكن ، بعد هذا ، ان نتحدث عن " الثقافة بوجه العموم " ؟ ان كان لا بد من ذلك ، وكان ممكنا ، لا يجوز الحديث الا في لفظ ذي معنى يسع جميع المواقف الخاصة ، فالثقافة عندي وعي ، وثقافة الفرد درجة وعيه للكون ولمنزلته في الكون ، وثقافة الامة درجة وعيها لمنزلتها في الوجود . ونحتاج ، بعد ذلك ، الى ان نزيد مفهوم الثقافة ضبطا بالتنبيه الى ان الثقافة وعي ينزع الى الكمال بطلب أقصى درجات الادراك ، والادراك لا يتم الا بالعمل او ، بعبارة أصح ، العمل جزء من الوعي .

ويصعب ان لا يتأشر فهمنا للثقافة بمقتضيات عصرنا وهو عصر يستحيل على الفرد فيه وعلى الجماعة ان يبقيا بمعزل عن المشاكل البشرية العامة وعن الانقلابات العالمية . والثقافة ، وان بقيت مرتكزة على مقومات الامة ، لا تكون جديرة باسمها الا ان طمحت الى منزلة " انسانية " غير محدودة .

٢ بين التعليم والثقافة من الاختلاف ما بين الغذاء والحياة وبين الآلة والاثر . فالتعليم تلقين والثقافة نتاج يختلف عما ينويه الملقن على قدر اختلاف الامزجة والطبائع والبيئات والظروف ... وحرية الكائن الحي .

وكلما راعى التعليم تلك الحرية كان انجع في بعث ثقافة نرتضيها .

٤,٣ لا معنى للوصفين الا ضمن مقابلة صريحة . . او مضمرة . غير ان تلك المقابلة قائمة على اغفال حقائق كثيرة منها ان ما يسمى عادة بالثقافة الغربية له مظاهر مختلفه يصح ان تعتبر جميعها ثقافات ، وكذلك ما يسمى بالثقافة الشرقية : أثقافة الاميركي المعاصر نفس ثقافة فرنسي القرن السابع عشر ؟ أتشبه الثقافة العربية الثقافة الصينية كل الشبه ؟ وقد يقصد المتحدثون عن " الثقافة الغربية " نتائج التعامل الذي حصل في اروبا بين الدين المسيحي والعقليتين اليونانية واللاطينية ، ذلك من جهة ، ومن جهة اخرى التقدم العلمي والصناعي الحادث بالاقطار الغربية في العصور الاخيرة ، ويتحدثون عن " الثقافة الشرقية " معتمدين على ان الشرق منبع الاديان وارض يلجأ اهلها ، بجانب " العقل التحليل " الى وسائل اخرى للادراك قد ترفض التحليل او تتجاوزه وقد لا تخلو الدراسة الدقيقة من ابراز نواحي في ثقافات الشرق والغرب لا تتفق وهذه النظرة الساذجة .

٥ و ٦ الثقافة العربية " عربية اللسان " اسلامية التاريخ لان جميع اثار تلك الثقافة - الا الشعر الجاهلى (؟)  - متاثرة بالاسلام ، ثم - وذلك اهم - لان الاسلام بعث تلك الثقافة بعثا وتجاوز بها جزيرة العرب وحدودها وسما بها الى قمم التفكير والى المثل الانسانية العليا .

والثقافة الاسلامية تتحد مع الثقافة العربية في عصور ازدهارها ، ثم آل تطور

العالم الاسلامي ، وضعف العنصر العربي عن السيطرة على سياسة ذلك العالم ، الى تمسك بعض الاجناس المسلمة الاخرى بلغاتها والى حرص تلك الاجناس على ان تكون لغاتها لغات أدب وتأليف وثقافة . فظهرت ثقافة اسلامية فارسية اللسان وثقافة اسلامية تركية اللسان ويصبح ان تعتبرا فرعين للثقافة الاسلامية عربية اللسان اذ تتغذيان من ماضيها .

٧ و ١ يبدو لي ان الثقافة العربية تنارعها في العصر الحديث اتجاهات متناقضة ناتجة عن تاريخها وعن الوضع السياسي والاجتماعي المسيطر على الامم العربية منذ قرن او اكثر .

فالثقافة العربية مضطرة الى يجدد يلائم بينها وبين التطور الفكرى وتقدم العلوم والصنائع الحاصلين فى القرون الاخيرة .

والثقافة العربية اشد الثقافات اتصالا بماضيها . وتتجلى تلك الصلة القوية في رجوع العرب الى ماضيهم كلما اعترضهم في حاضرهم مشكل من المشاكل فهم يخشون " البدع " خيشية تمنعهم احيانا من الابداع . واذا ابدعوا حرصوا على ان يتصوروا ذلك " احياء " لسنة اندثرت . فكل العرب من هذه الوجهة " سلفية " ومن فضل هذه النزعة على العرب ان حكمت بالعقم على كل " تجنيس " وكل " تبشير " لكنها نزعة تجعل الثقافة العربية بطيئا كثير التردد .

ومما زاد الامير تعقدا ان الحضارة الغربية دخلت البلدان العربية غازية مستعمرة متعسفة فاستهوت بانتصارها لكنها أثارت المقت بتعسفها واستغلالها

فالعربي بين تقليد لما يظنه سبب نجاح الغربي وبين احتراز مما يخاف منه تجنيسا عقليا .

ولا يساعد على قهر تلك المعضلة ما نراه في اكثر الاقطار العربية من تأخر اجتماعي جعل مشاكل الثقافة من مشاكل الخاصة اذ " العامة " مشغولة بما تعانيه من جوع وجهل . وانا مقتنع بان " النخبة " مهما سما تفكيرها عاجزة عن حل المشاكل الثقافية حلا واقعيا ما استحال عليها ايجاد تجاوب بينها وبين السواد الاعظم . وما دام ذلك التجاوب غير موجود بقيت كل الحلول في نطاق النظريات .

وعلى كل ، فمن المثقفين العرب عدد أدركوا شيئا من نواحي النقص المشار

اليها فدعا بعضهم الى دراسة تراث العرب دراسة علمية ودعا غيره الى حث الخطى لتلحق بالغرب في ميداني العلوم والصناعة وحاول آخرون ان يتفهموا نفسية الطبقات الشعبية ودرسوا المشاكل الاقتصادية والاجتماعية .

وذلك النشاط يجب ان يقوى وينظم لان الخيبات والمحن التي اصابت الشعوب العربية في السنوات الاخيرة قد بقي لها اثر من شأنه ان يدفع الى الانقلاب ان طال انتظار الاصلاح العميق الناجع .

٩ و ١٠ توجد عناصر لثقافة " تونسية " قومية ينبغي ان نحسن التصرف فيها وان لا تضيعها ... ويجب التنبيه الى ان الثقافة التونسية لا يمكن ان تكون الا عربية مسلمة بالمعنى المبين في الجواب عن السؤال الخامس . فالثقافة ترتكز على ماضي الامة لا ماضيها المدون في كتب التاريخ بل ماضها الحي في نفوس افرادها فهذا الماضي جزء من الحاضر لا يتجزأ عنه وللتونسي في العالم العربي الاسلامي منزلة خاصة خاضعة لتاريخه القريب ولموقعه الجغرافي ولآثار الحضارات المختلفة التي مرت بهذه الأرض ، ولا يدعونا الى التنبيه الى هاته المنزلة الخاصة " قومية " ضيقة او عجب زاتف بل يدعونا التعلق بالواقع . وتلك المنزلة يمكن ان يدركها من لم يزر تونس يتذكر المنزلة الخاصة التي كانت للاندلسيين في ماضي الثقافة العربية ( ومن مقومات " الذاتية التونسية " ان كثيرا من التونسيين اندلسيو الاصل ) .

ونرجو ان تكون الثقافة التونسية في مستقبلها ثقافة عربية اسلامية تبقى حريصة على اتقان العلوم العصرية وتصطبغ بصبغة تونسية تظهر في اعراضها عن التطرف والتشدق وتميل الى الاعتدال ومراعاة الواقع ويتحلى فيها حب التونسي للفنون وما طبع عليه من براعة فطرية وهي مواهب وميول بقيت مكبوتة الى اليوم .

ويجب ان توافق هذه الثقافة النهضة الاجتماعية وهي من اهم ما يرمي اليه الكفاح القومي التونسي .

وقد قلنا ان الثقافة نتاج حب الاحتراز في التنبوء به ، بل علينا ان نعد الآلة وهي التعليم ويجب ان نهيء لثقافتنا اهم وسائلها وهي تعميم التعليم . فلن توجد ثقافة ذات مستوى نرتضيه في امة يعم معظمها الجهل . ويجب ان يوافق تعليمنا الغابات التي نطلبها لنشئنا ، وعلينا ، بعد القيام بواجبنا في ميدان التعليم ، ان ندع الامة التونسية تؤتي نتاجها الثقافي وان ننتظره في كثير من الثقة . وشيء من التواضع !

اشترك في نشرتنا البريدية