١ تتوارد علي ، وأنا اراجع نفسي عن مفهوم الثقافة خواطر كثيرة متباينة ذلك لاني لست ادري بيى اعتبار أسأل عن مفهوم الثقافة : هل باعتبارها تراثا انسانيا شاملا عمل في ايجاده ذكاء النوع البشري وتظافرت على إنمائه مختلف اجياله ؟ او باعتبارها قيما عقلية وخصالا نفسية تنشأ في ذات او جماعة معينة ، عندما تقبل على التراث الانساني بما فيه من علوم وآداب وفنون ، وتريد ان تعتصر منه ميا يكون مادة حياتها وزكائها ووسائل قدرتها وسعادتها ؟
او هل يراد بالثقافة ذلك المفهوم التطوري الذي صحب الكلمة من يوم ان كان العربي يعمد لرمحه يثقفه بغمز القناة وارهاف الشباة الى هذا اليوم الذي صار فيه العرب يرتبطون بمنظمة " الاونيسكو " ابتغاء النهوض بالتربية والعلم والثقافة في اوطانهم ؟
الحق انه لا شئ يستعجم على التفسير اكثر من مثل هذه الكلمات العامة الواسعة الاطلاق وخاصة اذا كانت كـ " الثقافة " يحف بها من خطورة الشأن ما يشعر الباحث فيها بنوع من الحذر والتهيب حتى لكأنه يقبل على فض لغز او حل مشكل عويص . ومع ذلك فاني احاول ان احصحص الثقافة في اوسع مفاهيمها عندي بما يلي : " هي مستوى يبلغه الانسان وهو يرتقي درجات التهذيب ، ويتفاعل بمؤثرات الحضارة في مختلف مجالاتها .... "
٢ ان عطف كلمة " التعليم " على الثقافة هنا يوجهنا الى مفهوم آخر للثقافة
زائد عما سبق ؛ يوجهنا الى ان نفهم الثقافة باعتبار انها تأثير يراد احداثه في الغير ، اي ان نفهم الثقافة بمعنى التقيف . وهذا يوجهنا الى التفكير في كلمة أخرى كثيرا ما ترد مصحوبة بهاتين الكلمتين : هي كلمة " التربية " واذن تصير صيغة السؤال هكذا :
ما هو الفارق بين الثقافة والتعليم والتربية ؟ لعل مبعث السؤال عن الفارق بين هذه الثلاثة هو ما نراه بينها من اشتراك في الزمن ، والاشخاص ، والوسائل ، والغايات ؛ فالثقافة تشغل نصيبا من زمن التربية والتعليم ، والمعلمون هم المربون والمثقفون ، ووسائل التربية والتعليم وغايتها هي من وسائل الثقافة وغاياتها ، ولهذا الاشتراك كثر استعمالها متعاطفة او مستعاضا باحداها عن الاخرى ؛ ولم يكن هذا من شانها في العربية فحسب ، ففي الفرنسية يجرى مثله بين الكلمات : Education - Enseignement - Culture - Instruction ولهذا الاشتراك ايضا دعيت الهيئات المشرفة على شؤون المدارس والكليات مرة بوزارة او ادارة - التربية القومية ، او الثقافة القومية . او التعليم العمومي .
وقد حاول الاستاذ " دول فولكي " Daul Folquie ان يقيم الفروق بين التربية والثقافة على عدة اوجه منها :
١ - ان الثقافة قوامها الاحراز على مجموعة من المعارف ، في التاريخ ، والجغرافيا ، والطبيعة ، والاخلاق وغيرها من العلوم ؛ وان التربية قوامها ، التنمية المنسجمة لسائر قوى الانسان وخصائصه التي تسمح له بالقرب من المثل الانساني الاعلى ومن وجوده عضوا صالحا في المجتمع الذي يعيش فيه ، ومن قدرته على حسن التثقيف لنفسه والاستخدام لمعرفته .
٢ ) ان الثقافة سطحية الاثر ، مثل ما يتحصل عليه منها مثل القنوة يرثها الغني ؛ لا تصير البليد ذكيا ولا سيئ الطبع لطيفا بينما التربية الحقيقية تحدث اثرا عميقا في المربى تعدل كيانه وتؤثر في افكاره وشعورك وطباعه كما تؤثر في تكوين جسمه الظاهر .
٣ - ان الثقافة حيادية ازاء الاخلاق فما يحرز عليه من المعارف قد يستخدم في الشر كما يستخدم في الخير وقد نكون اقوياء في ثقافتنا ولكننا نحتفظ بطباع سيئة
ونخضع لنوازعها الشريرة والتربية على العكس من ذلك تهيئ الى الخير فقط وتركز المثل الطيب وتساعد غرس العادات الصالحة التي تقرب اليه .
انني لم انس ان السؤال يتجه بالذات الى الفارق بين الثقافة والتعليم ولكنني احببت ان اصل الى ذلك بالتفرقة بين الثقافة والتربية لانه ما من ريب في ان التعليم اذا جرد من روح التربية كان عملا شكليا نتيجته نقل المعلومات من ذهن الى ذهن وانجاز مهمة اصطناعية لاشخاص محترفين يحشون الادمغة الفتية بكل ما يلذ ويطيب او العكس من مواد العلوم التي تقررها البرامج الدراسية لمختلف مراحل التعليم ؛ وفي ذلك الطامة الكبرى على الوظائف الحقيقية للتربية والتعليم والثقافة
وفي رأيى انه يمكن لنا ان نكشف عن فروق اخرى بين مفاهيم هذه الكلمات الثلاث وذلك اذا جردناها من التعميم ونظرنا اليها في نطاق محصور بحياة فرد واحد لنفعل ذلك بان نتحة الى دائرة من دوائر الحضارة الانسانية المتعاقبة ونراقب حياة واحدة من ملايين الحيوان المنتشرة فيها ولنفرض ان هذه الدائرة هي الحضارة العربية . وان تلك الحياة هي حياة عبد الرحمن بن خلدون . ولنمثل ذلك بالاشكال الآتية :
فتربية ابن خلدون وتعليمه وثقافته خطوط امتدت متوازية ، وهي في تضافرها على تكوين شخصيته كخيوط كهربائية تتعاكس الاشعاع ، ويضفي كل واحد منها على الاخر ما يزيد في اشراق هذه الشخصية وعظمتها ولكن هل يخلبنا هذا التعاكس الاشعاعي فيلتبس علينا امر هذه الخطوط ونبقى في حيرة من تمييزها ؟
انها جميعا خطوط مشرقة متوازية ولكن لتلتفت الى نقط البدء لهذه الخطوط والى حدود قوتها وفاعليتها ، قالتربية تبتدىء مع الحياة ولكن تنتهي فاعليتها حين تتكامل الشخصية ، وذلك يكتمل بحسب الافراد .
وابن خلدون تكاملت شخصيته - في رأيي - عندما أصبح رجلا ذا خصال ممتازة دعت السلطان المريني ان يضمه الى هيئة علمائه ، ويعينه امينا لسره سنة ٧٥٧ ه . ، في هذا الطور من حياة ابن خلدون يمكن ان نقرر انتهاء فاعلية التربية عنده . ونعبر بانتهاء الفاعلية لا بانتهاء التربية نفسها لاننا مع فلوبار Flaubert في قوله : " الحياة يجب ان تكون تربية لا تنقطع " . (١)
ويبتدئ التعليم من يوم استكمال الطفل لشروط العلم من نضج عضوي ، ونمو عقلي ، ووجود دافع وغرض ووضوح . وهذا ايضا يختلف باختلاف نمو الطفل وتأثره بالبيئة والوراثة والعادة.
والراجح ان ابن خلدون كان مبكرا الى التعليم ، فقد ربي في حجر والده ووالده " كان مقدما في صناعة العربية ، وله بصر بالشعر وفنونه ، يتحاكم اهل الادب اليه ويعرضون حوكهم عليه "
واما الثقافة فهي تبتدئ من يوم ان تبلغ وسائل التربية والتعليم درجة يتفتح فيها عقل المتعلم ويتجه شوقه الى المعرفة . ذات المعرفة ويتوضح العالم في رأيه بصور واشكال لها حظ من العمق والاتساع تبعثه على التطلع وترغبه في البحث والتفسير والتعليل .
ويستمر التعليم والثقافة الى آخر العمر كالحياة ولكن في الامكان ايضا ان نقرر لهما حدودا لقوة الفاعلية ، ما دمنا قد اخذناهما مصاحبين للتربية ، فتعليم ابن خلدون بلغ فاعليته عندما ملأ وطابه من المعرفة وصار هو بدوره قائما بالتعليم وثقافته وان بدأت متأخرة عن تربيته وتعليمه ، فقد اشتدت فاعليتها يوم ان
اعتزل الحياة السياسية بقلعة ابن سلامة بالجزائر وصار يعجب ليقظة الفكر فيه ، ووثبة العبقرية عند تأليفه لمقدمته الخالدة .
وبعد هذا كلية فلماذا لا نفرق بين هذه الكلمات الثلاث بطريقة أيسر مما سبق جميعا ؛ فنقول : التربية عمل المربي والتعليم عمل المعلم والثقافة هي الاثر الحاصل منهما وهو اثر له نتائجه في مصائر الفرد والجماعة وله خطره في رقعة المستوى الحضاري وهذا ما يذكرنا بفعل الفيلسوف الالماني " فيتة " اذ كان يطلق كلمة Culture على ما يشمل الحضارة كلها بما فيها من المناهج المختلفة لنمو المجتمعات عقليا واخلاقيا واجتماعيا وصناعيا .
٣ و ٤ ان السؤال عن مفهوم الثقافة العربية والشرقية يفرض علينا سلفا ان لنا تحديدا واضحا لكل من الشرق والغرب ؛ والواقع انه على كثرة ما كتب عن الشرق وعن الغرب ما نزال في لبس كبير في اطلاق هاتين الكلمتين فالبلاد الشرقية اليوم - كما هي بالامس - اقسام وقد نشأت في بعض تلك الاقسام حضارات تكيفت بمختلف العوامل الاقليمية والطبيعية وبمختلف الخصائص الروحية والعقلية والتاريخية والثقافة تخضع لكل ذلك وتكتسي منها ألوانها المعبرة وشواهدها الدالة وتنتشر منها روحها الموجهة ، فاذا ما حاولنا الاجابة عن مفهوم الثقافة الغربية هكذا بصفة اجمالية فاننا نجهد انفسنا وقد ، لا نبلغ ، الى تحديد مفهوم دقيق ومضبوط يصدق على ثقافة الغرب في مختلف اقطاره باروبا وامريكا وفي مختلف كتلة الشيوعية والرأسمالية وكذلك الامر عندما نحاول تعريف الثقافة الشرقية ، فهناك الهند وثقافتها التي تذكرنا ببوذا وغاندي وهناك الصين وثقافتها التي تذكرنا بكونفوشيوس وماوتسي كنغ وهناك الفرس وثقافتها التي تذكرنا بزرادشت والدكتور مصدق وهناك الشرق العربي وثقافته التي واكبت قوافل العروبة الى هذه الآونة التي نرى مختلف اوساطها تعنى بالتصميم الثقافي وتحاول ان تجد له اسسا مركزة وتقيم له الهياكل الشوامخ .
وإذن كيف يمكن ان نرضي " الفكر " بالاجابة عن هذين السؤالين ؟ انحاول ذلك بنوع من الجسارة ونقتفي اثر كثير من الكتاب في تعميماتهم التحكمية واحاديثهم العاطفية عن الشرق والغرب فنذكر مثلا : ان الثقافة الغربية هي التى
تمتاز بالروح العلمي وتسعى الى التجديد والابتكار والتحرر وان الثقافة الشرقية هي التي تنبني على الروح الديني وتحافظ على التقاليد ولا تريد ان تقبل من العلم إلا ما كان قيد تأكيد لمشرعات الاسلاف وحفظ لقيمهم المتوارثة او نذكر مثلا آخر فنقول : ان الثقافة الغربية هي تلك الثقافة التي اثرت فيها عقول اروبية نشيطة ونهضة صناعية قاهرة وفلسفات اجتماعية وسياسية غلابة . وان الثقافة الشرقية هي هذا التراث الضخم من المبادي الاخلاقية والفلسفات الروحية التي كثيرا ما تمزج بالخرافة والاوهام والفنون التقليدية التي تعبر عن الونى والخمول وتشهد بالتأخر والضعف .
أنا لا استطيع ان ادعي شيئا من هذا او شيئا يشبه هذا لاني ارى ان تعريف الأشياء وتمييز مفاهيمها لا بد ان يكون ببيان عناصرها الذاتية وخصائصها الملازمة وهذه ادوار التاريخ امامنا وهذه دوائر الحضارات مدروسة عندنا فاي شىء من هذه النعوت التي يعطونها للشرق ، هي قارة فيه لا تقترح واي شيء من هذه الخصائص التي يرونها في الغرب لا يمكن ان تنتقل الى الشرق ، ثم إن هذه اوساط الشرق اليوم واوساط الغرب هل يمكن ان نجد لها مميزات خاصة نثبتها الى كل من الطرفين بلا جدال ، هل يمكن الا نجد في الشرقيين اليوم من يولي ظهره الى كثير مما عرف به قومه في الحياة القديمة وهل يمكن الا نجد في الغربيين اليوم من يحاول جاهدا العودة الى احياء المثل القديمة واعادة بناء المجتمعات على التقاليد التى عرفت بها اسلاقهم ؟
يعسر جدا ان نجد حدودا فواصل بين ثقافة الشرق وثقافة الغرب ، نعم يعسر ذلك ولو ضيقنا في مفهوم الشرق فعنينا به الشرق الادنى او الشرق العربي على الخصوص وضيقنا في مفهوم الغرب فعنينا به ما اطلق عليه بعد الحرب العالمية الاخيرة اسم " العالم الحر " او الاقطار التي ترتبط بالبحر الابيض المتوسط على ضفته الشمالية .
وفي - رايي - انه كلما ازددنا تضييقا في مفهوم هاتين الكلمتين ازداد علينا امر التفرقة بين ثقاقتهما غموضا والتباسا فهناك جذور تاريخية ربطت بين العالمين وهناك تفاعل مستمر يصل بينهما وتبادل روحي وفكري ومادي جرى ويجري بينهما سواء مع اختيار او اضطرار وسواء مع رغبة في التقارب او رغبة في التباعد . واليوم
خاصة يتحد الشرق والغرب في كثير من المثل العليا والقيم فلو تركنا جانبا ما عرفت به عناصر الفساد الاستعماري في بعض امم الغرب لقلنا ان ثقاقتي الشرق والغرب تلتقيان على صعيد واحد بعد ان تدرج بينهما التعارف عبر القرون ، فالشرق قد تعرف الى الغرب قديما في انبل شعب تعتز به ثقافة الغرب الى اليوم : هو " يونان " في فلسفة وعلومه وفنونه والغرب قد تعرف الى الشرق في ازهى الحضارات التي انجبها تاريخه العظيم هي حضارة العرب في الاندلس تلك الحضارة التي امدت الغرب في مطلع نهضته باصل مكين من اصول الثقافة حتى اليوم : هي الروح العلمي والخروج من نطاق النظر المجرد الى مجارى الفكر المجرب .
٥ هذه اسئلة متقاربة يشرح بعضها بعضا وحينما نتابع اعتبار الثقاقة بمعناها الواسع فنعممه على كل ما للامة من تراث روحي وفكري وادي وفني لا يسعني الا ان اجيب بان الثقافة متى نعتت " بالعربية " كانت ولا شك هي العربية اللسان ، الاسلامية التاريخ وقد يجوز ان نقطع الجزء الاخير من هذا المفهوم ولكن عند ذلك يضيق مفهوم الثقافة العربية حتى لا يعود شاملا الا بعض مراحل العرب المغمورة في تاريخ العالم والا بعض المآثر الخفيفة في زنة الحضارة الانسانية تلك المراحل قد لا تمتد الى اكثر من قرن ونصف قبل الاسلام وتلك المآثر قد لا تتجاوز بعض خصال العرب ونتائجهم ومعارفهم الفطرية او بعض الاقباس المتضائلة التي كانت تتبعث من مدارس اليعاقبة والنساطرة على حدود الجزيرة العربية
٦ ما دمنا نعتبر ان الثقافة هي تراث عام للامة باجمعها ، فهي واحدة : ثقافة عربية فقط حين لا يكون الاسلام روحا دافعا للعرب ، وهي ثقافة عربية اسلامية معا حين يوجد الروح الاسلامي ، ويؤكد قيم العروبة ، ويدفع بكل من يضطرب في محيطها الى القيام بالدور الانساني الذي نعجز عنه عندما نتخلى عن العناصر الصحيحة من هذه الثقافة ، والعناصر الصحيحة لها هي العناصر الصحيحة للثقافات الصحيحة الاخرى سواء أكانت غربية ام شرقية هي العناصر التي تجعل من الثقافة اداة ، يحترم بها الانسان ويكرم بها بنو آدم وتزيل بينهم الفوارق العنصرية والطبقية ، وتدفعهم الى المستوى الحضاري ، حيث تتكافأ بينهم فرص العمل الصالح
ويتهيأ لجميعهم التساند والتعارف في ظل السلام والتقوى - يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى ، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم -
٧ لا يمكن الاجابة عن هذا السؤال بدقة لتوقفه على اطلاع واسع على اكبر عدد ممكن من مناهج الثقافة المنشرة في العالم ، وغاية ما يخيل الي ان الثقافة العربية الاسلامية هي الآن تجتاز مرحلة قد تكون مرت بها غيرها من الثقافات هي مرحلة الايمان بمبدإ التكتل على اسس قويمة يعاد فيها بناء الامة العربية من جديد ، وتحل بها جميع مشاكلها الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ، ولست احب ان اتخيل فروقا جوهرية بين ثقافتنا وغيرها من الثقافات المعاصرة التى آمنت - كما آمنا - بمبدأ الاخذ والعطاء وصارت تكون المنظمات وتعقد المؤتمرات للتبادل العلمي والثقافي ، نعم هناك فروق غير جوهرية تميز ثقافتنا العربية في هذه المرحلة التي تجتازها وهي هذه الوسائل الهزيلة التي تلقن بها ؟ فنحن اليوم وإن بدأنا نتخلص من سيطرة الاستعمار السياسية فما زالت سيطرته الاقتصادية نافذة المفعول ، ونتيجة لهذه السيطرة اشتد فقرنا وجهلنا وقلت امكانيات التجهيز الكامل لمؤسساتنا الثقافية والارتفاع بها الى المستوى اللائق الذي تكون عليه نظيراتها في الشعوب القوية المتحررة .
١ في الاجابة عن هذا السؤال نوع من الصعوبة لما يقتضي من تتبع الاتجاهات التي توجد بالثقافة العربية الآن ولما يستلزم من مراقبة دقيقة لسير هذه الاتجاهات وعمل تحليلي لكثير مما تنتجه الحركة الفكرية في جميع اوطان العروبة سواء ما انتجته قرائح العرب انفسهم او ما ترجمته اقلامهم الى لغة الضاد من ادب وعلم وفلسفة وفنون . وفي هذا العنت الكبير وفيه ما لا نسلم معه من نقد وجدال قالعرب اليوم على مفترق الطرق ، منهم من ينشد الحياة الغربية في احدث طراز لها : منهم من ينشد الديمقراطية كما تتمثلها شعوب العالم الحر ومنهم من ينشد الاشتراكية كما يقررها كارل ماركس ولينين وفي العرب اليوم من يدفع بهم الحنين الى عدالة الاسلام وديمقراطية الخلفاء الراشدين ومنهم من ينادي بتحويل الاتجاه من - واشنطون حيث تؤيد الصهيونية - الى باندونغ حيث عريمة الامم
الآسبوية والافريقية على تحطيم الاستعمار والتحرر من عبودية البيض .
فالثقافة العربية اليوم حمالة أوجه . وفيها كل هذه الاتجاهات وفيها غيرها ، فاين هي اتجاهاتها الكبرى وما هي القوى التى نتجت عنها ... ؟
هناك ثلاثة اتجاهات لا يمكن اخفاؤها ولا التقليل من خطر القوى المنبعثة منها : ١ ) الاتجاه القومي . هذا الاتجاه الذي زادته نكبة فلسطين حدة وعنفا والذي نرى من آثاره ما يسجل الآن من خطوات مظفرة لكفاح العرب في اقطار افريقيا وايجاد الميثاق العسكري بين مصر وسوريا والمملكة العربية السعودية واعلان الزعيم الحبيب بورقيبة ان تونس لا يمكن ان تهنأ بالاستقلال ما دامت المعركة دائرة بين الاخت الشقيقة والدولة الصديقة !
٢ ) الاتجاه الاسلامي : لقد قوى هذا الاتجاه ظهور دولتين اسلاميتين هما الباكستان واندونيسيا وقد كان هذا الاتجاه اسبق من الاتجاه الاول لانه مصاحب للعقيدة الغالبة في الشعوب الناطقة بالضاد ولان الرواد الاولين لهذه النهضة كانوا من الداعين اليه ، فقد كان منهم محمد عبد الوهاب واحمد خان وجمال الدين الافغاني وخير الدين باشا وكل هؤلاء كانوا يبشرون بان الاتجاه الصحيح الذي ينبغى ان تسير عليه الشعوب العربية الاسلامية - هو اتجاه السنة الصحيحة والاخذ بالتطورات الصحة التي تزبل ضعف المسلمين وتعيد لهم عزتهم الغابرة وتكسيهم مجدا طريفا
٣ ) الاتجاه العلمي ، يبدو هذا الاتجاه في الرغبة الملحة في اللحاق بالغرب وبلوغ مستواه العلمي وتصميم شؤون العرب في مختلف الميادين على ما تقتضيه مناهج العلوم الحديثة لا في اصولها ومبادئها لانها بهذا الاعتبار من بضاعة العرب التي انتقلت منهم وانما في نمائها وتطورها وتطبيقها واصحاب هذا الاتجاه يرغبون ان ترد الى العرب بضاعتهم العلمية لا في حذر واتهام كما كان يتهم بها " الفارو " اخوانه المسيحيين بالاندلس ولا كما كان يتهم به الفيلسوف روجي بيكون Roger Baeon في آرائه التجديدية الجريئة وانما ترد اليهم لانها معارف انسانية شاركوا في انشائها ، لا ينبغي ان يختص بها قوم دون آخرين ، ولانها ليس فيها ما يتنافى والمثل العربية الاسلامية بل ان هذه المثل سوف تبقى مرجوحة في ميزان القيم ما بدت الشعوب المتمسكة بها متأخرة في مضمار العلم والتفكير .
٩ إذا كانت الثقافة تتأثر بالعادات والتقاليد وتعبر عن الاخلاق والاذواق وتصدر ما في اصلها من خصائص البيئة والتربية وما لهم من مآثر التاريخ والحضارة وتطورات الاجيال ؛ اذا كان من مفهوم الثقاقة كل هذا فاننا نستطيع ان تقرر ان لتونس ثقافة قومية خاصة يمكن ان نعرفها بما امتاز به التونسيون من حيوية
دفاقة ومرونة وذكاء وغيرها من الخصائص التي امكنهم منها وجودهم في هذا النتوء المرتفع الذي يكاد يقسم البحر الابيض المتوسط الى شطرين ، هذا النتوء الذي هو معبر الاتصال بين الشرق والغرب وملتقى الحضارات قديمها وحديثها لا بد ان يكون في ثقافته بعض العروق المنشعبة من كل الحضارات التي مرت به ، والملامح المرتسمة من مختلف الشعوب الناشئة فيه او العابرة به
وعندما تقرر ان في تونس ثقافة قومية تمتاز بما اكتسبته من موقعها الجغرافي وما حفظته من تاريخها الحافل ، لا نغفل عن الشرايين الكبرى التي تمد هذه الثقافة وتغذوها بعناصر الحياة والنماء وهي عناصر العروبة والاسلام وعناصر اليقظة الواعية التي بدأت تسعى لالحاق تونس بركب الحضارة الانسانية السائر .
١٠ أتصور مستقبل الثقافة في تونس ذلك المستقبل الذي سيعمم فيه التعليم وتوحد اسسه وتحرر مناهجه وتعرب ، ذلك المستقبل الذي نرى فيه مؤسساتنا للتربية والعلم والثقافة محققة لاهدافنا القومية في مختلف المجالات : في مجال البناء الروحي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والدفاعي .
لقد قال مرة الكاتب البرتغالي جيلي دانتاس Julis Dantas وهو يتحدث عن مستقبل الفكر الاروبي ما يلي : إن اروبا تبدو لنا وكانها اروقة من مرايا تتعاكس بها الامم عن بعضها بتطوراتها السياسية واضطراباتها الاجتماعية وتيار تحديدها للذوبان الجمالي وحركتها الفكرية المعاصرة ، ان التعاون بين الاروبيين وخاصة في نطاق البحوث العلمية يكتسي اليوم نمطا موحدا ناجعا في ميدان الفكر والتوجيه وطرق التطبيق الفني وان سرعة المواصلات بين الشعوب تجعل اروبا يوما فيوما اشد صغرا مما هى عليه .
لقد خطرت لي هذه الكلمة وانا افكر في مستقبل الثقافة لاني ارى العالم اليوم - لا اروبا فقط كما يراها جيلي - كله في اروقة من زجاج وفي امكاننا ان نتعاضد معه ونقتبس منه ونقيسه ما يصح ان تشاد به ثقافة قومية واسعة العمق عملية المنزع ايجابية النتائج تستطيع ان تبرئنا من هذه العلل التي اورثنا إياها الاستعمار وان تعيد ايقاد المشاعل التي بدأ في ايقادها خير الدين التونسي ولكن اطفأتها جيوش الجنرال فرجمول الفرنسي Le General Forgemol
واخيرا فاني اتصور مستقبل الثقافة مرتهنا بالرجال المشرفين والعاملين بالمؤسسات الثقافية ومقدار رهافة احساسهم واستجابة شعورهم بالحاجات الحقيقية لابناء هذا الشعب الذي اتقدت جوانحه حنقا على العهد البائد وامتلات قلوبه املا فى هذا العهد الجديد ، عهد البناء والتشييد .

