١ انه لعسير جدا ان نأتي في بضعة اسطر بحد للثقافة على وجه العموم كما انه يستحيل ان نفي فى حمل قلائل بمفهوم الادب او الحضارة او ما شاكلهما ، وانما كل ما نستطيع ان نرمي اليه امام سؤال كهذا السؤال هو ان نحاول - في نظرة خاطفة عاجلة - تسجيل ما تحدثه في انفسنا على البديهة كلمة " ثقافة " وان نأتي بفكرتنا الشخصية في الموضوع .
عندما يشعر الانسان بوجوده وبما يميزه عن سائر المخلوقات يعمد الى يده فيستخدمها والى فكره فيبلوه قاصدا بذلك شخصه او كل ما يخرج عن شخصه ، فترمي يده الى الخارج وتسخر ما استطاعت ان تسخر وتتفنن ويرمي فكره الى الداخل فيكون كما يقول ابن خلدون " راغبا في تحصيل ما ليس عنده من الادراكات " وتنشأ هكذا الحضارة وتنشأ الثقافة ثم يتداخل حسب البلدان والعصور والأشخاص مفهومهما ويتمائل .
الانسان يسبق الى الخارج فيعالجه ويستخدمه ويكون حضارة اولى فيها الفنون الجبلية وفيها الالآت والعمران - وفي الوقت نفسه يعتمد حضارته وعقله للاهتمام بنفسه ويكون ثقافة فيها اللغة والدين والادب والعلم والفنون المستظرفة ، ثم إن ما وصل اليه بفضل ثقافته من علم وفن يؤثر في حضارته فتكون حضارته عنوانا على ثقافته وتعبرا عنها . فالحضارة هي للثقافة اساس واجب يهيؤها وانعكاس ممكن يعبر عنها .
كانت الحضارة اليونانية مثلا قبل ان يفهم الانسان اسرار الكون وقبل ان يسخر قسما كبيرا من الطبيعة حضارة فيها المثل الوهمي وفيها الآلهة المزعومة فأحدثت ثقافتهم كتابا كتاب الالياذة وهو كتاب لا يمكن ان يكتب في القرن العشرين مثلا وقد تقدمت الحضارة كما تقدمت ثم إن حضارة القرن العشرين من جهة اخرى ما كانت لتكون على ما هي عليه من رقي مادي لو لم تتقدم مكونات الثقافة باجمعها من علوم وادب واخلاق وفنون .
فالحضارة شرط اساسي لثقافة المرء دون ان تكون شرطا كافيا فكل متثقف متحضر وليس كل متحضر متثقفا .
والثقافة وعي للحالة البشرية بتناقضها في ذاتها وتناقضها مع الخارج ثم نروع الى اجتياز تلك الحالة بالامل والتحرر وطلب الاحسن . وكل ذلك لا يكون الا بعمل الانسان وابتكاره فكل ما يستنبطه الانسان ويصطنعه جريا وراء الحقيقة ( جمال او سعادة او حرية ) واتجاها نحو رقي فكره وازدهار شخصيته وتدعيم كرامته كل ذلك ثقافة .
فبينما تكون الحضارة مشتركة في امة كاملة او مجتمع متسع تظهر لنا الثقافة شخصية فردية وإنسانية جماعية . وبينما تكون الحضارة متداولة متوارثة او زائلة بائدة تظهر لنا الثقافة لا تورث ولا تبيد يكتسبها كل شخص اجتهاد منه ويتقدم بها بخباله وعبقريته .
ثم ان نسبة الثقافة للحضارة كنسبة العقل للذكاء . فكما ان العقل رزق شائع به يكتسب الخير وبه يجتنب البشر بخلاف الذكاء الذي قد يعمل لهلاك نفسه وهلاك المجتمع فكذلك الثقافة هي ابدا تقدم نحو صالح الانسانية بخلاف الحضارة التي قد تبيد نفسها بنفسها ( لقد انقرضت حضارات عديدة عن غير ما سبب ظاهر ) والتي قد تكون مؤذية لقسم من البشر ( تأمل عاقبه التفنن والتمدن في المانيا النازية اذ استعمل القوم كل ما أوتوا من ذكاء ومعرفة لابادة قسم عظيم من البشر ابادة منظمة " متحضرة " ( والتي قد تكون نتيجتها تسوية الناس في مستوى متوسط تمسخ عنده الشخصية ويعدم الابتكار ، الابتكار الفردي ، ويصبح الانسان معه عبدا لحضارته ( انظر استعباد السنما والتليفريون والاعلانات التجارية للعائلات والجماهير بامريكا ) .
فالثقافة عندي نزوع دائم - باستعمال كل ما وصل اليه الفكر البشري ( ارادة المعرفة - الاهتمام بالواقع المحيط ) - الى تحسين الانسان بالاضافة الى الحقيقة ( سواء أكانت جمالا ام سعادة ام حبا ) - فالثقافة خيال وعمل وهي حنين الى الاحسن وجري وراءه ... وان الاميريكي " المتمدن " الذي يأبى مؤاكلة صاحبه الاسود ليس متثقفا في نظري وان " النازي المتمدن " الذي لا يحترم شخص اخيه مناف للثقافة ايضا .
انما الثقافة استقامة على طريق الحياة والمتثقف هو الذي لا ينحني عند الحاجة ولا يقوس ظهره للباطل ابدا .
٢ الثقافة مرتبطة بالحضارة ومرتبطة بالتعليم واني ارى هذه المعاني الثلاثة في قالب مثلث زاويته العليا الثقافة وقاعدته الحضارة والتعليم وبين اضلاعه ارتباط متين . فهنالك فارق اول بين الثقافة والتعليم وهو فارق في الدرجة اذ ان التعليم تمهيد وتهيئة فدرجته دون درجة الثقافة وهو آلة لها ومفتاحها .
وهنالك فارق ثان وهو اختلاف في الموضوع : لقد يستطيع الانسان ان تتعلم شيئا واحدا ومادة واحدة وقد يحسن اختيار علمه وقد يسيء ولقد يستطيع ان يدرب نفسه على شيء دون شيء وان يدرب قسما من شخصه دون القسم الآخر كأن يدرب بدنه دون فكره او أذنه دون سائر حواسه ولقد تستطيع امة او حكومة او طبقة ما ان تختار تعليمها وحتى ان تدلسه وتبدله تبديلا وذلك بوازع عنصري او ديني او طبقي ولقد يفر قوم في تعليمهم من حاضرهم او من تاريخهم وقد يعتمدون مجتمعهم وواقعهم وقد لا يعتمدون وقد يهتمون ببعض المشاكل دون الاخرى الى غير ذلك فالمتعلم يكتسب قسطا معينا من المعارف ويدرب قسما معينا من حواسه ومواهبه . اما الثقافة كما رأيناه فموضوعها اوسع واوفر وتاتي بعد ذلك كله .
ثم ان هنالك فارقا ثالثا هو اختلاف في الغاية والمرمى : بينما التعليم لا يرمي الا الى الاكتساب والحفظ والتحصيل لتكوين طبقة معينة او مواطنين معينين ترمي الثقافة الى الانتباه الى الواقع الانساني والى تسوية المتناقض فيه بتخيل الممكن وابتكار الجميل والحنين الى الاحسن .
التعليم حينئذ هو تلقين المعارف الاساسية اللازمة والثقافة هضم تلك المعارف وتقدم بها نحو تحسين الحالة البشرية .
٣ اني أشعر ان الثقافة واحدة جماعية لان الانسان واحد متشابه غير أنا اعتدنا ان تقسم الثقافات فنجعل ثقافة عربية وثقافة فرنسية الى غير ذلك والاحسن اذا أردنا التفصيل ان تستعمل في هذا الصدد عبارة " الثقافة الصغرى " او " التراث الثقافي " وان نترك كلمة الثقافة ( الكبرى ) للدلالة على الثقافة الانسانية العامة .
وهكذا نستطيع ان نجد لكل لغة بل لكل امة تراثا ثقافيا وان نجد في كل لغة لترجمة لفظ " ثقافة " كلمة خاصة يختلف مفهومها حسب البلدان والعصور . فالثقافة عند الرجل المتوسط في الولايات المتحدة السيرة في الحياة وحسن التربية وهي عند الروسي قائمة بين الادب والحياء ، فيها المعرفة وفيها الوقار والاتزان ويرى الالماني مثقفا كل من هضم ما لقنه في تعليمه فأنار به فكره وابرزه في حركاته وهندامه فى حديثه ومشيته .
فلكل طبقة متوسطة من كل امة " غربية " مفهوم خاص لكلمة ثقافة اما اذا اردنا ان نحدد على العموم مفهوم " الثقافة الغربية " وجب علينا قبل كل شئ تحديد ما نعنيه بالغرب . لقد عد الناس - ومازالوا يعدون - الغرب مجسما في اوروبا وفي انعكاس ظلها من وراء المحيط الاطلسي . فلقد سيرت اوروبا بثقافتها وفنونها العالم أجمع منذ عصور طويلة غير انها بدأت تشعر هي نفسها منذ الحرب العالمية الثانية باختلاف مفهومها للثقافة عن مفهوم جانبيها العظيمين التابعين لها ( " الاسلوب " الاميريكى و " الامل " الروسي ) .
فلئن اردنا - ولا يكون ذلك الا بشيء من الاصطناع والتقريب - محاولة إبراز العناصر العامة لهذه " الثقافة الغربية " والمظاهر المشتركة بين جميع انواعها وجدنا ان ما يزدهر في اقصى روسيا الآسيوية او ما يسطع في اقصى غربي الولايات المتحدة يرجع في المكان الى اقليم واحد وفي الزمان الى عناصر ثلاثة .
ان المنبع الذي انفجرت منه " الثقافة الغربية " هو البحر الابيض المتوسط مركز كل حضارة وبداية كل ثقافة .
والمؤثرات الثلاثة التي جعلت العقلية الغربية على ما هي عليه الآن والتي احدثت الفكر الغربى بترائه الثقافي هي اليونان وروما والمسيحية .
لقد ابدع اليونانيون في الفن المعماري حتى ادخلوا هندسة الهياكل على " هندسة الفكر " ان صح هذا التعبير فانشأوا المعابد الواضحة في خطوطها المتزنة في شكلها واحدثوا فكرا معتدلا في إدراكه معتدلا في ابتكاره وامتد هذا التوازن إلى غالب الامم الغربية فحاولت ايجاد ثقافة منسجمة مترنة رائدها العقل ورائد العقل فيها النظام والوضوح .
ولئن نظم اليونانيون الفكر الغربي وادبوه فلقد ادخلت روما من بعد النظام الدولي والنظام الاداري فجاء بعد الوضوح والاتزان القياس والتنظيم . يظهر ذلك في قانون روما ومؤسساها الدولية وفي قضاء روما وإداراتها .
ثم جاءت المسيحية فاهتمت بالروح ونظمتها وكيفتها واثرت المسيحية في الضمير الغربي بإيجاد اسرار غامضة اهمها الثالوث وتجسيم الاله وتضحيته في سبيل مخلوقاته .
هذه هي المؤثرات الثلاثة التي كيفت العقلية الغربية وانشأت الفكر الغربي وهذه هي المؤثرات الثلاثة التي جعلت التراث الثقافي في الغرب يختلف بعض الاختلاف عن التراث الثقافى في الشرق .
ومظاهر الاختلاف ليست في الغاية التي ترمي اليها الثقافة - اذ الغاية كما لاحظناه انسانية عامة - بل هي في تنوع المواضيع التي اهتمت بها العقلية الغربية وفي تنوع الفروع التي تفرع اليها التراث الثقافي الغربي .
يظهر لي ان خاصية الغرب هو هذا التوازن الكامل بين مصادر المعرفة الثلاثة بين الحدس والوجدان وبين التجربة والتطبيق وبين العقل والمنطق فأتى تراثهم الثقافي متنوعا بعيد التنوع آخذا من كل فن بطرف مساهما في كل شعبة من شعب الفكر البشري فلقد ذهبوا بادبهم وبموسيقاهم وبرسمهم وبعلومهم وباخلاقهم الى اقصى حد في التنوع والتفنن . ثم هم اهتموا بالروح واهتموا ايضا بالمادة اهتماما كبيرا حتى انهم اتجهوا منذ قرنين او ثلاثة واضح الاتجاه نحو التدبير والادارة نحو الاستغلال والاستخدام نحو الممارسة والتطبيق نحو المعالجة لكل شئ وللعلوم الرياضية خاصة .
٤ لئن وجدنا بصعوبة وعلى سبيل التقريب وحدة بين الأمم الغربية فوجود وحدة في الشرق لاصعب واقرب الى الغلط . . إن بين اليابان والصين والهند وما
جاورها من العالم الاسلامي المتسع فروقا عظيمة في العقلية وفي الانتاج الثقافي يصعب معها الجزم بخاصيات محددة معينة وعلى كل فانه يظهر ان العقلية الشرقية عامة ميالة الى الحدس والوجدان اكثر منها الى التطبيق والمنطق وان معالجتها للواقع تكون على سبيل المباشرة والبديهة فيحدث ذلك اتصالا بالحقيقة مباشرا عاما في غير عظيم حاجة الى التفسير ولا الى التحليل . ويظهر ان التوازن الكائن في الغرب بين الحدس والمنطق والتطبيق ، بين الوجدان والعقل والعمل محل في الشرق بعض الخلل . فلقد يغلب الحدس والوجدان احيانا وتطغى الروح ، حتى انا نستطيع ان نجزم ان الديانات السماوية كلها كان منشؤها البلاد التي نسميها شرقا ، ثم ان الميل الى الاستكانة والتأمل وحب التصوف وطلب الحكمة من خاصيات الشرق ايضا فكأن التراث الثقافي الشرقي قد امتاز بالدين التوحيدي والاكتشاف الحدسي للواقع وبالمعرفة الصوفية والحكمة وبتفضيل المباشر على المحلل المفسر ثم بميل ظاهر الى اللغة والادب والفلسفة والخطابة والشعر . ويظهر ايضا ان اللغات الشرقيه - والسامية خاصة - قد اختارها الله لمخاطبة مخلوقاته فانزل كتبه بلسان شرقي سامي وارسل به انبياءه ورسله .
كل هذا بالطبيعة على سبيل التقريب إذ أنك لتجد من بين شعراء الغرب وفلاسفتهم من يبدع في التصوف وامور الروح وانك لتجد من بين علماء الشرق من خطا خطوات ثابتة في العلوم التطبيقية وفي الرياضيات . والتراث الاسلامي في القرون الوسطى قد ساير في جملته مظاهر الثقافة الغربية وماثلها . وانه يعسر عليك احيانا ان تحشر - حسب هذا التقسيم - رجلا معينا في زمرة الشرقيين او في زمرة الغربيين ، فهل نستطيع مثلا ان نعد في تونس رجلا كالقديس اوغستان من الغرب لانه مسيحي حاول الموافقة بين الايمان والعقل ، ورجلا كابن خلدون شرقيا وقد اكتشف العلوم الاجتماعية ونظم العلوم التاريخية ؛ وتونس نفسها هل نعدها من الغرب فيما قبل الاسلام ثم من الشرق فيما بعد الفتح ؟
كل هذا جعل تقسيم الثقافة الى شرقية والى غربية تقسيما تقريبا اذ الثقافة موحدة لان الواقع الانساني واحد والفكر البشري واحد والمرمى واحد وانما تساهم كل لغة وكل امة في الثقافة الانسانية التي تبرز كشجرة مباركة بحذوعها واغصانها واوراقها وازهارها فلا هى غربية و لا هي شرقية . وكل لغة وكل امة تساهم حسب واقعها وذوقها واستعدادها وحسب البنية الاساسية الخاصة بها .
٥ التراث الثقافى العربي هو كل ما انتسب الى اللغة العربية سواء أكان اسلاميا محضا ام وثنيا ام مسيحيا . واما في الحقيقة فكل ما ألف بعد ظهور الاسلام متأثر للاسلام تمام التاثر متأثر لتاريخه ولغته واسلوبه وعقليته . واذا اعتمدنا اللغة كقاعدة لتحديد مفهوم الثقافة العربية لا نستطيع ان نطبق مفهوم الثقافة العربية على مفهوم الثقافة الاسلامية اذ في الاسلام لغات عديدة لا تشبه اللغة العربية ولا تتصل بها . غير انه يحسن بنا ان لا تنسى ان اساس العربية واساس الاسلام في آن واحد هو القرن وإذ كان ذلك كذلك وجب ان نعد كل مسلم - وان لم يكن عربي الاصل ولا عربى اللغة - متأثرا للقرآن متبعا له في أدبه وسيرته وتفكيره ومرماه وفى جميع ما يجعل المرء مثقفا . فيتضح إذن ان كل مسلم متأثر للعربية وللثقافة العربية كما ان كل عربي متأثر للاسلام وللثقافة الاسلامية . ولعلنا نقترب من الحقيقة إدا تحدثنا عن تراث ثقاقي " عربي اسلامي " يشارك فيه من تكلم العربية ومن رضي الاسلام دينا .
٦ إذ كانت هذه الثقافة " العربية الاسلامية " متأثرة لعامل واحد هو القرآن في لغته ومعانيه وجب ان تكون واحدة في مظاهرها واحدة في مرماها واحدة في تراثها رغم اختلاف اللغات . إن رجلا كابن سينا يعتبر شخصية هامة في التراث الثقافى " العربي الاسلامي " وإن ألف باللغة العربية من جهة وباللغة الايرانية من جهة اخرى وكذلك محمد بن تومرت مؤسس الدولة الموحدية وقد كتب وعلم بالعربية كما كتب وعلم بالبربرية - فعصور الازدهار كلها - على تخالف اللغات والامم الداخلة في الاسلام اصطبغت بالصبغة العربية الاسلامية الموحدة . ثم ان اللغات الاسلامية اظهرت تأثرها للعربية في حياتها وتطورها فنقلت عنها حروفها وكتبت بها ونقلت عنها الفاظها وكثيرا من المصطلحات . ولقد رأينا في القديم ونرى في الوقت الحاضر ايضا ان المسلم لا يعد نفسه مثقفا بأتم معنى الكلمة إن لم يحفظ نصيبا من القرآن ولم يحسن شيئا من العربية .
٧ التراث الثقافي " العربي الاسلامي " هو مساهمة الامم " العربية الاسلامية " بنصيبها الشخصي في الثقافة الكبرى ونحن نعلم ان الانتاج الثقافي لا يتبع العقلية
والبيئة فحسب ولا يتبع الاستعداد الفكري الروحي فقط بل هو مرتبط ايضا ارتباطا متينا بالانتاج المادي والبنية الاساسية عامة .
فكما ان ظاهرة تاريخ " الامم العربية الاسلامية " منذ قرنين او ثلاثة هي الوقوع تحت سيطرة الاجانب او مراقبتهم وكما ان انتاجهم المادي ضعف حتى كاد يبيد فكذلك انتاجهم الثقافي قد اصطبغ بالصبغة الاجنبية وضعف حتى كاد يبيد . وهذا التراث لم يكد يخرج الآن من سباته وضعفه ولم يكد يقتحم مرحلة الدفاع عن كيانه ووجوده . واذ حقق اليوم وجوده في حل الشعوب الاسلامية ، وضمن لنفسه البقاء فهو يستطيع استئناف ابداعه وتقدمه .
وعلى كل فيظهر لي انه يعبر اليوم هذه المرحلة الانتقالية التي تفرض النفس وتحاول الابداع ، يعبر هذه المرحلة في ذكرى غامضة لغلبة الغالب وكلنا يعلم ان المغلوب مولع أبدا - كما لاحظه ابن خلدون وغيره - بالاقتداء بالغالب في ثقافته وحضارته وهذا هو الخطر . عند ما نرى الانتاج الثقافي ( في ميدان السينما او الموسيقى او الروايات ) نجد جانبا عظيما يحاكي اسوأ ما اتانا من الغرب . فالميزة الاولى هي حالة الانتقال هذه بقسمها الايجابي ( الدفاع عن الكيان ) ويقسمها السلبي ( المحاكاة والتقليد ) وانا نستطيع ان نصفها بحالة تمخض وتربص .
ثم ان هنالك ميزة عامة تظهر من وراء العمل الكثير والامل البعيد ، من وراء النشاط والثقة في الانسان . ذلك ان القيم الاخلاقية ما زالت عندنا مرتبطة ارتباطا متينا بالدين الاسلامي سائدة ما ساد الدين الاسلامي - فكانت مظاهر هذه الثقافة لارتباطها بالدين والتاريخ مظاهر الامل والثقة ، مظاهر الادب والحياة والاخلاق .
والى هذا وذاك ميزة ثالثة استطيع ان أرى من ورائها الغاية الحقيقية لكل ثقافة انسانية على الاطلاق وهي الحنين الى عالم احسن تكون فيه الحياة ممكنة سعيدة
وعن هذه الميزة بالخصوص نشأ التنازع في الثقافة العربية الاسلامية المعاصرة كما سنحدده في المسألة الآتية .
١ ذلك ان الحنين الى عالم احسن يجعل " العربي المسلم " يحن في آن واحد الى ماضيه والى مستقبله . فيكون اتجاه نحو الماضي في محافظة وتعصب ، ويكون اتجاها نحو المستقبل في نسيان وانقطاع . يحن المسلم مثلا الى عهد كعهد الخلفاء الراشدين فيود ايجاده هو بعينه او يرمي مثلا الى زمن يعاوضه ويشابهة تكون
السيرة فيه سيرة الخلفاء الراشدين بلا نقص ولا زيادة فيكون هذا المسلم من انصار القديم ومن محبذي المحتفظين ... وقد يحن الى نفس ذلك العهد في معناه العام ومبادئه العامة ويحاول تعصير كل ما سبق وقدم فيكون هذا المسلم من انصار الجديد ومن محبذي المحدثين فهنالك حينئذ اتجاهان عظيمان يتنازعان الثقافة " العربية الاسلامية " : اتباع العادة والقديم امر التحرر من العادة واحداث الجديد ؟ او بعبارة اخرى غلق الاجتهاد والابداع ووقوف عند الماضي البعيد ام فتح الآفاق وتحرير الاخلاق ؟
وهذان الاتجاهان ناتجان كما قلناه عن الدين والتاريخ من جهة وعن الحضارة الغريبة وجاذبتها من جهة اخرى .
٩ ثقافتنا القومية هي التراث الثقافي الذي ساهمت به بلادنا في تشييد الثقافة الكبرى من ارض قرطاج الى نواحي القيروان الى ساحل المهدية الى عاصمة تونس ، قد شارك فيها امثال تيرانس والقديس اوغستان وابن الجزار والمعز لدين الله الفاطمي وابن رشيق وابن خلدون وابو القاسم الشابي . وان اهم ميزاتها هي الايمان بقيمة الانسان واحترام كرامته والامل في تحسين حالة .
فلقد قال الشاعر القرطاجني تيرانس ( وقد عاش في القرن الثاني قبل المسيح وكان عبدا لبعض الرومان ) : " اني انسان وكل ما يمس الانسان يهمنى ! " ولقد ظهر الادب الاسلامي كله مثل هذا الانتباه الى كرامة الانسان وقيمته ولقد تألم شاعرنا القومي الشابي لآلام البشرية واتعابها .
١٠ مستقبل الثقافة في تونس يرتبط بامرين اثنين : اولا بالبنية الاساسية ( من وعي لصلتنا بالاسلام والامم الاسلامية ووعي لصلتنا بنظام اقتصادي اجنبي قد يقدم علينا بمادته وماله وبتراثه الثقافي في آن واحد ) . ثانيا بالمجتمع التونسي المستقبل اذ الثقافة في رايي لا تكون الا عامة تشارك فيها الامة كاملة والانسانية جمعاء ، فيجب علينا ان ننشر التعليم في المجتمع التونسي عامة حتى لا يبقى هذا المجتمع مقسما الى " عامة " و خاصة " وحتى لا تبقى الثقافة محصورة في هذه " الخاصة " دون غيرها فمستقبل الثقافة في تونس مرتبط بالشعب والجمهور مرتبط بالطبقة الكادحة والعاملين اذ المواهب كامنة في الشعب كمون النار في الحجر ولن تظهر ولن تضيء حتى
يقدحها قادح ما ولعل هذا القادح هو الرابط الاول لهذه البنية الاساسية من حيث هي اجتماع واقتصاد وتعليم وطباعة ونشر وإذاعة وجعل من عاصمة تونس مركزا علميا باتم معنى الكلمة .. فادا توفرت هذه الامور توفرت شروط الابداع والابتكار .
سوف يخرج من بين طيات هذا الشعب رجال يستمعون الى ما حولهم وينظرون ، رجال ينقلون ويصورون الواقع ويعيشون فيه لا يحلقون في الفضاء ولا يقوسون ظهورهم ذلا وخزيا .
فالثقافة هي امر الامة جمعاء لانها تأتي بسلم قيم معين ولا ينبغي ان يخدم هذا السلم طبقة دون طبقة او رهطا دون رهط بل ينبغي له ان يحاكي الواقع ويخبر عنه .
واذا ما توفرت البنية الاساسية من جهة وتمت المشاركة العامة من جهة اخرى وجب ان ترمي تونس بثقافتها الى نفس المرمى الذي شرمي اليه كل ثقافة كأن تمجد العام الشامل وان تنبذ المفرق المشتت ، ان تحسن الفضيلة وان تشوه الرذيلة ، ان تأمر بالمعروف وان تنهى عن المنكر جارية من خلال ذلك كله وراء الحقيقة في جمالها وحبها في سعادتها وحريتها .
انما الثقافة سلاح تحرير يعين التاريخ في عتقه للانسائية من عبوديتها الغابرة واعوان الثقافة واعوان التاريخ انما هي القوى الكامنة في الشعب المهيئة للاحداث .

