١
من الصعب جدا تحديد معنى الثقافة ، نظرا لاشتمال هذا المفرد او ما يرادفة ، فى اللغات المختلفة ، على معاني متعددة ، واستعماله في اغراض متنوعة
ويعرف لسان العرب " الثقافة " بقوله ثقف الشيء ثقفا حذقه ، ورجل ثقف وثقف ، حاذق ، فهم ، واتبعوه فقالوا ثقف لقف ، اذا كان ضابطا لما يحويه ، قائما به . ويقال ثقف الشئ وهو سرعة التعلم . . .
ففي حديث الهجرة : " .. وهو غلام لفن ثقف اي ذو فطنة وذكاء والمراد انه ثابت المعرفة بما يحتاج اليه ".
وفي حديث ام حكيم بنت عبد المطلب : " اني حصان فما اكلم وثقاف فما أعلم " . والثقاف حديدة تكون مع القواس والرماح يقوم بها الشيء المعوج ، وهو ما تسوى به الرماح " . أ ه .
من هذا يتبين لنا ان الثقافة هي الحذق ، والفهم والقيام بالمعلومات ، وسرعة التعلم ، والفطنة والذكاء ونهاية المعرفة ، وتقويم اعوجاج النفوس وتسويتها
وبعض الادباء يستعيضون عنها بالفاظ ، منها الادب ، والعلم ( عند ابن خلدون مثلا ) والفقه ( فى اوسع معانيه ) وغيرها .
٢
سبق لابن خلدون ان تعرض للاجابة عن هذا السؤال بما ارتضيه عندما قال : " العلم ( = كالثقافة ) حصول ملكة في الاحاطة بمبادي العلم ، وقواعده ، والوقوف على مسائله ، واستنباط فروعه من اصوله و " هي " واحدة . بينما التعليم صناعة اختلفت فيها الاصطلاحات : فلكل امام
من الائمة المشاهير اصلاح في التعليم يخص به ، شأن الصنائع كلها ، فدل ذلك على ان الاصطلاح ليس من " الثقافة " والا لكان واحدا عند جميعهم . ( المقدمة ص ٢-٣ ) " .
والثقافة عمل اختياري فيها شئ كثير من الهواية والمتعة النفسية بينما يبدو لي التعلم كانه فرض وواجب ، قد يكون مقدسا ، ولكنه مع هذا فرض ثقبل . وارى انني كلما اقبلت على شيء فيه تثقيف لي او لغيري الا واحسست بنشوة واهتزاز بينما اجد في التعلم او التعليم عملا مضنيا . ولعل هذا هو السب في اختلاف طرق التعليم ، اذ كل واحدة منها " حيلة " لمعالجة صعوبة هذا الفن .
فالثقافة تشبع حاجة نفسية ذاتية بينما يؤدى التعليم مهمة اجتماعية . والثقافة ذوق ، والتعليم مهنة تحتاج الى تحارب ، وحل مشاكل ، واتباع اسلوب . والثقافة فاعلية ، والتعليم انفعال وتأثر .
هذه اهم الخصائص التي تميز التعليم عن الثقافة .
٣ احتفظت الثقافة في الغرب بمعناها الاشتقاقي culture = زراعة الارض تكييفها جعلها صالحة للاغراض الانسانية .
فالزراعة والثقافة مجهود انساني للسيطرة على الطبيعة والتحكم فيها ؛ فهي نضال ضد الاهواء ، والنزوات ، والميول وتوجيهها نحو اهداف سامية ، وهي تكييف للذات وللمحيط .
والثقافة بوصفها تكييف للذات هي عمل باطني فيه اقدام ، وتقرير ، وتطلع ، واطاعة ، وتنظيم ، ومثابرة ، وتربية اي شعور بالذات في مختلف اوجه نشاطها فالنظريات الدينية ، والعلمية ، والفنية ثقافة .
وبوصفها تكييف للمحيط تظهر الثقافة عند ما يتجه الفكر البشرى الى نقد اعماله ، واساليبه ، ومنتوجه او عندما يحاول تحسينها ليقضي على كل ما يعرقل تطوره في الخارج
والثقافة شديدة الارتباط بالحضارة الى درجة يعسر معها فصلهما عن بعضهما فالحضارة تكييف للمحيط وتشمل المأكل ، والمسكن ، والملبس ، واثاث البيت ووسائل النقل ، وادوات الصناعة ، والمبانى . وكل هذه الاشياء تساعد الانسان على التحرر والانتشار خارجيا ، وتمكنه من ابراز شخصيته على اكمل وجه .
والحضارة هي ذروة الثقافة . والثقافة الغربية اليوم كادت أن تكون حضارة محضة . وهذا له خطره الشديد ، إذ فيه اهمال للجانب الروحي ، واعتناء بالماديات فالمصنوعات مما يؤدي الى اندلاع حروب طاحنة لا تبقي ، ولا تذر .
٤ بما ان الثقافة فهم . وحذق ، وقيام بالمعلومات وغير ذلك فقد تطور مفهومها على مر العصور ، ففي صدر الاسلام والعصر الاموي والعصر العباسي الاول مثلا ( أنبه هنا الى انني اقتصر على الحضارة الاسلامية بوصفها النموذج الحي ، الرائع للروح الشرقية ) كان المثقف هو من أجاه فنا من الفنون : فالشاعر مثل حسان بن ثابت ، وجرير ، والاخطل ، والفرزدق ؛ والخطيب مثل علي بن ابي طالب ، وزياد بن أبيه ، والحجاج بن يوسف ، وراوية الشعر مند عمر بن العلاء وحماد الراوية ؛ وجامع اخبار الشعراء ، ونوادرهم . وتراحمهم امثال الجاحظ وابن قتيبة يعدون مثقفين .
كما كان مثقفا من اعتنى بحفظ القرءان امثال نافع بن نعيم ، وعبد الله بن عامر اليحصبي ، وعاصم بن بهدلة الاسدي . او من اعتنى بالتفسير وهو معرفة سبب نزول الايات ، ومقتضى الحال منها امثال وهب بن منبه ، وعبد الله بن سلام ، وابو محمد بن عطية ، او من اهتم بالحديث وهو معرفة ما يغلب على الظن صدقه من اخبار رسول الله ( صلعم ) امثال محمد بن اسماعيل البخاري ، ومسلم بن الحجاج القشيري ، وأبو عبد الرحمن النسائي . او من نبغ في الفقه وهو معرفة احكام الله تعالى في افعال المكلفين بالوجوب والحظر والندب ولكراهة كمالك ابن أنس ، وابي حنيفة ، والشافعي ، وداود بن علي . او من انكب على دراسة الفرائض وغيرها من العلوم الشرعية . والعقلية والرياضية .
واستمر الحال على هذا التقدير حتى أوائل القرن الرابع عندما عمد الفارابي المتوفى سنة ٣٣٩ بتأثير من الدراسات الفلسفية الى جمع كل هذه الفنون في كتابه الرائع " احصاء العلوم " المقسم الى خمسة فصول تحتوى على ثمانية علوم هي علم الانسان ، عام المنطق ، علم التعاليم . العلم الطبيعي ، العلم الاهي . العلم المدني وعلم الفقه ، وعلم الكلام .
وغايته من تاليفه التوسع في مفهوم الثقافة حتى ينتفع بكتابه " ... المتأدب ، المتفنن الذي قصده ان يشدو جمل ما في كل علم ، ومن أحب ان يتشبه باهل العلم ليظن به انه منهم " ( ص ٢٤ )
وكان لهذا الكتاب تاثيره الفعال في العالم الاسلامي اذ اصبح طالب الثقافة لا يقنع الا بالاطلاع على جل معارف عصره حتى ان اهم المؤلفات التي ظهرت بعد " إحصاء العلوم " كانت اشبه بموسوعات في مختلف الفنون مثل " رسائل اخوان الصفا " التي ظهرت في منتصف القرن الرابع الهجري ، وكتاب " مفاتيح العلوم " لابي عبد الله الخوارزمي ( المتوفى سنة ٣٨٧ ه ) الذي أضاف فيه الطب والكيمياء الى العلوم التي ذكرها الفارابي ، وابن سينا ( ٤٢٨ ) في كتابه " الشفاء " وابن خلدون ( ٨٠٨ ) في مقدمته المشهورة التي تكلم فيها عن جميع المعارف المتداولة في ذلك العصر دون استثناء وطاشكبري زاده ( ٩٦٨ ) في كتابه القيم مفتاح السعادة وغيرهم كثيرون .
أصبحت الثقافة اذن هي الالمام بمختلف العلوم على شكل يمكن الانسان من المقايسة بينها ، " ومعرفة ايها أفضل وايها أتفن " .
ثم عادت مرة اخرى في هذا العصر الى التقسيم والاختصاص . وفي المدة الاخيرة اخذت تظهر بوادر الالتآم .
والفارق بين الثقافة الشرقية ، والثقافة الغربية هو ان الاولى لها ارتباط كبير بالواقع . فكثير من الفنون كالسلوك الاخلاقي ، وفقه المعاملات ، وجانب هام من التشريع مبني على العرف ، وعلى عمل اهل المدينة او عمل اهل القيروان او عمل اهل فاس ...
وهذا من شانه ان يكسب الثقافة شيئا من التطور المستمر في شيء ، ان صح هذا التعبير ، من الاستقرار ؛ فهي في تغير تدريجي يبدو كانه متصل بعضه ببعض اتصالا تاما .
ولكن هذا ايضا له عيوبه اذ توهم البعض ، خاصة في عصور الجهل ، ان الاوائل لم يتركوا للاواخر شيئا حتى يعود الى التاريخ فيرى ان ما ظنه تقليدا يختلف بعض الشئ عما قال به الجدود . وثار عن هذا الاعتقاد الفاسد كثيرون من اعلام الاسلام كالجاحظ وابي العلاء المعري ( وإني وان كنت الاخير زمانه
لآت بما لم تستطعه الاوائل ) وابن الوردى ( لا تقل قد ذهبت اربابه . كل من سار على الدرب وصل ) بينما الثقافة الغربية مرتبطة بالتفكير اليوناني مما اكسبها طابعا نظريا ، مثاليا ، ادى الى ظهور مذاهب متعددة ، متنوعة لا تخلو من تناقض وتقطع ، شانها في ذلك شأن الابحاث الجدلية التي برع فيها اليونانيون .
ويتوهم المثقف الغربى ان ما جاء به جديد ، كل الجدة ، الى ان يعود الى التاريخ فيرى ان بذور ما ابتكره موجودة في آثار السابقين .
فالشرقي يضيف الى القديم شيئا جديدا . ويظن انه لم يخرج عما سنه الاوائل ، والغربي يتوسع في علوم السابقين مع الوهم بانه خلق شيئا من العدم .
٥ ارى ان الثقافة العربية هي العربية اللسان ، الاسلامية التاريخ معا . وتفصيل ذلك ان النصارى واليهود الذين خدموا الثقافة العربية ، وألفوا كتبهم بلغة القرءان أمثال حنين بن اسحق ، ومتى بن يونس ، وموسى بن ميمون ، وابن جيبرول وادباء المهجر ادوا خدمات جليلة للثقافة العربية وللثقافة الاسلامية معا .
وارى انه مذ ظهر الاسلام امتزجت الثقافة العربية بكل ما هو اسلامي ، فاصبح كل بحث يتحدث عن الاسلام ولو عن غير مسلم ، وفي بلاد غير اسلامية يؤدي خدمة للثقافة العربية الاسلامية .
ومذ القدم ، تطلق كلمة اسلامي على المسلم وعلى من عاش في بيئة اسلامية وعمل للحضارة الاسلامية من غير المسلمين مثل الاخطل وجورجيس بن بختيشوع ، ويوحنا بن ماسوية وغيرهم .
٦ ان نظرنا الى الثقافة في اسسها ، بصرف النظر عن كل نعت ، وحدناها واحدة اذ انها كما اسلفت ، شعورية ؛ والشعور موحد . فهي وحدة مركبة ، متصلة ، مستمرة ، دائمة التغير .
واذا نظرنا اليها في تطورها نجدها متعددة . اد من شان التطور ان يؤدي الى التمييز واما اذا نظرنا الى الثقافة العربية الاسلامية فقد سبق ان اشرت الى انها واحدة .
٧ خاصية الثقافة الإسلامية في العصر الحديث هي تطورها في جانبها الاخلاقي الروحاني ، بسرعة تفوق بكثير تطور الجانب العملي المؤدي الى ايجاد صناعات مختلفة .
والثقافة الاسلامية المعاصرة تعتمد على مبدأ ، على فكرة رئيسية ، هي اصلاح المبادئ الدينية وتنقيتها من كل ما علق بها من ادران ، في القرون الاخيرة . وعلى ضوء هذه المبادي المطهرة يقع حل جميع المشاكل الاقتصادية ، والعمرانية والاستفادة من التطبيقات العلمية .
بينما الثقافة الغربية تتكيف حسب النمو الذي حصل في الميدان الصناعي من وفرة منتوج وسرعة في وسائل النقل ، وتعدد اسباب الترف المادي مما اوجد نوعا خاصا من التفكير يتمشى مع هذه المقتضيات الجديدة .
ويترتب على هذا ، ان الثقافة الاسلامية المعاصرة ، إن تمادت في هذا السبيل نكون في مأمن من التحول الى حضارة مادية هي غاية لها ، ونهاية لعمرها مثلما هو مشاهد في اروبا اليوم ، تلك النهاية التي شرحها ابن خلدون في الفصل الذي عقده في مقدمته تحت عنوان : " إن الحضارة غاية العمران ونهاية لعمره ، وانها مؤذنة بفساده " وتبسط في توضيحها الفيلسوف الالماني المعاصر شنقلر في كتابه الخالد " افول الغرب (Le declin de I,occident) ".
٨ أرى ان أهم الاتجاهات التي تتنازع الثقافة العربية المعاصرة هي : ١ - الاشتراكية الاسلامية التي نتجت عنها حركات كثيرة أهمها : أ ) جمعية الاخوان المسلمين المنتمي اليها عدد لا يستهان به من شباب العروبة والشباب الباكستاني والاندونسي . وكانت هذه الجمعية مثلا ( قبل حلها ) أقوى منظمة في البلاد .
ب ) الحزب الاسلامي الاندونيسي " ماشومي " اعظم الاحزاب السياسية في اندونيسيا .
ج ) الرابطة الاسلامية حزب الاغلبية في الباكستان . د ) فدائيان اسلام بايران التي جمعت حولها ، في السر او العلانية طائفة لا يستهان بها من نخبة البلاد الفارسية .
ويحب ان لا تنسى ان من اهم الاسباب التي ادت الى انتصار الحزب الجمهوري في انتخابات ١٩٥٠ بتركيا دعوته الى الاشتراكية الاسلامية .
٢ - الاشتراكية الماركسية التى نتجت عنها احزاب شيوعية خالصة موجودة بصفة شرعية او غير شرعية في جميع البلدان الاسلامية ، او احزاب اشتراكية شيوعية مثل احزان البعث ، والشعب ، وتودة بالعراق وسوريا وايران ومصر .
٣ - اشتراكية وطنية او بالاصح وطنية اشتراكية ، وهي وان كانت اقل عمقا في الاوساط الشعبية لبعدها عن العقلية الشرقية الا انها وجدت من بعض الحكام ، ومن تحمس طائفة من الشباب ، تابيدا كاملا سمح لها بالبقاء مدة من الزمن مثل جزئي الشعب الذي اسسه سنة ١٩٢٢ مصطفى كمال بتركيا ، وهيئة التحرير التي أسسها جمال عبد الناصر بمصر وحزب التحرير العربي الذي اسسه الشيشكلي بسوريا كما توجد في غيرها من البلدان الاسلامية التي تسعى الى تجديد التجربة لما فيها من نواح مغرية .
واضمحلت هذه الاحزاب او فقدت حيويتها في السنين الاخيرة وبقيت منها بعض الرسوم ، والرواسب ، والهياكل .
٩ ان الاجابة عن هذا السؤال تختلف حسب المدلول الذي نعطيه لكلمة " قومية " فان كانت " قومية " تطلق على ما هو خاص بتونس لا يشاركها فيه احد كما يفهم لغويا من لفظة قومية ، فارى انه ليست لتونس ثقافة قومية .
واما إن قصد من لفظة " قومية " ما يتعاطاه القوم في تونس من لغة ، ودين ، وادب ، وعلم فاقول بان لتونس ثقافة قومية قوامها اللغة العربية ، والدين المحمدي ، والتاريخ الاسلامي ، والجنس العربي الممزوج بالبريري والتركي وغيرهما .
يتمتع التونسي بقسط وافر من الذكاء يشهد عليه كثرة من ظهر عندنا من نوابغ خاصة في الشؤون العقلية المعتمدة على تفكير عميق مما ينبئ بان ثقافتنا ستتجة نحو الابحات العلمية النظرية ويساعدها على المضي في هذا الاتجاه اقتصاديات ضعيفة ، والتاريخ التونسي حافل بالثورات الدامية ضد الظلم ، والارهاق ، والاستبداد وهذا عنوان على شعور التونسي بالعزة ، وحبه الكبير للحرية ، وتمجيده للصراحة مما ينبيء بأن ثقافتنا ستتجه نحو الدراسات الانسانية والمثل الاخلاقية السامية ( أرى أن التملق الذي ظهر في المدة الاخيرة على بعض الاشخاص او الجماعات ظاهرة طارئة سائرة الى الزوال ، لا يخلو منها مجتمع في حالة تحول )

