الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

جواب الدكتور، , عمر فروخ

Share

١ الثقافة هي الفطنة ( في تفهم الامور النظرية ) والحذق ( في تناول الصناعات العلمية والمهارة فيها ) . هذا هو المفهوم من القاموس . ولم تكن كلمة " ثقافة " تدل على ما تدل عليه اليوم عندنا . اما الكلمة التي كانت تدل منذ العصر العباسي ، على ما نعني به الوم بكلمة ثقافة فكلمة " أدب " . فالاديب هو الذي كان يلم بفنون كثيرة من فنون المعرفة : اللغة والنثر والشعر والبلاغة والقرآن والحديث والكلام والحساب والفلك والموسيقى والاخبار وغيرها . وهذا ما نعنيه اليوم بالثقافة حينما نعرفها بأنها " م مجموع التراث الانساني الى ايامنا " ( مجموع ما وصل الينا عمن سبقنا من نشاطهم الروحي والعلمي والادبي والفني والمادي ) .

٢ تقصدون " الفرق بين التثقيف والتعليم " . التعليم : نقل المعلومات من العلم ( او من هو في مقامه كالكتاب والرفيق ) الى التلميذ . والتعليم هو التلقين لتلك المعلومات لحفظها من غير اشتراط للحذق فيها او لتمثلها في الجهاز العصبي للطالب حتى تصبح ملكة فله . اما التثقيف او التربية او التنشئة فهي اخذ المتعلم بتفهم ما يتلقن وتمرينه عليه حتى يصبح ذلك فله ملكة . فالمتعلم للعربية مثلا هو الذي يعرف قواعدها وشواردها وتاريخها والكتب المؤلفة فيها . ولو لم يكن عربيا . اما المثقف بالعربية او المتثقف بها ، فهو الذي يحسن الكلام بها على منهاج اهلها ويتذوق ادبها ويتفطن المواطن العبقرية فيها ، مع المامه طبعا بقواعدها وتاريخها .

٣ و ٤ الثقافة ودرك عام لا تحصره " شرقية " ولا " غربية " . حتى العرب في العصر العباسي ، فقد اشترطوا ان يلم الاديب ( المثقف ) بفنون المعرفة عند العرب وعند الفرس . على ان ثقافات الامم قد تميزها ، حتى في الامة الواحدة ، خصائص معينة تختلف بين عصر وعصر . كانت ثقافة الشرق والغرب في العصور الوسطى يغلب عليها

الاتجاه الديني ، ولم يكن اهل العصور الوسطى في الشرق والغرب يستطيعون فهم الحياة ولا معالجة فنون المعرفة في معزل عن الدين . اما اليوم فيغلب على الثقافة في الشرق والغرب معا ، على اختلاف بينهما في المدى لا في النوع ، النرعة المادية .

ومنذ نحو ثلاثين سنة كان العرب يغلبون على حياتهم الثقافية الذوق الادبي . اما اللوم فهم أميل الى البحث الفكري . واما الجو الفني فلا يزال عنصرا ضعيفا في ثقافتنا العامة .

٥ و ١,٦ الثقافات الخاصة ( الفرعية ) تختلف فيما بينها . وعلى هذا تكون الثقافة العربية اللغوية غير الثقافة الاسلامة الدينية . اما اذا نظرنا الى " الامة " فالثقافة فيها واحدة اننا لا نستطيع ان نفضل العربية من الاسلام في التراث الذي تحدر الينا من أعصرنا التاريخية المختلفة . وكذلك لا نستطيع ان نميز بين العنصر القومي والعنصر الديني في الثقافة الاوروبية ، وان كان العنصر الديني أبرز في ثقافة البلاد اللاتينية منه في ثقافة البلاد الجرمانية . اما الذي ينطوف في البلاد الاسلامية اليوم فانه يراها تشترك في ثقافة واحدة .

فالشعور العربي الواحد ، والكتاب العربي الواحد ، والاتجاهات السياسية والادبية والفنية المتشابهة في تلك البلاد ، كلها امارات على وحدة هذه الثقافة . ولكن بما ان الثقاقات لا تستطيع ان تعيش متحاجرة في العالم ، فالثقافة الاسلامية في بورما واندونسية يجب ان تختلف من الثقافة الاسلامية ، في خصائصها الفرعية المحلية ، من الثقافة الاسلامية في ايران والعراق اكثر مما تختلف مظاهر الثقافة بين الشام ومصر وتونس . وان مما يجب ان ناسف له أشد الاسف ان الثقافة الاسلامية اليوم متخلفة عن الثقافة الغريبة في ميادين العلم والفن والفكر والسياسة . من اجل ذلك لا يمكن ان يكون لها خصائص تميزها من غيرها ( أي تجعلها فوق غيرها ) . اما اذا عنينا : كيف تختلف الثقافة الاسلامية من الثقافة الغريبة ، فيمكننا ان نقول ان هذا الخلاف ينقسم قسمين :

أ  الثقافة الاسلامية تستمد من تاريخ العرب ومن الدين الاسلامي ، بينما الثقافة الغربية تستمد من التراث اليوناني الروماني ومن النصرانية . ويحسن ان نعلم ان ثقافتنا نحن ، في جميع بلاد الاسلام ، لم تستبق من تراثها الجاهلي الوثني ما استبقته الثقافة الغربية من تراث جاهليتها الوثنية .

ب ) ان ضعف ثقافتنا الحاضرة اوجب علنا وعليها ان يكون " القديم " عندنا ابرز من " الحديث " ، وان يكون التقليد اكثر من الابتكار و " الروحية " اكثر من " المادية " والاخذ بما عند الامم الاخرى اكثر من التفكير لانفسنا . وهكذا يسود ثقافتنا المعاصرة شيء من التشويش والغموض .

٨ تتنازع المسلمين اليوم عوامل مختلفة : القومية ، الاممية ، المادية والتغرب ( محاولة تقليد الغرب في حياته الاجتماعية والروحية والخلقية ) لاعتقاد طوائف من المسلمين ان تفوق الغربيين في السياسة الدولية دليل على تفوقهم في السلوك والاخلاق . ومن المؤسف ان المسلمين الوم عاجزون عن مجاراة الغرب في خطاه العلمية والصناعية ، فهم يقلدونه في ظاهر اموره . وهذا الذي ينتاب المسلمين اليوم ينتاب ثقافتهم سواء بسواء .

١٠ و ٩ أنا من الذين لا يؤمنون بالثقافات المحلية . تقولون : ثقافة تونس القومية ، كأن الثقافة تختلف عندكم بين تونس والجزائر ومراكش . اما الذي اتخيله من مستقبل الثقافة في تونس وفي سائر الاقطار الاسلامية فهو ان انتشار العلم والطباعة والاذاعة وسرعة التنقل بين البلاد كلها عوامل في التقريب بين ثقافات الامم بالقضاء على التأثيرات المحلية . واذا كانت الثقافة الشرقية والثقافات الغربية تتقاربان بفعل هذه العوامل ؛ فمن باب أولى ان تتقارب مظاهر الثقافة في الامة الواحدة .

من اجل ذلك اعتقد ان المظاهر اليسيرة التي اكتسبها " المثقفون " في تونس من عزلة تونس عن العالم الاسلامي زمنا ومن اتجاه التونسيين نحو الثقافة الفرنسية ستزول وشيكا ، فلا يلمح الدارس حينئذ ابدا ان الثقافة في تونس تختلف من الثقافة في بلد اسلامي آخر .

اشترك في نشرتنا البريدية