الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

جواب الدكتور, الطاهر الخميري

Share

١ الثقافة درجة ممتازة من الحضارة بلغها اليونان في التاريخ القديم والعرب في القرون الوسطى والفرنسيون في العصور الحديثة فكانوا قادة الفكر في عصورهم المختلفة وصارت ثقافتهم تراثا انسانيا مشتركا . والرجل المثقف هو الذي حصل على مقدار كاف من ذلك التراث وتاثر به فظهر في تفكيره وتعبيره وفي ذوقه وحكمه وتقديره وفي كل ما يتصل بسلوكه الشخصي وعلاقاته الاجتماعية وظهر خصوصا في نوع انتاجة .

٢ التعليم من وسائل التثقف وليس هو الثقافة . فقد يتعلم الانسان ولا يتثقف وفهم وحفظ ولا يتأثر ولا يهضم .

يقاس التعليم بالشهادات المدرسية والدرجات الجامعية ويقاس التثقيف بما تتلون به الشخصية من الوان التراث الانساني الرفيع . استمعت اخيرا الى محاضرتين لاثنين من علماء الاجتماع كلاهما يتمتع بشهرة كبيرة في الاوساط الجامعية وكلاهما متمكن من موضوعه واثق بنفسه .

الا ان احدهما شرح نظرياته بدقة واعتناء وعرض آراء مخالفية باحترام وقدم نتائج بحثه بادب وتواضع ، والآخر اخذ يتصور عددا كبيرا من المخالفين والخصوم واندفع يعلن عن مخالفته لهم بشدة لا داعي لها وينتقد اقوالهم بعنف لا مبرر له وطعن في اشخاصهم وقيمتهم العلمية بدون تحرج . ويحاول فرض آرائه فرضا وينظر الى المستمعين - وهم زملاؤه - نظره الى صبيان المدارس .

الاول متعلم مثقف ، والثاني متعلم فقط .

٣ مفهوم الثقاقة الغربية هو المفهوم العام المبين في الجواب عن السؤال الاول .

٤ هي بقايا مشوهة احيانا - من الثقافة العربية التي ازدهرت في الشرق العربي والاندلس نرى آثارها اليوم في حياة بعض الطبقات في فاس وتونس والقاهرة ودمشق .

٥ الدين واللغة من العناصر التي تكسب الثقافة لونها الخاص ومزاجها الخاص والثقافة العربية كانت دائما اسلامية التاريخ عربية اللسان . غير ان طبيعة الثقافة نفسها تحتم علينا فتح باب " الاجتهاد " على مصراعيه في فهم الدين واستعمال اللغة . . ثقافة الفرس والاتراك عربية وان لم تكن عربية اللسان وثقافة نصارى الشام واقباط مصر هي ايضا ثقافة عربية وان لم تكن اسلامية التاريخ ومثل ذلك يجب ان يقال في برابرة شمال افريقيا الذين لا يحسنون العربية . ويهود شمال افريقيا الذين لا يدينون بالاسلام .

٦ هي ثقافة واحدة مختلفة الالوان او على الاصح ظلال الالوان . بينها من الفروق الصغيرة ما بين بعض البلاد البلفانية او السكندنافية .

٧ تمتاز الثقافة العربية في العصر الحديث بما حافظت عليه من قيم اجتماعية مثل تماسك الحياة العائلية وصلة الرحم وصون العرض واستنكار المجاهرة بالاثم واستهجان الجهر بالسوء من القول وكل ما لا يليق بالادب ولا يتفق والذوق السليم وكل ما يعبر عنه بلفظ " الحياء " وهي قيم اجتماعية كثير من علماء الاجتماع المعاصرين يأسفون لفقدها في بعض الاوساط المتمدنة .

٨ لا ارى ان هناك اتجاهات كبرى او صغرى تتنازع الثقافة العربية . الطريق واضحة وكلنا يعرفها : لدينا بقية من تراث ثقافى يمكن تكميله باحياء القيم من ذلك التراث مع التردد بالزاد الكافى من الثقافات السائدة فى هذا العصر .

وانما تتعقد الامور بما ندخله عليها من الاضطراب بتسمية الاشياء بغير اسمائها الحقيقية . نسمي الطالب التونسي الذي يدرس في جامعات الشرق ذا ثقافة

شرقية ونحن نعلم انه درس هناك على اساتذة متخرج من جامعات اوروبية او امريكية .. ونسمي جامع الزيتونة " الجامعة الزيتونية " ونحن نعلم انها ليست جامعة بالمعنى المتعارف بين الناس في هذا العصر .. ونسمي تلك المحاضرات العمومية التي تلقى في الخلدونية تعليما عاليا ونحن نعلم انها ليست كذلك ... ونحاول عملية " تنظير الشهائد " ونحن نعلم ان ذلك التنظير لا يغير من القيمة الحقيقية لتلك الشهائد . ان تغيير الاسماء لا يغير من طبعة الاشياء وانما يعقد الامور ويوهمنا ان هناك اتجاهات تتجاذبنا واننا امام مشاكل الموازنة والاختيار والأمر في الحقيقة أبسط من ذلك

٩ بالامس كانت الحياة الثقافية في تونس منحصرة في " الكتاب " و " دار المعلمة " و " الحانوت " والجامع ( جامع الزيتونة ) والقادرية السلامية وسيدي بلحسن والعيساوية وحفظ دلائل الخيرات والبردة والهمزية ، والاستماع الى احاديث " الفداوي " في المقاهي و " خرافات " النساء في البيوت .

واليوم اصبح لنا مدارس لترشح المعلمين والمعلمات ومئات من المتخرجين من جامعات اوربا والشرق واكتشفنا الجاحظ وابا حيان والمعري وابن الرومي وصار القرآن يقتبس في الخطب السياسية - كما كان الحال على عهد الخلفاء الراشدين ويستشهد به في مقالات الجرائد ، وصار لنا منظمات قومية مختلفة وجمعيات ثقافية ورياضية تعد بالعشرات ونقابات تعد بالمئات ، وشعرنا بالحاجة الى التصنيع وبما تطلبه التصنيع من تكوين الخبراء والفنيين والاختصاصيين .

وبناء على ذلك يمكن وصف الحياة الثقافية في تونس اليوم بانها بقية من ثقافة عربية اسلامية تحاول الدخول في القرن العشرين من جميع الابواب وباسرع ما يمكن .

١٠ تصور مستقبل الثقافة في تونس مرتبط بتصور النخبة الموجهة والمسيرة من ذوي الثقافتين ، وهذه النخبة لا تزال قليلة باهتة الطابع والمميزات .

( نيورك )

اشترك في نشرتنا البريدية