الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

جواب, محمد العيساوي الجمني

Share

١

الثقافة عندي هي : مجموعة ومحصول ما يختزنه الانسان من معلومات عامة ومختلفة كالادب والتاريخ والبلاغة وفهم التفسير والاحاديث وبعبارة قصيرة : هي ان يستطيع المرء قراءة الكتب وفهمها وحل ما استعصى من الفاظها ومعانيها . كما يستطيع ان يفهم غيره ما قرأ ويشرح ما وعى . فالمثقف اذن هو من ألم بفنون كثيرة من انواع المعرفة ، وضروب الثقافة . وفي يقيني ان " الجاحظ " خير من اتحف بالثقافة إذ جمع فأوعى .

٢ اما الفرق بين " الثقافة " و " التعليم " فهو ان التعليم ما يتلقاه الطالب من معلمه او استاذه بالطرق التعليمية المتبعة في جميع البلدان والاقاليم . اما الثقافة ، فهي وعي ما يصله سواء من معلم او قراءة كتاب او مشاهدة " فيلم " سينمائي او سماع محاضرة او مناظرة او ما الى ذلك . والثقافة تعتمد على جهود الانسان المجردة ، بالمطالعة الحرة ، عكسا للتعليم الذي لا بد فيه من جهود مشتركة ، بين المعلم والمتعلم ، وهذا امر واضح ، لا يحتاج الى توسع .

٣ اما مفهوم الثقافة الغربية كما جاء في سؤال المجلة ففي يقيني انها تتحد وتدخل في مفهوم الثقافة العامة . وقد تزيد الغربية على غيرها باشياء منها : حب الاستيلاء على كل موجود في الوجود ، واحتقار غيرها ، ونظرتها للضعيف دائما نظرة الذئب للخروف المتخلف عن قطيعه وهذه صفة المتصفين بها لا هي والموصوف غير الصفة كما يقول النحاة .

٤ اما مفهوم الثقافة " الشرقية " كما اسمتها المجلة ، فلا ادري اي " شرقية " تريد ؟ هل تريد الشرقية التي تطلق على الثقافة " الروسية " او " الشيوعية " وهي تقابل الغربية يعني اميركا ومن لف لفها ودار حولها ؟ ام تريد " الشرقية " التي تشمل مصر ولبنان وسوريا والعراق وكل البلاد العربية وهذه يقابلها " الغربية " او " المغربية " فيقال : الشرق العربى كما يقال : المغرب العربى ؟ ام تعني " بالشرق " سكان آسيا وهؤلاء فيهم العربي والعجمي وعلى كل حال فنأخذ بالوسطى فنقول : ان الثقافة الشرقية مازالت تعتمد في مفهومها على الروحية في الماضي . وقد بدأت تأخذ بالطرف المادي وتتوسع في الاشكال والمصادر وتعدد الالسنة في الانسان الواحد ، وقد لا نبقى كثيرا حتى يصبح عندنا لا ينعت بالمثقف الا العارف بالعربية وعدد من اللغات غيرها تتبعا للقاعدة القائلة " كل لسان بانسان " .

٥ مفهوم الثقافة العربية عندي هو : ان يفهم الانسان معلوماته باللغة العربية كما تستمد هذه المواد من المصادر العربية القديمة كالقرآن والحديث والتاريخ والادب الجاهلي والاموي والعباسي والحديث ولا فرق في عقيدتي بين من يتكلم اللغة العربية ويدين بالاسلام وان يجمع بينهما وهذا يكون واضحا في كل من تونس واليمن والمملكة العربية السعودية لان سكان هذه الاقطار جمعوا بين عروبة اللسان واسلام الدين . وانا من القائلين ان ليس هناك ثقافة عربية غير اسلامية وقد يحتج البعض بمسيحي لبنان واقباط مصر ودروز سوريا ولكن هذه الطوائف قليلة العدد من جهة وليست لها ميزة خاصة في الثقافة من ناحية اخرى وهي الى الثقافة العربية الاسلامية اقرب ، وقد اجد الفرق شاسعا بين الثقافة العربية الاسلامية والاسلامية التاريخ والعقيدة كتركيا والباكستان واندونيسيا الخ قبالرغم من الاتحاد في المصدر تختلف وجوه التعبير اختلافا بينا والاخيرة اخذت من الغرب اكثر مما اخذنا نحن العرب المسلمين كما ذابت شخصيتهم في الغرب اكثر منا نحن العرب . وقد تكون " ايران " الى الثقافة العربية الاسلامية اقرب منها الى الثقافة الاسلامية فقط

٦ الثقافة العربية سواء كانت عربية اللسان فقط او جمعت بين عروبة اللسان

واسلامية العقيدة في نظري واحدة لا اختلاف فيها ، وفي الحقيقة يجب ان تكون واحدة لا متعددة ، ويبقى الاختلاف في المعتقد فقط ، فالعرب اينما كانوا عرب ولو اختلف معتقدهم وتعددت دياناتهم وهم في الجوع والآلام اخوان ...

٧ من خاصيات ثقافتنا العربية الاسلامية فى عصرنا الحديث " المطاوعة " أي انها صارت طيعة في استطاعة الانسان استخدامها في جميع الفنون وتطورها تطورا محسوسا كما تمتاز بضخامة رصدها وعظم ذخيرتها وقوة رأسمالها وقد بدأت تظهر فيها من جديد مسألة " الانسانية " و " الأممية " كما ظهرت في الماضي القومية " وهي ما زالت سائرة . ويسرنا ان نعلن ان مسألة " الوطنية " و " القطرية " وبمعنى ادق " الانفصالية " في طريق الموت والفناء في بلادنا العربية العزيزة وهذا ما يجعلنا نتفاءل بقرب قيام : " فيدرالية عربية " من مضيق جبل طارق الى جبال طوروس .

١ من الاتجاهات الظاهرة في ثقافتنا العربية الجديدة : الدعوة الى المادية البحتة وهذا جميل ، لكن يجب ان الا ننسى روحياتنا وفي رأيي يجب ان تجمع ثقافتنا بين المادة والروح فالاستقلال بواحدة مضر بنا اما الجمع بين الحالتين فامر غير غريب

٩ نعم لنا ثقافة قومية في تونس - وليست القومية هي الوطنية - كما تسمى ظلما في تونس ، والثقافة الزيتونية هي التي تمثل هذه " الثقافة القومية " اصدق تمثيل واصحه ، وكذلك المدرسة " الصادقية " تقريبا فخريج " الجامعة الزيتونية " الذي يسافر الى الشرق العربي هو الذي يعطي وجه تونس الحقيقي بعروبته وبتفكيره و " كامل التونسي " في سوريا وفي الماضي الشيخ سيدي صالح الشريف خير دليل على ما نقول . والشابي احسن وجه " للقومية العربية " في تونس . ولا تنسى ان الاستاذ الفاضل ابن عاشور الذي استدعاه " معهد الدراسات العليا للجامعة العربية " لالقاء محاضرات عن الثقافة في تونس لا يترك لنا مجالا للخلاف في ان الزيتونة هي التي تمثل " الثقافة القومية " في تونس ، اما الذي يتعلم في " الليسي كارنو " ويذهب الى فرنسا فانه لا يعطي ولا يمثل وجه تونس الحقيقي

- العربي المسلم - وليس في هذا احتقار " لغير الزيتوني " ولا تنفير من الثقافة الغربية لا ولله - وإنما هذا جواب عن سؤال

١٠ اما كيف اتصور الثقافة في تونس في عهدها الجديد فاني اتصورها ولا شك ثقافة موحدة المناهج سائرة في طريق واحد . ثقافة متينة - نظيفة - تدعو الى القوة وتحبب المجتمع في الحق والعدل والجمال ثقافة تعتمد على نفسها ولا تأخذ من الغرب الا ما فيه نفعها ورقيها وازدهارها اي انها تأخذ لب الشيء ، وتترك القشور فتكون ثقافة لها شخصيتها المستقلة ، لا تقلد الغير في كل شيء ، بل تأخذ ما صفا وتترك ما كدر ، ثقافة تعتز بالعربية ولا شيء غير العربية . الا في الدرجة الثانية او الثالثة . كما اريد لهذه الثقافة ان تصطبغ بالصبغة " القومية العربية " مع الاحتفاظ بعقيدتنا الاسلامية الغراء .

طالب ببيروت : من " اسرة القلم الواعي "

اشترك في نشرتنا البريدية