الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 229 الرجوع إلى "الثقافة"

حديث الكتب :

Share

- حديث السندباد القديم : للدكتور حسين فوزي ٢ - أعاصير مغرب              :للاستاذ العقاد

٣ - سليمان الحكيم          : للأستاذ توفيق الحكيم 4 - عود علي بدء             : للاستاذ المازني      

هذه الكتب الأربعة قرأتها في الأسابيع الأخيرة ، ولا يظن القارئ انني رتبتها هنا وفقا لتاريخ صدورها أو تاريخ قراءتها .

كلا . وإني لمضطر إلي الاعتراف بذلك ، لقد رتبتها وفق مالها من أثر في نفس ، ووفق ما لها من قدر عندي كمؤلفات جديرة بالرعاية والاحتفال

ولأبادر فأقول إن أولها وهو حديث السندباد كتاب عنيد ، عنيد في حجمه وعدة صفحاته ، عنيد في مادته ، وما تحتاج من انصراف وتوفر . عنيد بأسلوبه الذي يضطرك - رغم طبيعة مثله من المؤلفات - أن تقرأه دفعة واحدة ، فتستريح من قراءتك المتصلة لفصوله المنتظمة ، لا يتصفح كتاب آخر تلتمس عنده تسلية وجيزة ، وإنما بقراءة فصول من أوله أو آخره أو منتصفه . وهكذا كنت افعل انا ، فما تركته حتى أتممته، وكنت أتسلى ببعضه عن بعضه

والدكتور حسين فوزي عرفه قراء الأدب إلي اليوم أديبا ، له أسلوب لامع بأتلق كلما انعكس علي فكرة أو خاطر أو صورة : وهو في هذا الكتاب ، وأنا احس ذلك ، يريد أن يمحو من أذهان القراء ، صورة الأديب فقط ، فلا يملك إلا أن يضيف إليها صفة العالم ، والعالم الشاب الجرئ الذي لا يقنع بوقار العلماء فهو يبحث

بحثهم ، ويسلك طرائقهم ولكنه يفترق عن كثير منهم في أن له شخصية . في كل ما يعرض له مواضيع رأي يرغمك على الاستماع إليه عاملان اساسيان ، حماسة ترخر بالإيمان والاعتداد ، وخبرة ولدتها التجربة الشخصية والامتحان .

وأحب أن أعرفك بالكتاب ، فقد تظن أنه عرض جديد لقصة السندباد ولك العذر ، لكنه غير ذلك

إنه تحليل علمي للحلم الشرقي العجيب الذي تعرف العامة منه قصة السندباد ، وتعرف الخاصة من المعنيين بكتب العرب منه تلك الحيوانات الضخمة الهائلة والطيور المعرفة في القوة والبطش ، والأسماك التي تبتلع السفن والناس ، وتتسلى بابتلاع الحيتان

كل الفرق بين حسين فوزي وغيره من الخاصة أنه لم يبتسم سخرية ورثاء لعقليات مؤرخ العرب وقصاصية ، وإنما أخرج من الأساطير الواقع بتحقيق اعتمد فيه على الاستقراء والقياس والخيال كذلك ، ثم ذهب إلي العلم يسأله العون وأخرج بعد ذلك الجهد هذا الكتاب وفيه تحقيق للأساطير في غير تعنت ، وإنما في حرص بالغ ، فإذا التنين مثلا ، ذلك الحيوان الذي يهدم القرى ، ويكتسح الأشجار ويبتلع الدواب والناس ، إذا به ظاهرة جغرافية يؤمن بها العلم لها صورة التنين وآثاره إذا جردت أخباره من مبالغة الكتاب وتهويلهم

على مثال هذه النزعة من البحث والتعليل يجري الدكتور حسين فوزي في إنصاف كتاب العرب في صور العجائب كما بدت لعيونهم ، وكما تخيلوها ، ونظرة إلي ثبت المراجع ، وإلى ما بذله الدكتور من جهد بين المكتبات العامة سعيا وراء كتاب ، تكشف عن قدر هذا الكتاب كدفاع قيم عن قضية الفكر العربي ، تلك القصبة التي اصطلح بعض الصحاب على تسميتها " بقضية الكتب الصفراء " .

إن أطرف ما سمعته عن هذا الكتاب هو ما قاله أستاذ أوربي من المستشرقين سأله واحد من أصدقائنا رأيه في الكتاب فقال

- من المؤسف حقا أن لا يصدر هذا الكتاب بلغة أوربية !

والحق أن هذا الكتاب يضيف إلي الأبحاث العلمية في الأساطير بحثا قد بعد من امتعها ، ولعلنا لم نعهد في الأبحاث العربية بحثا كهذا في الأساطير ، فللأستاذ الأوربي عذره وإن لم يكن لنا العذر إلي اليوم في البقاء مكتوفي الأيدي أمام تراثنا من الأساطير .

لقد بذل الدكتور حسين فوزي في هذا الكتاب جهده في ناحيتين هامتين : ناحية البحث العلمي واستكماله وناحية الاحتفاظ باتزان الأسلوب أسلوب العالم الباحث

أما الناحية الأولى فتلمس هذا الجهد في العمل الضخم الذي أضطلع به .

وأما الناحية الثانية فتحس أثر هذا الكفاح بين أتزان العالم وثورة الأديب عند ما تعبر باللمحات الخاطفة الساخرة التي يرسلها في إثر امثال القزويني أو ابن الوردي ، ومن إليهما كلما شط بواحد منهم القلم . إنك لتكاد تجس بأن الكاتب يود لو ترك له العنان ليمضي في السخرية لولا أن يرده أنه في مقام العالم ، المخطئ والمصيب أمامه من العلماء سواء كلاهما باحث عن الحقيقة وكلاهما رائد من روادها .

أما الكتاب الثاني فهو ديوان شعر للأستاذ العقاد وإنى لاسوق لك منه اسمه وثلاثة ابيات من الشعر لأضع أمامك الصلة بين الاسم والديوان .

أما اسم الديوان فهو أعاصير مغرب ، وأما الآبيات الثلاثة ، فهي ، وقد وضعها الشاعر بحث عنوان " اعفاء " .

أعفيك من حلية الوفاء

إنك أحلى من الوفاء

خوفي ! فما أسهل النقصي

عندي وما أسهل الجزاء

وليس بالسهل في حسابي

فقدك يا زينة النساء

ويرحم الله أياما كان يقف العقاد لشوقي بالمرصاد ! أتري وان شوقي قال هذه الآبيات ! أكان يشفع له عند العقاد أن يضع لها عنوانا " أعاصير مغرب " ؟ وأن يرفق بهذا العنوان شهادة ميلاد تثبت أنه جاوز سن الستين ؟

على أية حال فهي أعاصير مغرب ، وهي أعاصير مغرب لم يخل نهاره من إعصار ، فحياة العقاد كلها عواصف ، وكلها عواطف كذلك . ولعل عواطف العقاد لم يشبها في يوم من الأيام إلا ذلك التعقل ، وذلك النظر الفلسفي المعنى بالمقدمات والنتائج الذي لازمه حتى عند مغربه العاصف فجعله يعفي فتائه من الوفاء ، ويبيح لها الخيانة ، لأنه ما أسهل التقصي ، وما أسهل الجزاء . . وإنما الصعب هو الفقد . .

ولا ينظر الغزليون هذه النظرة إلا أن كانوا فلاسفة كالأستاذ العقاد ، ولا نقول شيوخا . فالعقاد في غزله اليوم يختلف عن العقاد في غزله بالأمس ، لا في " الديوان " ولا في " وحي الأربعين " فهو هو المتغزل الوقور الفيلسوف الهادي .

ومع ذلك فأنت لا تقدم في الغزل الهادي سذاجة وجمالا ، بل ولا تعدم فيه احيانا ثورة ، وإنك لتعجب حين تقرأ في " اعاصير مغرب " قصيدة العقاد في " الصدار الذي نسجته " . كيف يواتي الشاعر الرزين هذا المعنى . الساذج الجميل معا . .

هنا مكان صدارك

هنا هنا في جوارك

هنا . هنا عند قلبي

يكاد بلمس حبي

وفيه منك وليل

على المودة حسبي

ألم أنل منك فكرة

في كل شكلة إبره

وكل عقدة خيط

وكل جرة بكرة ؟

ولعلك تذكر مع هذا المعنى الأغنية الشائعة " الوردة دعي ريحتك فيها . . الخ

ومع سذاجة المعنى في القصيدة جمال ، في الصدار الذي بكاد يلمس الحب بين جنبيه وفي وصف الصدار بالرقيب علي الفؤاد و ... ولكنه جمال ساذج

فإذا رحت تنشد الثورة في هذا الغزل الهادي الرقيق ، فإنك واحدها في مثل قصيدة " طلاء نفس " . فهي ثورة علي كل شئ . على العيون الزرقاء

زرقة عينيك لا صفاء . . فيها ولكنه فضاء ، وعلي حمرة الخدين التي لا حياء فيها . ولكنه اشتهاء .

ولا تلبث الثورة أن تبلغ مداها ، فلا تكون القطيعة وإنما تمني القطيعة .

متي متي ينطوي الكتاب ؟ . . متي فراق بلا لقاء !

وعند ما تصل الثورة إلي اليأس يلتقي شعر الغزل الحار الدافئ بشعر الغزل الهادي ، وتجد عند العقاد ما تجد عند الشعراء الغزليين من ذكريات حزينة هي اجمل ما في الحب ، دموع الصب علي قبر حبه :

قبر الهوي الغالي . وواحسرتاه

غير الهوى الذاهب في منتهاه

هل بعد خمسين هوى يا حزين !

إنك هنا نلمس الحب الإنساني ، الحب في صورته الصادقة . صورة الألم الشيخ والشاب سواء عند هذه الصورة ، يا لجمال الالم الهادي والحزن الوديع في هذه الصورة أو استمع إلي العقاد وهو يتحدث .

دفنته . ويحك ! هل تستريح

يا خارب القلب عمرت الضريح

ذاك التري المنهال ذاك الصفيح

يا ليته ركن الخراب الفسيح

أوليتك الساعة فيه الدفين

ولقد تظن أن اعاصير مغرب كلها غزل ، ولقد يقوي هذا الظن في نفسك عند ما تطالع مقدمة الآستاذ العقاد وكلها تدور حول سن الغزل والدفاع عن غزل الشيوخ ، وثمة تلك الفلسفة ، أو التفلسف البديع ، الذي تمتاز به مقدمة العقاد حتى لأعدها بالنسبة لكتبه ، كمقدمات شو بالنسبة لرواياته ، جزء من العمل الأدبى نفسه .

قد تظن ذلك ، ولكن الديوان ليس كله غزل ، إن فيه من شعر المناسبات قدر لا بأس به . قد يأخذ بمشاعرنا منه قصيدة رثاء ( هي ) وهي قطعة من قلب إنساني تفطر أمي . . ثم غير هذه القصيدة قصائد أخرى قد تلمس في كثير منها ما يعرفه الجغرافيون بأنه مناطق الركود في الإعصار !

ثم ، وكنت قد نسيت ذلك ، هناك القسم الأول من الديوان ، إنه مقطوعات صغيرة تحوي أفكارا منظومة ولا أدري لم لا أحب الفلسفة المنظومة ؟ إنها تذكرني دائما بالمدرسة العلمية القديمة التي كانت تقرب العلوم إلي الإفهام بنظمها في قصائد تسهل على الطلاب فهمها . ولطالما خطر لى هذا السؤال . . ترى لو ان ابي العلاء ارسل لزومياته نثرا ؟ ألم يكن ذلك أجدي علي الفلسفة الحديثة ؟ ؟

إن أبيات العقاد الفلسفية في خلال دواوينه المختلفة تبعث إلي مخيلتي دائما صورة المخلوقات الخرافية التي حدثنا عنها الأساطير مخلوق نصفه إنسان ونصفه أسد ، كل الفارق  هنا أننا أمام قلب . قلب نصفه نصف قلب شاعر . ونصفه الآخر نصف عقل فيلسوف . .

لقد فرغت من كتابين وبقي كتابان ، وأحسب أن صفحات هذا العدد لن تتسع لا كثر من هذا . ولن يضير كتاب الحكيم الإمهال فهو صاحب صيت في القصة ، وكتاب المازني بين أيدي الباعة تجهر به صباح مساء

اشترك في نشرتنا البريدية