يقول ديهامل : " إن دليل الصحة هو أن لا يفكر الفرد في جسمه ، فهو يتخذ كل يوم بعض الاحتياطات الأولية ، وبذا تتم عنايته به ، فيأكل ويشرب ويغتسل ويعدو إلي أعماله . فهل تراه من ساعة إلي ساعة ومن دقيقة إلي اخري يتساءل في لهفة عن حركة بنكرياسه
أو غدده الكلوية ؟ أبدا ، بل إن هناك مجالا للأمل في أن يجهل حتى اسمها وحتى موضعها من الجسم ، فإذا أحس بمعدته دل ذلك على أن هذه المعدة ليست في حالة جيدة وما يصدق على صحة الجسم بصدق علي اتزان الهيئة الاجتماعية وسلامة بنائها ، فعندما تسمع اصواتا ترتفع من كل جانب تنادينا بأن نضع الأدب في خدمة
الحياة الراهنة ومعالجة مشاكلها ، وأن تقف أقلامنا علي الحديث عن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية ؛ وعند ما تري جهودنا في بعث تراثنا القديم او نقل التراث الجديد إلي لغتنا ، عند ما نرى كل محاولاتنا في توسيع افق الفكر أو إرهاق الحس توصف بأنها " هراء مسخته رغبة المهارة وخليته صفة البراعة وحب الظهور ، حتى انحط عن بعض العاب التسلية ، أو صار وسيلة للكسب ومطية
لخدمة الأغراض الخاصة . . الخ مما تفضل فجاد به صاحب مقال " ما بعد المنهج الفقهي ، عند ما يحدث كل ذلك لا تملك ان تصبح في عزم وقوة بأن الهيئة الاجتماعية التى نعيش بينها مريضة ، وان من واجبنا وواجب كل من يستطيع شيئا في هذا السبيل أن يعمل لتشخيص الداء والتماس الدواء .
أما أننا نعيش في هيئة اجتماعية مريضة ، فذلك ما لا يقبل الشك ، وفي وفرة ما يكتب اليوم عن حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية أكبر دليل على ذلك
المرض ، وإنه لمن الواجب كما قلت أن نلتمس العلاج ، والآفة الكبرى التي لا بد من تسليط الضوء عليها هي آفة الخلط بين القيم
في المقالة التي أناقشها الآن خلط بين أشياء لم تفهم . فالكاتب قد خلط بين الأدب وغيره من مواضيع الكتابة كالسياسة والاجتماع والاقتصاد ، كما خلط بين الأدب ومنهج دراسة الأدب .
خلط الكاتب بين الأدب وغيره من الأبحاث ، ومصدر الخلط في تفكيره إنما اتاه كما اتي غيره ممن تلقاهم وتسمعهم بكل سبيل من معرفته معرفة ناقصة مبتسرة ببعض الجمل التي أذاعها المبسطون بأوربا كعبارة أرنولد عن الأدب بأنه " نقد للحياة " ، وعبارة كارل
ماركس عن فلسفة التاريخ " بمادية التاريخ " ، أي بحكم نظم الاقتصاد في تطور التاريخ ، ورسم الخطة لذلك التطور ، وأما أن يتمهل كاتبنا في فهم ما يعنيه أرنولد " بنقد الحياة " وأما أن يمعن النظر في العوامل الإنسانية غير المادية التي لا تقل أثرا عن النظم الاقتصادية في السيطرة على سير التاريخ ، فذلك ما لا يريده كاتبنا ، ولعله لا يستطيعه
لقد أصبحت عبارة (نقد الحياة)of life criticism عند كاتبنا مرادفة " للاهتمام البارز بالحياة وانباء الحياة ، " وإدراك ما للنظم الاقتصادية من المؤثرات الأولى في حياة الناس والجماعات روحيا ونفسيا ومعنويا . وبذلك يوفق - فيما يظن - بين نظرية أرنولد في الأدب ،
ونظرية ماركس في فلسفة التاريخ ، ويكون هنا علي الأدب أن يكون همه الأول مثلا الحديث عن الصناعة بمصر وما تبشر به نشأتها من نمو الوعي السياسي عند طبقة العمال ، وعن توزيع الثروة في مصر وطرق إعادة ذلك التوزيع على أساس جديد ، وما شاكل ذلك ، وأما
أن يتحدث الأدب عن حياتنا النفسية ، وأما أن يمد الأدب من آفاق تفكيرنا ، وأما أن يرهف الأدب إحساسنا ، وأما أن تحاول بعث ماضينا ، أو نشر الثقافة الحرة ، فكل هذا هراء وادعاء وحذلفة . لو صح هذا لوجب أن توفر جهدنا على الصحف الحزبية اليومية تبشر فيها بهذا المذهب أو ذاك .
والداء بعد أعمق من كل ذلك فهناك خلط مخيف بين الثقافة الحرة والتفكير العملي . هناك عدد من الشبان يظنون أننا لسنا بحاجة إلى الثقافة الحرة ، لأن هذه الثقافة لا يحتاجها إلا المرفهون المتعمون الأغنياء ، وما نحتاجه نحن إنما هو التفكير العملي ، اي التفكير السياسي الذي يخفف بالحلول التى يدعو إليها ، والتي قد ينجح في تنفيذها
من فقر البؤساء والمحرومين والمظلومين ، وكاتب هذه السطور ليس بغافل عن البؤس والجهل والمرض ، ولا عن فتك تلك الأوبئة بمواطنينا ، ولقد سبق له ان تحدث عن ذلك في " الثقافة " ذاتها بعنوان " بؤسنا المادي ولكنه يرفض الخلط بين الأشياء ، ويري في هذا الخلط جهلا خفيفا يجب أن يحاربه بكل قوته .
مثل من يزعمون أن الثقافة الحرة ترف لا نفع من من ورائه كمثل من يقول للدول المحاربة إن من واجبك ان تغلق جامعاتك ومعاملك لأنك لست في حاجة إلي التفكير الخالص ، بل في حاجة إلي مصانع للذخيرة والمؤن وناصح كهذا لا يدل بنصيحته تلك على فهم عميق ، فإن الجامعات والمعامل هي التي تفتح المصانع ، واليوم الذي يتوقف فيه التفكير الخالص عن العمل ، ستتوقف فيه المصانع لان هذه انما تطبق التفكير الخالص الذي يبدو للجهلاء بعيد الصلة بالإنتاج المادي .
وكذلك الأمر في الأدب الخالص ، فهو الذي يحد أدراك كاتبنا فيستطيع أن يصف التفكير الحر بأنه هراء
وهو الذي يرهف حسه فيجعله بقدر بؤس غيره ، بل هو الذي يحمله على الوعي بما هو فيه من بؤس ، هو ونحن والجميع ، وعندما يقف الأدب عن تقديس المعاني الخالدة من خير وجمال لن يستمع احد لصيحات كاتبنا ولو صاغها قوية قوة كتاب " رأس المال " .
ثم أي فائدة في أن نعيد ما قلناه وقاله غيرنا مئات المرات ، في مصر ظلم اجتماعي في توزيع الثروات ، بل في توزيع الحقوق حتى القانوني منها ، وهذا ما يعرفه الصغير والكبير . في مصر إلي جانب الظلم الاجتماعي فقر عام ،
لا سبيل إلي علاجه بغير تعزيز الصناعة ، في مصر جهل لن يبدده إلا علم صحيح مغاير لما نراه الآن في معاهدنا الصغير منها والكبير . في مصر مرض لن يقضي عليه مالم تعالج عقلية الأطباء . في مصر أدواء كثيرة نعرفها جميعا وتعرف طرق علاجها ، ولكن العلاج لن يجدي إلا إذا أعدنا التربية الخلقية لمن يقومون على ذلك العلاج ، وأي نتيجة لكتابتي وكتابة غيري في كل ذلك . الأمر لا يحتاج إلي كتابة وإنما يحتاج إلي عمل ، يحتاج إلي تنظيم أحزاب ، وهذا ليس من شأني كرجل قد قبل أن يقف نفسه -الآن - على نشر الثقافة في حدود قدرته .
واجبى إذن هو أن أقول لكاتب المقال إن نقد الحياة ليس معناه ما ذكرت ، وإنما معناه فهم الحياة اي فهم النفس البشرية ، ذلك الفهم الذي يغضبك ان توفر عليه قلمنا ، وكل ما نكتب ليس له غاية غير هذا الفهم سواء كان عن دخول نفسه او طرائق لغوية او موضوعات نموذجية أو آلام وامال خاصة " ونحن مطمئنون إلي أن جهدنا لن يضيع سدى إذا وصلنا إلي شئ مما نريد .
وأكبر دليل على أن أرنولد لم يقصد من " نقد الحياة " إلي ما ذكرت هو أن الرجل قد انفق جهدا كبيرا في اقناع معاصرية بضرورة دراسة القدماء وبخاصة الإغريق
مما تستطيع أن تتبينه من " مقدمته " لقصائده ومن " مقالاته في النقد " وهو يفعل ذلك لإيمانه بأن القدماء قد فهموا من النفس البشرية جانبا كبيرا ، وأنهم قد صاغوا مافهموا في جمال لا تعرف امثل منه في تهذيب النفوس .
وأما عما تراه من فهاهة التوفر على دراسة الجاحظ وقدامة والعسكري والجرجاني فأمر عجيب . إن حاولنا بعث تراثنا القديم قال : أمثالك هذا هراء وإن حاولنا نقل التراث الغربي قلتم هؤلاء قوم مترجمون فماذا تريدوننا أن نفعل . أظن أنه الصمت
هناك شئ يجب أن نقوله وهو أننا اليوم في مرحلة يجب أن تتوفر فيها كل الجهود على أمرين ( ١ ) نشر الكتب العربية القديمة ودراستها وبعثها ( ٢ ) نقل التراث الأوربي عن سبيل الترجمة ، ومن الواجب أن يفهم الجميع أن النشر والترجمة هما اشرف عمل وانبل نشاط نستطيع التوفر عليه الآن ، بل اقول إنه من الضروري ان نعرف
معنى التواضع والأمانة العقلية وروح العلم الصحيح ، وان نشرب أنفسنا بالوطنية ، فنعمل مخلصين لمصلحة بلادنا بنشر تراثنا القديم ونقل التراث الغربي كاملين فعندئذ يحق لنا ان نفتخر بعملنا ، وان نعتز بمجهودنا إذ نكون قد مهدنا لنهضة وطننا نهضة حقيقية لا كتلك التى تخدعك اليوم وما هي إلا بهرج زائف ونصب عقلي
أي نقع لبلادنا بل لأنفسنا في أن تدعي التأليف ويكون عملنا هو عدم امانة في الترجمة . نترجم ما يسهل علينا فهمه ونهمل ما يشق ثم ننثر حول النص الأوربي شيئا من هذياننا الشخصي ، وبعد ذلك تدعي اننا قد ألفنا كتبا ، ومن يستطيع في هذا البلد ان يدرك أصالتك إن كانت لك أصالة وأنت تتكلم عن نصوص ، ومؤلفين ومؤلفات مجهولة من الجميع .
إن كان صاحب المقال حريصا على موضوع ادبي عملي يكتب فيه فيصيب من ورائه الجد فأنا أدل على ذلك الموضوع الذي لا يقل أهمية عن المسائل الاقتصادية ، وذلك هو أن يحمل الحكومة على إنشاء " وزارة للنشر والترجمة " لا تقل ميزانيتها عن ميزانية أكبر وزارة ، وأن يكون عمل تلك الوزارة ، نشر الكتب العربية القديمة ، وترجمة عيون الأدب والفلسفة والتاريخ والجغرافيا والكيمياء . . الخ الموجودة الآن بالعالم الغربي وإنشاء تلك الوزارة خير من فتح عشرين جامعة
عندئذ سأومن بأن كل مشاكلنا ستحل ، وأن أفراد الشعب سيجدون تلك الحلول ويملونها على حاكميهم فان لم يستطع كاتبنا أن يقوم بحملة كهذه رجوته أن يتركنا . . الأستاذ خلف الله وأنا نقتل رغم صداقتنا الشخصية حول منهج الادب وحقائق اللغة ، فمن يدرينا لعل هذه الهنات الهيئات أن تخصب نفسا او تشق خيالا أو تهذب ذوقا

