الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 607 الرجوع إلى "الثقافة"

دراسات في الأدب المصري الحديث :, الخليل

Share

- 2 - مذهبه في الشعر

قال خليل مطران في مقدمة الجزء الأول من ديوانه متحدثا عن شعره :

" عدت إليه وقد نضج الفكر واستقلت لي طريقة في كيف ينبغي أن يكون الشعر ؛ فشرعت أنظمه لترضية نفسي حيث أنجلى ، أو لتربية قومي عند وقوع الحوادث الجلى ، متابعا عرب الجاهلية في مجاراة الضمير على هواه ، ومراعاة الوجدان علي مشتهاه ، موافقا زماني فيما يقتضيه من الجرأة على الألفاظ والتراكيب ، لا أخشى استخدامها أحيانا على غير المألوف من الاستعارات والمطروق من الأساليب ، ذلك مع الاحتفاظ جهدى بأصول اللغة وعدم التفريط في شئ منها إلا ما فاتني علمه أو تجاوز إدراكي فهمه ، ولم أكن مبتكرا فيما صنعت ؛ فقد فعل العرب في كل زمان قبلي ما لا يقاس إليه فعلي ؛ فإنهم توسعوا في مذاهب البيان توسع الرشد والحزم ، وجاريتهم في تصريف الكلام على ما اقتضاه هذا العهد من أساليب النظم .

فيا هؤلاء ، نعم هذا شعر عصري ، وفخره أنه عصري ، وله على سابق الشعر ، مزية زمانه على سالف الدهر

هذا شعر ليس ناظمه بعبده ، ولا تحمله ضرورات الوزن أو القافية على غير قصده يقال فيه المعنى الصحيح باللفظ الفصيح ولا ينظر قائله إلى جمال البيت الفرد ولو أنكر جاره وشاتم أخاء ، ودابر المطلع ، وقاطع المقطع ، وخالف الحتام ، بل ينظر إلى جمال البيت في ذاته وفي موضعه وإلى جملة القصيدة في تركيبها وفي ترتيبها وفي تناسق معانيها وتوافقها ، مع ندور التصور وغرابة الموضوع ومطابقة كل

ذلك للحقيقة وشفوفه عن الشعور الحر وتحري دقة الوصف واستيفائه فيه على قدر .

كذلك حاولت أن أصنع شعري وأعرف أنني لست من العلم واقتدار الفكر في المكان الذي يبلغني منه أوفي المرام ، ولكنني تيقنت أن ما أردته به من الأغراض قد نفذ إلي قلوب قارئيه وأحدث فيها ما ابتغيه من الأثر ، وكفى بذلك سرورا لي ورضي ، إلى أن يجيء في زماني أو بعدي من يدرك من طريقتي الشأو الذي قصرت عنه ويصل إلى المقام الذي لم أدن منه .

على أنني أصرح غير هائب أن شعر هذه الطريقة - ولا أعني منظوماتي الضعيفة - هو شعر المستقبل لأنه شعر الحياة والحقيقة والخيال جميعا ، وللدلالة على صعوبة الوصول إلى الإتقان في مثل هذا النوع من النظم نشرت في هذا الديوان القصيدة الأولى من شعر الصبى وعدة قصائد أخرى ، كان في وسعى أن أضرب عنها صفحا وان اكتفي بما استجيده من قولي ولا آخذ علي نفسي فيه شيئا ؟ غير أنني اثرت أن يدارجني القارئ مدارجة على كونها غاية في الإيجاز تمثلني لديه تمثيلا إجماليا في كل حال مررت بها من أحوال هذه الطريقة ؟ وليس أكثر شعري هذا بين الطرس والمداد إلا مدامع ذرفتها وزفرات صعدتها وقطعا من الحياة بددتها ثم قطعتها فتوهمت أني استعدتها .

على أنني لم أخل إلي الآن شعري من كل ما آخذ عليه السابقين يسيري علي هذه الطريقة الفطرية الصحيحة ، ولكنني أرجو أن اقدم على ذلك في المستقبل إن كان في الآجل فسحه" ماذا يعنى مطران بهذا الكلام الذي ألقاه على الناس عام ١٩٠٨ ؟ ماذا يعني بقوله : " سأجاري الضمير علي هواه

والوجدان على مشتهاه ، موافقا زماني فيما يقتضيه من الجرأة على الألفاظ والتراكيب " ؟

إنها الثورة على أوضاع الشعر العربي والخروج على ما تواضع عليه القوم حتى ذلك اليوم ، وقد كان مطران في ثورته ابتداعيا متأثرا إلى حد ما تأثرا مثاليا بالابتدائيين الفرنسيين أمثال لامارتين وهوجو وموسيه ، لاسيما الأخير منهم الذي قال فيه :

شاعر كان عمره بيت تشبي

بر وكان الأنين فيه الرويا

وهو وصف ينطبق على شعر الشباب عند مطران الذي زخر بالمذهب الابتداعي ) الرومانتيك ( وتغلب فيه الشعور والخيال علي العقل والتفكير مع روح من اليأس والتشاؤم والامتزاج بالطبيعة الخالدة إلي حد التفاني

وقد تحرر مطران في ثورته على أوضاع الشعر العربي القديم من كل ما يعوقه عن التعبير الصحيح عن مشاعره . ولعله أول شاعر معاصر تحرر من ضرورة القافية مع العناية التامة بوحدة الموضوع ، وهذه أبيات من إحدي قصائده الباكرة

البحر ساج والسكينة سائده

والليل داج والمدينة راقده

غمر الظلام هضابها وجبالها

وقلاعها وبروجها فأزالها

شبه المحيط المستوي وبقاعه

ما لا يري من شمه وبتاعه

لانجم في الأفق العجيب ماهر

خلل السحاب ولا سراج ساهم

وإذا أصاح إلي الجهات مطيف

سمعا فلا ركز بحس خفيف

إلا خطا شبح ضئيل هائم

كالوهم يسري في مخيلة واهم

ولقد كان لمطران علم غزير باللغة العربية وأسرارها ومفرداتها وصيغها ومبانيها ، تعاونه على ثورته الابتداعية ، فأتى بكل مبتكر في موضوعاته وتشبيهاته وصوره الشعرية الرائعة فجاءت كما أرادها :

خواطر وضاءة

بها ملامح السهر

البستها من ادمعي

ومن دمي هذه الحبر

قشية غريبة

عصرية نسج مضر

وكان لمطران ما أراد من أثر في معاصرية ، فالتف حوله تلاميذه ومريدوه وتابعوا طريقته ودعموا مدرسته في الشعر العربي ؛ بل لاتعدو الحقيقة إذا قلنا إن مطران قد علم جيلا من الأدباء ؛ ولعل الدكتور أبا شادي خير معبر عن رأي هذا الجيل بما ذكره في ديوانه " أنداء الفجر " عن مطران : " عرفت محبة هذا الرجل الإنساني وأستاذيته منذ ثلاثين سنة ، إذ تعهدني صغيرا وجيت أهتدي بهدية ، وأثره في شعري اثر عميق ، لأنه يرجع إلي طفولتي الأدبية ، ويصاحبني في جميع أدوار حياتي ؛ وإذا كان استقلالي الأدبى متجليا الآن في أعمالي فهو في الوقت ذاته يمثل الأطراد الطبيعي للتعاليم الفنية التي شربتها نفسي الصبية من ذلك الأستاذ العظيم ، وما زالت تحرص عليها نفسي الكهلة الوفية ، ناظرة إلى آثار الصبي وإلى معلمي الأول بحنان عميق " .

وإذا كان لمطران مدرسة في الشعر فإنه لم يكن صاحب مذهب في الفلسفة ، وما ورد في أشعاره في هذه الناحية لا يعدو أن يكون معاني معادة طرقها الشعراء من قبله كقوله :

هم فجر الحياة بالإدبار

فإذا مر فهي في الأثار

والصبي كالسكري نعيم ولكن

ينقضي والفتي به غسير داري

نعم المرء عيشه في صباه

فاذا بان عاش بالتذكار

أو قوله وقد رام إظهار هوان شأن الإنسان وهو

مخاطب فراعين مصر بناة الأهرام :

يا أيها الموتي ألم يسمعكم

صوت المنادي صادعا مرددا

قوموا انظروا السوقة فيما حولكم

تدوس هامات الملوك عمدا

قوموا انظروا أجسادكم معروضة

في مشهد لمن يروم المشهدا

بعث به يسألكم حساب ما

قدمتم من راح منا واغتدي

لم يغنكم منه البناء عاليا

والارض تهيأ والملوك أعبدا

وكانت هذه الأشعار الفلسفية تغلب عليها صبغة الاستسلام لقدر الله وتصاريف الحياة كقوله :

فإذا وجدت الأمر مق

ضيا أسرك أم شجاك

وعلمت أن الله يب

لو خائفية كما بلاك

ووثقت أن عظيم حز

نك انما يدمي حشاك

سلم إلي تلك الجلا

لة فهي من عال تراك

سلم وقل يا رب إن

رضاي ما فيه رضاك

فاجعل شقائي نعمة

لابني وسعدا في حماك

هذا هو السنن القويم

فكل أساك إلى تذاك

ومطران في سبحاته الفلسفية هذه واسع أفق التفكير كبير القلب ، يشمل بنظرته الإنسانية جمعاء دون النظر إلى اختلاف في المذاهب أو الأديان أو الأجناس .

وهاك مثلا من هذا التفكير الفلسفي العاطفي في قصته الشعرية ) الطفل الطاهر ( ، وهي من أروع قصصه الشعرية التى تنبع من عاطفته الإنسانية العميقة ، وفيها يثور على أحد رؤساء المذاهب الذي أصر على إبطال عقد زواج بين اثنين ، ولو تم هذا الإبطال لألحق بولدهما البريء العار ، وكان الزوج المسيحي تزوج على غير مذهبه الأصلي :

يا طفل قلب طرفك المترددا

أو ما تري شبحا عبوسا أسودا

متجسسا لك من وراء ستار

هذا أساء إليك قبل المولد

وجني عليك جناية المتعمد

ومن السماء دعاك صوب النار

زعم الإله يريد مثلك مذنبا

من يومه ومعاقبا ومعذبا

في الغيب قبل مظنة وسرار

رسل للسيح الشاربين دماءه

الاكلين بلا نفسي أحشاءه

المولين عليه كل نهار

الله أوحي فكرة هي دينه

فمن اهتدي هي نوره ويقينه

أو ضل فليبحر بغير منار

نزلت على الغادي الأمين الشافع

كلما تلألأ تحت لفظ جامع

قدسية النفحات والآثار

الحب في المعنى النعيم الكامل

معنى المراحم والفداء الشامل

بالسير للأعداء والأنصار

لا تنقضوا بيتا لدي تكوينه

وحذار من يتم الصغير بدينه

وحذار من يأس الهضيم حذار

هذي المذاهب كلها دين الهدي

كأشعة الشمس افترقن إلي مدى

والملتقي في مصدر الأنوار

شاعريته

لاشك في أن مطران كان له خيال واسع مبتكر ونفس شاعرة شديدة الحساسية انعكست في مرآتها الصافية احداث عصره وانفعالات نفسه .

كان له وجدان مرهف سريع التأثر بما تقع عليه العين وما يعترض طريقه في الحياة ، فيترجم عما يحسه بشعر بالغ في الروعة لأن وراءه كنزا لغويا عظيما ، ولذا فكثير من شعر مطران تدرك في تضاعيفة جودة الصنعة الفنية ، من جزالة اللفظ وبسط المعني وإبراز الفكرة وإحكام القافية . وقد قيل إن مطران كان يشقى شقاء مرا في صياغة الشعر وإفراغه في قالب خاص ، فالكلمة عنده لها قدرها ، والجملة لها قيمتها ، وكان يحرص أشد الحرص على انسجام موسيقاها وتناسب روابطها .

وإن الأمثال كثيرة لا سيما من هذا الشعر الغنائي المنتشر في ديوانه ، والذي تكاد تحس موسيقي ألفاظه كقوله :

حسناء لكن نفور

باد عليها الفتور

لا تكسر الجفن إلا

وقلب صب كسير

ولا تبسم الا

وجفن باك يمور

ولا تلفت الا

وجيرة الحي صور

يا قرة لعيوني

في الصدر منها سعير

كم جئتكم متزيرا

وطيفكم لا يزور

ان كان صبري قليلا

فإن وجدي كثير

وما المحب صدوق

في الحب وهو صبور

وإن الكلمات لتكاد تهتز طربا لما حواه تركيبها من موسيقي لفظية عجيبة باستعمال اللام المكررة في قوله :

القلوب والمقل

هن للهوى رسل

لسن للهوي عللا

في الهوي لها علل

أو قوله مستعملا حرف الراء المكررة :

سررت في العمر مرة

وكنت أنت المسره

كانت حياتي روضا

وكنت في الروض نضره

وكان غصنا شبابي

وكنت في الغصن زهره

وكان فكري سماء

وكان حبك فجره

وكان لحظك يهدي

الي بياني سحره

ويغلب على شعر الشباب الروح الابتداعية التي تغلب العاطفة على العقل ، وقد أخرج لنا مطران في تلك الحقبة من حياته شعرا في الصدارة من الشعر الغزلي للعصر الحديث أفردنا له مكانا خاصا من هذا البحث .

اشترك في نشرتنا البريدية