يستوي الموتُ في المكان النائي ... ومكان الأجداد والآباءِ
يا غريب الممات ما نحنُ إلا ... غرباء في منزل الغرباءِ
كلُّ أَرض ضمتكَ فهي وسادٌ ... يستوي عندها مصيرُ الفناءِ
من دعته منيةٌ لبلاد ... مات فيها إجابةً للنداءِ
قدَرٌ حائن على المرء لم ينْ ... أقريبٌ عنه ولم ينجُ نأئي
من تفته المنونُ في بأساء ... لم تفته المنونُ في النَّعماءِ
أَخطأتك الأقدارُ والبأس يغلي ... في فلسطين والحمى في دماءِ
وأصابتك في مكانٍ أَمين ... رُبَّ أَمْن يجذُّ حبل الرَّجاءِ
لم تمت ميتة الجبان ولكن ... متَّ في العلم ميتة الشهداءِ
كُنت في ساحة العروبة سيفاً ... من نفاذ ومُنصلاً من مضاءِ
لم تُجاهد بالسيف فيها ولكن ... كُنت فيها مُجاهد الآراءِ
رُبَّ فكر أمضى من السيف في الذَّو
... د ورأىٍ أحمى من الهيجاءِ
حاجة الشرق للسيوف المواضي ... مثلُ حاجاته إلى العلماء. . .
لغة الضاد رُوِّعت فيك لما ... فقدت فيك واحد الأُدباءِ
كنت صدر الرُّواة في مجلس القو ... م وشيخ التقات في الأنبياءِ
كنت جيلا من الرواية ولىَّ ... بعد جيل الرُّواة والقرَّاءِ
وزماناً في الحفظ غير خلاء ... ومكاناً في الفضل غير خواءِ
حافظاً للتراث في غير زهو ... كاختيال الغبيّ أو خُيلاءِ
كنت تروى كقارئ من كتاب ... عصبىَّ البيان فخم الأداءِ
تنشر المكرمات من عهد عدنا ... ن وتحي مكارم الصحراءِ
وتعيد الحديث عن كل ماض ... حافل بالفخار والعلياءِ
كُنت تتلوهُ في اعتزاز المباهي ... وافتخار البنين بالآباءِ
كانت العربُ كلها لك قوماً ... تنتمي عندها أعزَّ انتماءِ
لم تُكاثر إلا بهم وتفاخر ... لم تكاثر في مجلس بثراءِ
شهد اللهُ ما سمعتك يوماً ... مسرفاً في ظواهر الأشياءِ
شهد اللهُ ما رأيتك تُعنى ... بخداع المنى وزُور الثناءِ
تعس الناسُ فيم يشمخ منهم ... شامخ بالمظاهر الجوفاءِ؟
كيف يُزهى بالمال والجاه من لا ... يملك المالُ عنه ردَّ القضاءِ
كيف يُزهى بالمال والجاه من لا ... يتوقى في صحة من داءِ؟؟
يا دفيناً في أرض مصر وكانت ... لك في القدس أرحب الأرجاءِ
كيف ضنَّ الحمى عليك بشبر ... من تراب وحفنة من هباءِ؟
مصر ضمت ثرَاك وهي وعاء ... لكنوز مذخورة للِبقاءِ. .
قدًرٌ ساقك الغداة إلينا ... لِتلبى بمصر حُكم السماءِ
كلُّ شبر من العرُوبةِ مأوى ... لِوداد وَملجأ لإخاءِ. . .
لا أقولُ انتهت حياتك فينا ... أنت باق بالذكر في الأحياءِ
أنت على من الرثاء. . ولكن ... هذِه أدمعي. وهن رثائي
