أذعت حديثا من القدس في أواخر الخريف الماضي موضوعه : النواحي النفسية في خطب العرب ، قلت في صدر هذا الحديث ؛ لما تصدي رجال الأدب للكلام على خطب العرب اشاروا إلي ناحية الفن في هذه الخطب ،
وأعقلوا الإشارة إلي الناحية النفسية فيها ، فقد اشتملت خطب العرب علي براهين قاطعة تثبت لنا علم أصحابها بأسرار النفوس ، ووقوفهم على حقائق الطبائع ، واطلاعهم على ما يستثير الجماهير ويسكنهم ، ويغضبهم ويرضيهم ، لقد كان كثير من خطباء العرب ، عمالهم وامرائهم وخلفائهم علماء النفس قبل أن يكونوا امراء البيان ، راضوا النفوس قبل ان يروضوا الكلام ، وملكوا ازمة الناس قبل أن يملكوا أزمة البلاغة ، ويكاد يكون لسعة علمهم ببواطن النفوس الأثر الأبلغ في نجاح سياستهم في قديم الدهر .
واليوم أتوسع في هذا الموضوع ، فإن التوسع فيه يكشف لنا الغطا عن مبلغ اتصال رجالات العرب بنفوس البشر وفهمهم لدقائقها ، فقد كانوا يخاطبون الناس على مقادير عقولهم ومراتبهم واخلاقهم وامزجتهم ، ويتجاهلون في أماكن التجاهل ، وينخدعون في مواطن الانخداع ، ويضعون الندى مواضعه والسيوف مواضعها ، على رأي المتنبي .
لقد كنت في أثناء بعض مطالعاتي لكتب التاريخ أو لكتب الأدب أدون أمورا صغيرة وأمعن في النظر فيها ، وقد يظن الإنسان لأول وهلة انها لا شأن لها . ولكنها كانت عنوان نجاح سياسة أصحابها .
مرة كانت هذه الأمور تدل على معاملة الناس بحسب
طبائعهم وأمزجتهم ، جاء في الجزء الخامس من كتاب أنساب الأشراف ما يلي : قالت عائشة : دخل أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو مضطجع وعليه ثوبه فقضى حاجته وخرج ، ودخل عمر فقضي حاجته وخرج ، ثم جاء على فقضي حاجته وخرج ، ثم جاء عثمان فجلس له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت له عائشة ؛ لم تصنع هذا بأحد ، فقال : إن عثمان شديد الحياء ، ولو رأني على تلك الحال لا نقبض عن حاجته وقصر فيها .
قد تمر بخبر مثل هذا الخبر ، فإما أنا لا يحتفل به ، وإما أنا لا تهتدى إلى جلالة قدره في معرفة عبقرية سيدنا محمد صل الله عليه وسلم ، فهو عنوان من عناوين هذه العبقرية ، وما أظن أن الذين كتبوا في سيرة الرسول أهملوا أشباه هذا الخبر ، ولو فعلوا لما كانت كتابتهم كتابة ، فقد كان سيدنا محمد عالما بنفوس جماعته وصحابته ،
واقفا على أسرار أخلاقهم ، محيطا بغوامض أمزجتهم ، يعلم ما يغضب له فلان من الصحابة رضوان الله عليهم . وما يرضي به فلان ويعرف ما يستثير فلانا ، وما يسكن به فلان ، فعامل كل واحد منهم المعاملة المناسبة له ، اللائقة به ، حتى أشربت القلوب محبته ، وانطوت على طاعته ،
فلم ينقض أحد من حوله ، وهذا منتهي الحذق في سياسة الناس ، وليس يعلم ما لهذه الأمور النفسية من الشأن في سياسة الخلق إلا الذين كتب لهم ان يمارسوا هذه السياسة ويعالجوها ، وما كثر الذين ينفضون من حول زعيم من الزعماء لأنه فظ ، غليظ القلب ، وما اكثر الذين ينضمون إلي رئيس من الرؤساء لانه رقيق القلب ، لطيف الحس ، ينزل الناس منازلهم ، ويخاطبهم على قدر مراتبهم ، وهذه حكمة يختص الله بها من يشاء ويحرمها من يشاء ، ولهذا الاختصاص ولهذا الحرمان ابلغ الأثر في التوفيق في سياسة الناس أو في الأخفاق فيها .
ومرة تدل هذه الأخبار الصغيرة على تجاهل رجال السياسة وانخداعهم بحسب مقتضي الحال ، فقد جاء في الأغاني في كلام صاحبه عن عبد الله بن الزبير الشاعر الكوفي ما يلي :
لما هرب ابن الزبير من عبد الرحمن ابن أم الحكم إلى معاوية أحرق عبد الرحمن داره ، فتظلم منه وقال : أحرق لي دارا قد قامت على مائة ألف درهم . فقال معاويه ما اعلم بالكوفة دارا أنفق عليها هذا القدر ، فمن يعرف صحة ما ادعيت ؟ قال : هذا المنذر بن الجارود حاضر ويعلم ذلك . فقال معاوية المنذر : ما عندك في هذا ؟
قال : إني لم أبه لنفقته على داره ومبلغها ، ولكني لما دخلت الكوفة وأردت الخروج منها أعطاني عشرين ألف درهم وسألني أن ابتاع له بها ساجا من البصرة ، ففعلت . فقال معاوية : إن دارا اشتري لها ساج بعشرين ألف درهم لحقيق ان يكون سائر نفقتها مائة ألف درهم ، وأمر له بها ، فلما خرجا ، أقبل معاوية على جلسائه ثم قال لهم : أي الشيخين عندكم أكذب ، والله إني لأعرف داره ، وما هي إلا خصائص قصب ، ولكنهم يقولون فنسمع ، ويخادعونا فننخدع ، فجعلوا يعجبون منه !
ليس في كذب هذين الشيخين : الشاعر عبد الله بن الزبير والمنذر بن الجارود شئ من العجب ، ولا في قطنة معاوية إلي هذه الكذبة شيء من البراعة ، ولكن البراعة كل البراعة في استعداد معاوية لسماع الكذب وهو عالم به ، وفي انخداعه وهو شاعر بالخديعة ، حتى ظن الشيخان حذقهما ، وأنهما غشاه ، وهذا أسلوب من أساليب معاوية في سياسة الناس ، يعلم بالكذبة فينزلها منزلة الصدق ، ويعلم بالخديعة فيحلها محل النصح ، ولو لم يفعل هذا وأشباهه لما وجد مدخلا على قلوب الناس وتمكنا في هذه
القلوب ، وليس في كل وقت يجوز لخليفة مثل معاوية تكذيب اللاجئين إليه ، فقد يضطر في بعض الأحوال إلي النزول إلي مراتب تفكيرهم وحيلهم ومداخلهم ومخارجهم حتى يتم أنسهم به ، ويكمل اطمئنانهم إليه ، ولولا هذا النزول لاشتدت الوحشة منه ، وهذا مذهب لا يحذقه إلا معاوية أو مثل معاوية ، ولكن من هو مثل معاوية في سياسة الناس ؟
وحينا كانت هذه الأخبار الصغيرة تفصح عن مخاطبة الناس على قدر منازلهم حتى لا يشتطوا في هذه المنازل ، قال الجاحظ : نزل رجل من أهل العسكر ، فقدا بين يدي المأمون وشكا إليه مظلمته ، فأشار بيده أن : حسبك ! فقال له بعض من كان يقرب من المأمون : يقول لك امير المؤمنين : إركب ، فقال المأمون : لا يقال لمثل هذا : أركب ، إنما يقال له : انصرف !
هذا الخبر الذي أحببت أن أختم به المقال غاية في الدلالة على معرفة الناس ، ولا يخطرن ببال احد ان في هذا النحو من كلام المأمون شيئا من العنجهية ، فمن الناس من لا ينقاد إلا بالشدة ، ومنهم من لا يطيع إلا باللين ،
وإذا استعمل رجال السياسة اللين مع الفريق الأول أفسدوا سلطانهم وهدموا بنيانهم ، حتى تطمع العامة في الاستطاله عليهم والمشاركة لهم في جلائل أعمالهم ، وإذا استعملوا الشدة مع الفريق الثاني نفروا القلوب واوحشوا النفوس ،
فلا يجدون من حولهم جماعة يجتمع بهم شملهم ويشتد بهم سلطانهم ، وقد قطن ابو الطيب المتنبي إلي هذا المعنى فقذف ببيته الخالدين : ووضع الندي في موضع السيف .
فإن إكرام المأمون لمن لا يقدر هذا الإكرام حق قدره قد يحمل على التمرد ، ولقد شاهدنا هذه الأمور بأعيننا ، ورأينا عواقب الذين استعانوا في سياستهم بالأوباش واعطوهم في معاملتهم اكثر من حقوقهم ، فلرجل السياسة طراز في
مخاطبة الخاصة ، وطراز في مخاطبة العامة ، واستعمال واحد منهما في مقام الآخر مفسدة لكل سياسة ، مضيعة لكل سلطان .
لم يضبط رجال العرب ما ضبطوه من الأعمال ولم يدلوا ما ذللوه من المصاعب إلا لمعرفتهم بهذه الأمور ونظائرها ، حتى كتب لكثير من الخلفاء وعمال بني اميه وبني العباس نصيب من السياسة الراشدة في إطفاء جمرة الثورات أو في تأليف القلوب أو في التزهيد والترغيب ، لقد أصبح علم النفس في عصرنا ، هذا قادرا علي حق اشد العضل إشكالا ، ولهذا يلجأ إليه في كل يوم رجال الدول ورجال الحروب ورجال الاقتصاد ! .
( دمشق )

