الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 229الرجوع إلى "الثقافة"

صور قضائية :، فى " مسوح الخدم ؟ "

Share

كنا في عدد سابق قد أتينا على وصف بعض حوادث الخدم في بيوت مخدوميهم ، واخترنا لذلك الوانا من الأمثلة ليشترك معنا القارئ في رسم الصورة الحقيقية لنفسية هذه الطائفة التي لا يخلو منها بيت ، والتي لا يخلو بيت ايضا من حوادثها . فالسيدة التي تعهد ببيتها لخادمها أثناء غيابها خليفة ان تعود فلا نجد الخادم ولا نجد نقودها . .

والسيد الذي يأتمن خادمه علي ورقة مالية ذات قيمة عالية حري ان يطول انتظاره لعودة هذا الخادم إليه . .

والمخدوم الذي تبلغ به سلامة النية ان يظهر خدمه على مكان نقوده ، اعتمادا علي أنه يحتفظ بالمفاتيح في جيبه ، جدير أن يفتح يوما عينيه فلا يجد غير هذه المفاتيح

والسيدة الحريصة التي يخيل لها وهمها انها احتاطت لكل طارئ حين منعت النقود ان تصل إلي يد خادمها عن اي طريق لا يحول حرصها دون ان يقوم الخادم ببيع كتب سادته الصغار ليجد هذه النقود . .

والسادة الذين يبلغ من سذاجتهم أن ينظروا إلي الفتاة التي بلغت الثانية عشرة من عمرها . علي أنها لا تزال طفلة سيفتحون أعينهم وما على " قصة غرام " بينها وبين اقرب عفريت من هؤلاء الأبالسة الذين يملأون الطرقات . وسيكون دورهم في هذه القصة انهم يقومون " بتمويل " ابطالها من حيث لا يشعرون . .

وقد أوضحنا هذا كله في كلمتنا السابقة ، وبقي عندنا بعد ذلك مثالان بارزان كانا جديرين بأن نفرد لهما كلمة خاصة لما اشتملا عليه من غرائب الملابسات ،

أما المثال الأول فهو ما قصته سيدة كريمة حين ذهبت إلي قسم البوليس لتبلغ انها قصدت يوما ما إلي منزل " الخياطة " التى تعاملها . وبينما هي هناك إذ دق الباب ،

فقامت إليه ربة الدار وفتحته فإذا أمامها صبي وسيم يلبس ( بدلة ) نظيفة فحياها بأدب ثم قال ) إنه هو الخادم الذي كانت قد أوصت " المخدم " ليبحث عنه فأفهمته السيدة أنها لم تكلف أحدا بالبحث عن خادم ، وانها ليست في حاجة إلي خادم لأنها تقوم بخدمة بيتها بنفسها . . وكان المفروض ان يقف الحديث عند هذا الحد ، وينصرف الغلام إلا انه ظل وافقا في خجل ظاهر ، ثم سأل السيدة عما إذا كانت لا تعرف أسرة في حاجة إلي خادم . .

وكانت السيدة " المبلغة " قد سمعت طرفا من الحديث وكان الفتي قد راقها بأدبه ونظافته ووجاهته . واسترعي انتباهها بغرابة سؤاله . فتقدمت إليه مستفسرة عن اصله وحاله ، وكيف انه يسعي للخدمة ، وهو على هذه الصورة

أشبه بتلاميذ المدارس منه بالخدم . فقال الفتي إنه تلميذ فعلا وإنه من مدينة الإسكندرية . ثم اغرورفت عيناه وهو يروي لها أنه كان وحيد والديه وانهما ذهبا ضحية الغارة الجوية الأخيرة التي أصابت الإسكندرية ، وأنه وقد على القاهرة مع المهاجرين لا يدري إلي اين يذهب ولا كيف يعيش بعد فقد أهله . وانه لبث في ميدان محطة القاهرة يومين يأكل مما يخرجه أهل البر الذين عطفوا على هؤلاء المنكوبين في محنهم ، ثم رأي أن لابد له من مواجهة الواقع بشيء من الشجاعة . والبحث عن طريقة شريفة يعيش منها . فهداه تفكيره إلي عرض نفسه على البيوت لعل أسرة تأويه في مقابل قيامه بخدمتها . .

وتقول السيدة إن قلبها رق لحديث هذا التعس . وهزتها الأريحية فتطوعت باصطحابه معها إلي دارها لا ليخدمها ولكن لينضم إلي بقية أولادها ، يعيش بينهم ويذهب معهم إلي المدرسة - وهناك دخلت به على زوجها فأنكره . وسألها عن امره فروت له قصته مد له يحسن صنيعها تباهة بما اصطنعته معه من السماحة والشهامة ، فقال لها : أما كفاك ما عندنا من البنين حتى نضم أبناء الناس إلي ابنائنا ويحمل عنهم هموم ذراريهم  وكان شقاق مما يقع عادة كلما جد على البيت جديد . ولكن الأمر انتهي ببقاء الولد - كما لابد أن ينتهي عادة كل أمر يختلف فيه الرجل مع زوجته . .

وعرفت السيدة من الغلام أنه كان في السنة الثالثة الابتدائية في مدرسة من مدارس الإسكندرية ، فرات أن تختير صدق حديثه . وكان يسكن بجوارهما ناظر إحدي المدارس الابتدائية المحترمة فاستزارته . وكانت بين الأسرتين مودة قديمة فحضر من فوره وعرضت عليه الفتي فامتحنه في بعض العلوم المقررة على تلاميذ السنة الثالثة ، فحسن جوابه عنها واسترعي انتباه الناظر ما انسه في الصبي من

الفطانة والبديهية الحاضرة . فتطوع بالمساعدة في قبوله بين تلاميذة مدرسته ، وحان صلاة المغرب فقام الفتي وتوضأ وطلب سجادة للصلاة ، فطارت السيدة  به فرحا . واخذت تعبر به " أولادها الذين لم يكونوا يعرفون من الصلوات إلا صلاة الجمعة يقيمونها في المنزل خلف الراديو بعد أن تستدرجهم إليها إذاعة الصباح وما فيها من احاديث الاطفال

وانقضي المساء ، ونام أهل البيت ثم قاموا في صباح اليوم الثاني على صوت الفتي ، وهو يصل الصبح فأعدت له السيدة طعامه ، وأرسلته إلي المدرسة بعد أن سلمته قيمة القسط المستحق من مصروفاته ليؤديه إلي الناظر . وقضي الصبي سحابة نهاره خارج المنزل ثم عاد في موعد انصراف المدارس ومعه كراساته وكتبه فأكب عليها يكتب ويحفظ إلي أن حان موعد العشاء ، فشارك رب البيت فيما كان يخصص له من الطيبات وحمد الله واثنى عليه ثم قام إلي فراشه لينام

وفي صباح اليوم التالي استيقظت السيدة على صوته أيضا فدعت له بالفتح والبركات وتقلبت في فراشها مغتبطة ولعلها نظرت في عيني زوجها لترى إن كان مستيقظا حتى لا يفوتها تنبيهه إلي هذا الملاك الصغير الذي عوض الله صبرها فيه على عتاب زوجها خيرا . والذي ارسله الله لهم ليبارك منزلها بصلاته الطاهرة . ولكنها لم تسمع صلاة ولا تسبيحا . فانصتت وارهقت سمعها غير انها لم تسمع إلا غطيط زوجها وابنائها ، فقامت على اطراف اصابعها تبحث عن الفتي فاصطدمت بسترة زوجها ملقاة علي الأرض وقد خلت من حافظة نقوده التى اعتاد ان يضعها في جيبه الداخلي فغزلت تجري نحو الطريق تلتمس الصبي في جناته وقد خاطر نفسها من خيبة الأمل في الغلام اضعاف ماخاطرها من الحسرة على فقد النقود وكان عبثا

بطبيعة الحال ان تبحث عن ضالتها على هذه الصورة ، فعادت إلي بيتها ولم تجد أمامها إلا الالتجاء إلي نخوة زوجها . . وتجدة رجال البوليس !

وأشعر أن قصة هذا الفتي مما يجب القارئ أن يتابعه ليعرف على أي منظر أسدل الستار أخيرا . . وها أنا أروي له ما أسفر عنه التحقيق :

اضطلع رجال البوليس الملكي بمهمة البحث عن الغلام بعد أن أخذوا أوصافه . وأشارت بعض الصحف إلي قصته ، على أنها صفحة من كتاب الغرائب في هذه الحياة . ولم تمض أيام حتى كان الفتي قد ألف شبا كه في حي آخر ، يبحث عن فريسة جديدة يخدرها بأقاصيصه المزوقة الملفقة .

فما أن استقر في أحد بيوته وعلم بأمره رب الدار حتي فطن إلى حقيقته واسرع فأبلغ البوليس عنه . فضبطه وعرضه على السيدة الأولى فعرفته واضطر الفتي إزراء انكشاف امره إلي أن يلقي سلاحه ، ويعترف بحقيقة حاله ، فقال إنه قبل كل شئ ليس من الإسكندرية ولا من اهلها . ولكنه من أهل القاهرة . وإن أبويه لم يصبهما مكروه لا من الغارات ولا من غيرها . وإنهما لا يزالان على قيد الحياة .

وإنه كان يقيم معهما في حي . . وكان إلي جانب المدرسة التي يختلف إليها رجل يقف بعربة صغيرة عليها صنوف من الحلوى يحمل كل صنف منها رقما من الآرقام . ولم تكن هذه الحلوى تباع كما تباع السلع في الحوانيت ، ولكن كان إلي جانبها جهاز " للرماية " مما يفتن عقول الصغار . وهذا الجهاز عبارة عن لوحة عليها علامات ملونة ذات أرقام مختلفة تطابق الارقام التي على الحلوي ، فإذا ضرب اللوحة بيده دارت حول نفسها ، فيأخذ الصبي ) بندقية ( من الرجل ثم يطلقها على اللوحة وهي تدور فتصيب احد أرقامها . فيأخذ من الحلوى ما يتفق رقمه مع الرقم الذي أصابه ، وقال الفتي

إنه أولع بهذه اللعبة ولعا شديدا . ولم يكن يجد دائما من المال ما يمكنه من ممارستها كلما تاقت نفسه إليها . ولمح الرجل فيه هذه الهواية ، فكان يدعوه إلى اللعب بغير مقابل .

فأنس إليه وتعلق به . وصار يقضي أوقات فراغه كلها وأقفا إلي جانب عربته . وغمره الرجل بهداياه الصغيرة حتى شل إرادته وجعلة ينقاد له في كل ما يطلب إليه عمله ، ثم أخذ يزين له الحصول على المال بطريقة سهلة مأمونة العاقبة .

ورسم له خطة دخول المنازل على تلك الصورة التي سبق وصفها ، ويلبس " مسوح الخدم " ليستولي في غفلة من أهلها على كل ما تصل إليه يده من نفائسها ثم ينصرف دون أن يحس به أحد . .

وقال الفتي إنه نجح في مغامرته الأولى ، ولكن نجاحه وقف عند هذا الحد لأنه ضبط وهو في مستهل مغامرته الثانية . وقال إنه سلم ذلك الرجل حافظة النقود التي سرقها من المنزل الأول كما كان قد سلمه المصروفات المدرسية التي قبضها ليؤديها إلي ناظر مدرسته .

والذي نود أن نلاحظه تعليقا على هذه الواقعة هو ان من وراء الأحداث المجرمين عادة يد تحركهم ، وترسم لهم الطريق . وأن الضرب على يد واحدة من هذه الأيدي يكون أجدى علي المجتمع من مؤسسة كاملة تعمد لإيواء هؤلاء ، الأحداث وتهذيبهم وإصلاحهم ، والبركان الثائر الذي يلقي بحممه على رؤوس من حوله لا ينتهي شره بجمع هذه الحمم التي يقذف بها تباعا ، وإنما يأمن الناس شره إذا غاض معينه وتطهر جوفه ، ولعل هذا المعنى يزداد رسوخا في نفس القارئ بعد أن نعرض عليه المثال الآخر الذي وعدنا به في صدر هذه الكلمة ، والذي سنسوقه في الكلمة التالية إن شاء الله "

اشترك في نشرتنا البريدية