الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الثقافة"

على ذكر وفاة مكدوجل

Share

فجمع العالم في اواخر شهر نوفمبر الماضي ، بوفاة عالم كبير في علم النفس ، وهو الأستاذ وليم مكدوجل ( ١٨٧١-١٩٣٨ ) بعد أن ترك اثرا واضحا في الدراسات النفسية ، وأحدث فيها انقلابا كبيرا ، وأخرج للناس فيها كتبا كثيرة ، وصل عددها إلي العشرين . وظهر آخرها عقب وفاته بأيام ، واسمه لغز الحياه  riddle of life واصدر من تسعة اشهر مجلة خاصة بالبحث في المسائل الروحانية ، تبحث في انتقال الفكر )  (telepally) والرؤيا (elairvoyance)- وما شابه . وقد كان الباعث الأول له على الإهتمام بالمسائل الروحانية ، انها ميدان واسع مجهول ولم يشأ ان يتخلي عنه كما فعل بقية علماء النفس ، بل شرع في تحقيق المزاعم الشائعة حوله ، والبحث عن تفسير علي لما تثبت صحته منها .

وأهم النظريات التي وضعها ، وأبعدها أثرا في علم النفس الحديث ، هي النظرية الغائية أو الغرضيةhormic or (purposive theory ففي آخر القرن المنصرم وأوائل القرن الحالي ، ظهرت نزعة مادية أو ميكانيكية ، فسر بها البعض سلوك الانسان والحيوان ، على انه نتيجة لتفاعلات كيمياوية تجري داخل الكائن الحي ، وتختلف في درجة بساطتها وتعقدها من كائن حي إلي آخر . وفسر البعض الآخر سلوك الكائن الحي ، بأنه مجموعة ردود أفعال لمجموعة مؤثرات داخلية أو خارجية . فإذا كان المؤثر مثلا ضوءا شديدا يقع  علي العين ، فإن رد الفعل يكون ضيق الحدقة وإذا كان المؤثر شكلة إبرة ، فان رد الفعل يكون انسحاب العضو الذي تقع عليه الشكلة . وإذا كان المؤثر رؤية الطعام والعدة خاوية كان رد الفعل جميع الحركات التي تحدث عند

تناول الطعام . وهذه الردود تسمي أفعالا منعكسة ، وبعضها فطري وبعضها مكتسب .

والأفعال المنعكسة يمكن ان تحدث دون تدخل للشعور فيها كانسحاب يد النسائم إذا شككناها بابرة . ولهذا رأي الفريق الأخير من الماديين انه يجب الاستغناء في تفسيراتنا للسلوك عما يسمي " الشعور " أو " العقل " أو " النفس " تلك الأمور الفرضية الغامضة التي لا سبيل إلي ملاحظتها أو إجراء التجارب عليها . فالسلوك في نظر الماديين سلوك بلا عقل ، ويمكن تفسيره على اسس كيمياوية أو ميكانيكية .

كان مكدوجل في ذلك الوقت ، الذي ظهرت فيه النزعة المادية لتفسير السلوك ، قد بدا يصوغ نظريته التى

أشرنا إليها ، وهي النظرية الغائبة . ورأي أنه لا يمكن أن يكون سلوك الإنسان شبيها بسلوك جهاز كهربائي مثلا ، فالإنسان كائن حي ، والجهاز الكهربائي غير حي . والفرق الأساسي بينهما ، هو في ان الكائن الحي له نشاط تلقائي يرمى به " إلي تحقيق غرض معين . فالجهاز الكهربائي لا يمكن بأن يتحرك من تلقاء نفسه ، وإذا تحرك فلا يكون ذلك لغرض خاص فيه . وأما الإنسان أو الكلب أو القط فإنه يتحرك من تلقاء نفسه ، ولغرض يرمى لتحقيقه ، كالنزهة او اللعب أو تناول الطعام أو غير ذلك . فالكائن الحي بما في ذلك الإنسان ، ليس إذا مجموعة ردود افعال آلية لمجموعة مؤثرات ، وإنما هو مجموعة من القوي والدوافع الداخلية التي ترمي إلي تحقيق غرض أو اغراض معينة

والدافع الأساسي للكائنات الحية البسيطة ، هو المحافظة على الحياة . وهذا الدافع يتميز ويتشعب إلي دوافع اخري أكثر تخصصا كلما ارتقي الكائن الحي . ففي الحشرات نلاحظ دافعا للبحث عن الطعام ، واخر للتزاوج والتناسل وثالثا للمقاتلة ، ورابعا المحافظة على البيض . وأما في الحيوانات الثديية ، وهي أرقي من الحشرات ، فإنا نلاحظ دوافع اكثر في الكلاب مثلا نلاحظ دافعا للسيطرة ، ودافعا للخنوع ، ودافعا للمقاتلة ، ودافعا للبحث عن الطعام ودافعا للتناسل ، وغير ذلك

هذه كلها دوافع فطرية ، ويسميها مكدوجل غرائز وهو يعرف الغريزة بأنهما استعداد طبيعي ، للقيام بأفعال معينة ، في ظروف خاصة ، فنجد أن عند الحيوان والإنسان على حد سواء استعدادا طبيعيا للبحث عن الطعام في حالة الاحساس بالجوع . وكذلك استعدادا طبيعيا للخلاص في حالة الإحساس بالخطر . والغرائز هي في الواقع ، الدوافع الأساسية ، والقوى الفعالة ، في سلوك الانسان والحيوان . وهي التي تحركه ، وتمده بالطاقة للعمل . وقد يؤدي الدافع الواحد ، إلي انواع مختلفة من مظاهر السلوك فالغضب مثلا يؤدي بالإنسان إلى ان يهجو ، أو ينقد ، أو

يشيع إشاعات السوء ، او يضرب او يثير الفتن ، او غير ذلك . وكذلك حب الاستطلاع ، يؤدي بالشخص إلي أن يبحث في حبيب آخر ، أو في كتاب علمي ، أو إلي القيام بتجربة او برحلة او جاسوسية او غير ذلك .

ومن السهل إن نري أن التشابه عظيم بين الانسان والحيوان . فغرائز الانسان كلها موجودة في الحيوان . فالمرء إذا جلس في حضرة شخص عظيم ، استشعر الجنوع ، وبدا علي عضلاته بعض الترهل ، ولم يجرؤ على رفع صوته . أو الاحتداد ، أو تقطيب الوجه . كذلك الكلب الصغير في حضرة الكلب الكبير ، تبدو عليه الذلة والخشوع ، وتهدل العضلات ، وانخفاض الذيل ، واحتفاؤه بين الأرجل الخلفية وأما الكلب الكبير فيبدو عليه في مثل هذا الموقف التبه والتعاظم ، كما يختال الإنسان وبنيه في حضرة من هم دونه . وكما ان الام تهيئ لطفلها المكان والملابس وكل اللوازم قبل الوضع ، وتعني به بعد الولادة ، وتحميه من كل خطر تتوقعه ، فكذلك الحمامة تكب على بيضها ، وتبدي عنايتها الشديدة به ، وتعد عشها وتهيئه بالقش ، وتثبته بالطين ، في مكان أمن بعيد ، ثم تحدو علي صغارها ، وتدفع عنهم الاذي .

وإذا حللنا سلوك الانسان ، فانا نصل في النهاية إلي غريزة أو إلي مجموعة غزائر . فالمدرس الذي يضرب تلميذا ضربا عنيفا ، لأنه لم يؤد واجبه المنزلي يحس إحساسا غامضا بأن عدم اداء التلميذ الواجب  مظهر من مظاهر العصيان . وهذا يصطدم مع غريزة السيطرة عند المدرس . وربما يكون عنده إحساس غامض آخر ، بأن عدم اداء الواجب المنزلي ، يؤدي إلي تأخره الدراسي ، وهذا بدوره يؤدي إلي سوء نتيجة الامتحان في الفصل ، أو سوء تقارير المفتشين عن المدرس ، مما يؤثر في كسب المدرس لعيشه ، فيصطدم بغريزة البحث عن الطعام . ولنأخذ مثالا آخر من حياة نيوتن - العالم الرياضي - فقد سمعنا أنه كان متأخرا جدا في سني دراسته الأولى . وفي ذات يوم تشاجر مع تلميذ آخر

و هزم هزيمة شديدة ، فصمم نيوتن على التغلب على خصمه في الدراسة ، وبالفعل شد عزيمته وركز اهتمامه في الدراسة وكان له ما أراد ، ومن ثم تدرج نيوتن من نجاح إلي آخر ، حتى وصل إلي ما نعرفه عنه من وضع اسس العلوم الرياضية والفلكية الحديثة . فكان الدافع الأول لنيوتن على العمل والبحث كان مزيجا من دافعي السيطرة والمقاتلة

ولا تبقى الدوافع للسلوك عادة بصورها الفطرية ، وإنما تنتظم وتتعدل ويتكون منها ما يسمى بالعادات والعواطف . فالذي  يدفع المرء لسلوك خاص مع والده هو عاطفة تكونت مركزها الوالد . والذي يدفع المرء لمحاربة الرذيلة هي عاطفة كراهية الرذيلة . وهناك عاطفة حب المرء لبلده ووطنه ومدرسته وكتبه واصدقائه ، وكراهية المرء للظلم والمحسوبية والدس وغير ذلك . والعاطفة هي الاستعداد الذي يكتسبه الإنسان اثناء حياته ، ويدفعه للقيام بإعمال مختلفة في مناسبات مختلفة . فعاطفة حب الوالدين هي التي تدفع المرء للمقاتلة في حالة اعتداء احد عليهما ، وهي الى تدفعه للزهو في حالة تفوفهما وللاستنجاد في حالة مرضهما . وللاستكانة في حالة انهزامهما وهكذا وقد بين  مكدوجل أن هذه العواطف هي التي تتجمع ويتكون منها الخلق

اثبت مكدوجل كذلك أن الغريزة عند الحيوان جامدة وان الذكاء قليل ، واما عند الانسان فالغريزة مرنة والذكاء كثير . وهذا الذكاء هو الذي يساعد على الاستفادة من الخبرة السابقة ، وعلى توجيه الفعل الغريزي في اتجاهاته المختلفة ، فالفراخ تخرج من بيضها قادرة على الاستقلال في البحث عن طعامها ، فغريزتها جامدة ، وذكاؤها قليل ، لأنها لا تحتاج لهذا الذكاء وأما الحيوان الراقي كالقرد أو الإنسان فإنه ولد محتاجا للتعلم والأرشاد ، فغريزته مرنة وذكاؤه كثير يساعد الغريزة على المتوجه في الجهة النافعة . وقد بين مكدوجل ان الغريزة هي الدافع الأصلي ، وما عدا ذلك من قوي عقلية فإنها مرشدة وموجهة لها .

وقد نجح مكدوجل في أن يفسر بغرائزه كافة أنواع

السلوك من بسيط إلي معقد ، ومن سافل منحط إلي خلقي سام ، ومن عادي إلي شاذ ، ومن سلوك الصغير إلي سلوك الكبير ، ومن سلوك الانسان البدائي إلي سلوك الانسان المتمدن ، ومن سلوك الحيوان إلي سلوك الانسان ، ومن سلوك الأفراد إلي سلوك الجماعات ، وقد كان لهذه النظرية اثار علمية وعملية بعيدة المدى ، فقد اثرت في نظريات التربية واتجاهاتها ، وفي نظريات الاخلاق والاجتماع ونظرا لضيق المقام لا نستطيع أن نعرض تفصيلا ولا إنجازا لهذه الاثار ولا لتجاربه وبحوثه ونظرياته في ميادين العلم المختلفة

ومما يؤسف له أن الدنيا لم تبتسم لهذا الرجل العظيم إلا في الربع الأخير من حياته ، فقد ظل بائسا في اغلب حياته العلمية ، فكانت كتبه تقابل بفتور مؤلم ، وكانت حياته في اكسفورد لما كان محاضرا لعلم النفس في جامعتها ، حياة منقصة ، إذ اعتبره الفلاسفة خارجا عليهم لأنه يحاول ان يدرس العقل دراسة تجريبية ، وكان هذا فى نظرهم امر مستحيل كما اعتبره اساتذة العلوم العلمية (sciences)  دخيلا عليهم ، على الرغم من أنه اتبع الطرق العلمية من ملاحظة وتجربة ، وبذلك نبذه الفريقان . وظل مكدوجل متالما من مركزه الشاذ ومن احتقار الجامعة لعلم النفس الذي يقوم بتدريسه ، فلم تجعله مادة من مواد المنهج ، ولا من مواد الامتحان ، ولم تدخله في عداد العلوم العلمية ولا العلوم الفلسفية

ولكن الناس أخذوا بالتدريج يقرأون كتبه ويقدرون بحوثه ونظريته ، حتى عرف ثم ذاع صيته ، وانتخب زميلا في كمبردج ، وزميلا في الجمعية الملكية (prs)  وبعد ذلك دعي إلي امريكا فشغل كراسي استاذية علم النفس في أعظم جامعاتها . وبسمت له الدنيا في الشطر الأخير من حياته ، حتى رأي كتبه تحدث في الناس هزة ، وفي نفسه نشوة ، ولا يلبث الكتاب منها ان يظهر حتي ينفذ ويعاد طبعه ، حتى إن كتابه " في علم النفس الاجتماعي " أعيد طبعه خمسا وعشرين مرة . وكان في هذا بعض العزاء له عن أيام الشدة الأولى .

اشترك في نشرتنا البريدية