الثقافة كالنهر الجاري، ينبوعها الحياة، ومروضها العقل ومغذيها المجتمع، تكون أحيانًا صافية نقية خالصة عند بزوغ فجرها وأول نشأتها، لم تأخذ من غيرها إلا القدر اليسير الذي لا يعكر صفوها ولا يُدخل عليها خلطًا. وكذلك
كانت الثقافة العربية في الجاهلية وصدر الإسلام. وهى ثقافة -وإن كانت ضيقة الآفاق فقيرة التجارب البشرية الكبرى، معلوماتها نزيرة لا رقة فيها ولا تمحيص- ما زالت بعيدة عن التشعب الغزير والأبحاث الواسعة العميقة؛ ثقافة كاملة رغم ذلك مرآة لجيلها العربي، تغلب عليها البداوة، نفسها قصير قوى، سليمة حية، أصولها ثابتة واضحة، وميزاتها بينة جلية؛
الطبع قوامها وعمادها وأعظم خصلة فيها. فقد نبذت الكلفة نبذًا وابتعدت عن التصنع والزخرف.
وأوجدت الثقافة العربية منذ البداية أداة عجيبة كاملة صالحة للتعبير عن مظاهرها وخفاياها، ثرية غنية بكثرة الألفاظ وتنوع القوالب، مرنة دقيقة وقوية متينة في آن واحد. فكانت اللغة العربية لفرط حيويتها ومقدرتها على هضم الألفاظ الأعجمية وتعريبها، من اللغات القليلة التي يمر بها الدهر وتتوالى عليها القرون وهي في زهرتها الأولى رشاقة وخفة، وشبابًا وحيوية.
تدفقت الثقافة العربية من عين ثرّة ماؤها صاف غزير وسرعان ما اتسع النهر المتولد عنها إثر الفتوحات الإسلامية، وأخذت الجداول والأنهار الكبيرة تصب فيه صبًّا حاملة معها تراث الشعوب ومدنيات الأمم الغابرة والثقافات السابقة. والأعجب أن النهر العربي اقتبل تلك الثروات الطائلة من غير أن يغير مجراه أو
يبدل جوهره وطبعه بل لوَّنها بلونه ووهبها من روحه فامتزجت به وامتزج بها، فخرجت الثقافة الكاملة: الثقافة العربية الإسلامية التي نعرِّف بها عند ذكر بعض أسماء رجالها المثاليين كبشار وابن المقفع، وكالجاحظ وأبي حيان التوحيدي، وبديع الزمان وابن سينا والغزالي في مشرق الشمس، وكابن رشد وابن حزم وابن خفاجة وابن زيدون وابن خلدون في مغربها.
وتجد من بين أعظم هؤلاء الرجال العربي والفارسي والتركي والروسي والبربرى والإسبانى وغيرهم وإنهم لم يعبروا عن شخصيتهم الفردية فقط بل عبروا أيضًا عن أمرزجة شعوبهم وخصائصها وسلوكها عن قصد أحيانا وعن غير شعور أحيانًا أخرى، ولكنهم اتخذوا العربية -والعربية وحدها- كأداة تعبير؛ وقد هاجم الكثير منهم العرب والثقافة العربية وسعوا في الحط منهم ومنها؛ وشتموا العرب بلغة العرب بعد أن أتقنوها وحفظوها وعرفوا خفاياها ودقتها وجمالها فكانوا أحسن مثال لمن تعرب لسانه وروحه وتشرب الثقافة العربية الخالصة حتى اختلطت بنفوسهم اختلاط الماء بالماء. وتصدى الجاحظ منذ أكثر من ألف عام للرد عليهم فى "البيان والتبيين" فأبرز ميزات العرب وثقافتهم.
وأخذت الثقافات تدخل العربية على طريق الترجمة وعلى طريق الجماعات والشعوب التي أسلمت وعلى طريق التبادل التجارى أيضًا. فكان اتصال العرب وثيقًا بالصن والهند والترك والفرس والروم والفرنج اتصال حرب أو اتصال سلم، فربطوا هكذا بين أجزاء البشرية شرقيها وغربيها، ونقلوا فلسفة اليونان وعلومها وحكمة الهند وتفكيرها وفن فارس وتزويقها وصناعات الصين وإتقانها، فتراكمت لديهم المعلومات وتشعبت المعارف والفنون وتعددت طرق البحث والتنقيب، وكأن السبل اختلطت في أول الأمر وتعكر ماء النهر وصعب هضم ذلك الغذاء لتنوعه وكثرته ولكن النفس العربية لا تعيش إلا في الوضوح ولا تزدهر إلا مع البيان، تغلبت على الغموض فخلصت الأصول من الفروع المشتبكة، وأخذ كل علم استقلاله في موضوعه وطرق البحث الصالحة به، وتجلى شيئًا فشيئًا ما بين العلوم من ارتباط؛ وفتحت آفاق جديدة وأحدثت علوم لم تكن، كالجبر وعلم المجتمع مثلًا، وأصبح من العسير على رجل واحد أن يتفن العلوم كلها؛ واختص العلماء كل في علمه أو فنه.
وكانت الثقافة العربية أحسن مثال للثقافة البشرية الكاملة. والمثقف ليس من يتقن علمًا من العلوم حتى يصير مرجعًا فيه بل العلوم هنا تصبح وسيلة لا غاية؛ إذ غاية الغايات هي الإنسان نفسه؛ الإنسان بعقله وعواطفه، وذوقه وإرادته. فكل ما يعين على تربيته وتهذيب غرائزه وإكمال ذاتيته وإبراز شخصيته من علوم وآداب وفنون محبب مرغوب فيه. وقد كتب ابن المقفع في "الأدب الكبير" صفحة خالدة شرح فيها معني ما نسميه اليوم ثقافة وسماه العرب أدبًا، فالثقافة عنده إنماء الغريزة وتقويتها وتأديتها وتقويمها من غير إخراجها عن طبعها وجبلَّتها، والثقافة هي أولًا وقبل كل شيء تثقيف العقل: والعقل كالغريزة من الغرائز؛ وهو علم بالضروريات العقلية وإدراك لنفسه ولما تأتي به الحواس.
فالثقافة الحق تزيد العقل صقلًا ونصوعًا وتصيِّره حادًّا في تميزه عميقًا في إدراكه. ولكن الثقافة لا تقتصر على العقل بل تشمل الإنسان كله فتفعل في عواطفه وشهواته وذوقه فعلها في عقله. فالثقافة لا توجِد في الإنسان ما ليس فيه، بل مهمتها أن تهذبه وتقويه وتنميه؛ فلنستمع إلى الغزالي يحدثنا عن الذوق: "فانظر إلى ذوق الشعر كيف يختص به قوم من الناس، وهو نوع إدراك، ويُحرم منه بعضهم حتى لا تتميز عندهم الألحان الموزونة من الرجفة. وانظر كيف عظمت قوة الذوق في آخرين حتى استخرجوا منها الموسيقى والأغاني وصنوف الدستانات التي منها المحزن ومنها المطرب، ومنها المنوم، ومنها المبكي، ومنها المجنن، ومنها القاتل، ومنها الموجب للغشي. وإنما تقوى هذه الآثار فيمن له أصل الذوق. وأما العاطل عن خاصية الذوق، فإنه يشارك في سماع الصوت، وتضعف فيه هذه الآثار، وهو يتعجب من صاحب الوجد والغشى".
وكل ما يُفسد الذوق ويُدخل على العقل الغموض والاعوجاج ويخرج بالإنسان عن طبعه وجبلته لا يمكن أن يُسمى ثقافة وتثقيفًا بل عماية وتضليلًا.
وهنا أيضًا يمكن أن نأخذ من الثقافة العربية الإسلامية مثالًا. فبعد أن اتسعت وتعمقت والتصقت بالطبع البشرى التصاق الظل بصاحبه، وانغرست عروقها في الحياة فازدهرت وأينعت وكثرت فروعها وانبسقت وأتت بالثمرات الطيبات، وبعد عصر الابتكار والتجدد، أخذت تقطع ما بينها وبين الحياة من صلة وثيقة وتبتعد عن الطبع، وعوضت المعلومات المجموعة العلوم المتدفقة والأشكال
والقوالب الطبيعية والغريزة، فشملها الذبول شيئًا فشيئًا، وتسرب إليها الجمود رويدًا، واكتنفها التكلف والصنعة؛ وباتت الثقافة زخرفًا.
تحدثت دائمًا عن الثقافة العربية الإسلامية إذ لا يمكن أن نفرق بين اللفظين. نعم اعتنق الإسلامَ شعوب من غير العرب واتخذوه دينًا واستمدوا منه تقاليد وعادات وأخلاقًا، ولكن الثقافة الإسلامية عربية متأصلة في العروبة ممتزجة بها امتزاجًا كليًّا؛ القرآن عربي وتفاسير القرآن عربية وكتب الأحاديث عربية، وكتب الفقه عربية، وفقه السنة وفقه الشيعة سيان في ذلك. فمن العبث محاولة التفريق والتجزئة والتقسيم، والجسم واحد والروح واحدة. نعم دخل الإسلام الفرس والترك والهنود وغيرهم وبقيت الثقافة الإسلامية عربية؛ ففكر وكتب الفارابي التركي، وابن سينا والغزالي الفارسيان. وابن الرومي وابن خلدون المغربي وابن رشد الأندلسي، باللغة العربية الإسلامية.
وإن تلك الثقافة المثالية في إنسانيتها يشملها ضرب من الوحدة وإن اتسعت رقعتها حتى شملت القسم الأكبر من المعمورة من حدود الصين إلى قلب أوربا ولم يكن تنوعها وتشعبها وغزارة موادها وكثرة ابتكاراتها في جميع الميادين وتناقض أجزائها أحيانًا من عوامل التفرقة بينها والتباين بين المثقفين في مختلف أقطارها بل زادها كل ذلك غنًى وثروة وخلق فيها تيارات فكرية ودينية وفنية تربط بين الكل وتقرب بين الأفراد رغم المسافات البعيدة. فأبو علي القالي البغدادي صاحب "الأمالي" يصبح أستاذًا في الأندلس؛ ويدخلها أيضًا تلميذ أبي إسحاق الموصلي كالفاتح ليعلمها الغناء والأناقة البغدادية؛ ويخرج ابن عربي المغربي الأندلسي وبعده بقرون أبو الحسن الشاذلي من المغرب ليكونا أساتذة المشرق في التصوف. ولا يشعر واحد منهم أنه غادر العالم العربي الإسلامي وأنه حل بقوم غير قومه، ويرد الغزالي في "تهافت الفلاسفة" على الفارابي وابن سينا في الشرق فيأتي الأندلسي المغربي ابن رشد ليرد بدوره على الغزالي في "تهافت التهافت" ويبتكر أهل الأندلس الموشحات وينجب فيها المشارقة كما نبغ فيها المغاربة من قبلهم. وهذا كله لا يمنع الثقافة العربية الإسلامية من ميزات تمتاز بها في كل قطر كما تمتاز جهة الهمامة أو صفاقس أو سوسة أو بنزرت بميزات تفردها عن غيرها وليس معنى ذلك أن الوحدة الجامعة بينها مفقودة،
ومن البدهي أن أعظم رابطة في الثقافة الإسلامية هي اللغة العربية ولكنها ليست الرابطة الوحيدة، فموقع العالم العربي جعله الرابطة الطبيعية بين الشرق والغرب، وهو إلى الغرب أقرب. وإن الثقافة العربية وإن اتصلت بالشرق الأقصى من صين وهند إلا أنها من ثقافات البحر الأبيض المتوسط ولهذا نجد الروابط بينها وبين ما تولَّد على شواطئ ذلك البحر من مدنيات سابقة أمتن مما يُظن. وليست تلك الروابط ناشئة عن مجرد نقل عنها أو ترجمة منها واتصال بها، بل هي ناتجة أولا وبالذات عن طبيعة هذا البحر وميزاته. وأولها العقل، ومن قال عقلًا قال وضوحًا وبيانًا؛ فالابتعاد عن الغموض وعن الظلام بأنواعه أصل من الأصول يولد النظام في الأفكار والدقة في البحث، والبيان في التعبير. ولو سألنا قدماء العرب عن أبرز ميزة فيهم وفي لغتهم لقالوا البيان.
ومن ميزاتهم أيضًا الاتزان -وهو لا يخلو من عظمة وإجلال- والاتزان اقتصاد في الحركات وفى الألفاظ، وتناسق بين الأجزاء، وكأن قول يونان: -الإنسان ميزان الأشياء- يصدق عليهم وعلى ثقافتهم كما صدق من قبل على يونان. فالعظمة عندهم لا تتولد عن تضخم هائل في الأجرام والهياكل بل عن نظامها وإتمام بعضها لبعض والتناسب بينها.
فالمقاييس في العالم الإسلامي القديم متشابهة موحدة، مقاييس العقل ومقاييس الأخلاق ومقاييس الفن والجمال.
والثقافة العربية في عصرنا الحديث تسعى جاهدة للتخلص مما ألصقته بها القرون من إدراك وكبلتها به من أشكال وقوالب فارقتها الحياة منذ أجيال؛ وقد فارقت الجمود وانغمست من جديد في تيارات حية تتدافعها. مدت يدها إلى تراثها البشري الكبير وأخذت تزيح عنه النقاب وتنشر كنوزه متعجبة من ثرائه مكتشفة خفاياه مستغربة من التماثل -في عمق واتساع- بينه وبين المدنية الغربية الحاضرة؛ وما زالت في أول أمرها وبدء عملها في هذا الميدان. ومدت اليد الأخرى إلى الثقافة الغربية تكشف عن تشعبها وغناها وجمالها وتغترف من علمها الغزير ومحدثاتها المتجددة.
فمستقبل الثقافة في تونس لم ينتظر رأي بعضنا لتظهر اتجاهاته وهو مرتبط ارتباطًا كليًّا بمستقبل الثقافة في الشرق العربي. وهي اليوم تعيش عصر
انتقال تكثر فيه التيارات المتناقضة وتعكره الاضطرابات وعدم الاستقرار.
هل في إمكان النخبة المفكرة اختيار اتجاه معين. وإدخال شيء من النظام على ما اعتراه من فوضى؟ وليست المعركة بين القديم والحديث كما ظن الكثير، أو بين الجمود والحركة، لأن الحياة عندما أخذت تدب في ثقافتنا العربية كفيلة بتكسير الأشكال البالية وقطع القيود وتحطيم السدود.
وعلى كل فالتعليم يلعب دورًا هامًّا في توجيه الثقافة وإعداد مستقبلها، بطرق التدريس ومحتويات برامجه. ويتفق عقلاء العالم العربي في أن الثقافة العربية ليست بعض القواعد النحوية والصرفية والبلاغية مشفعة بنصوص شعرية ونثرية يحفظها التلميذ عن ظهر قلب ويكررها في المناسبات وفي غير المناسبات أحيانًا. بل الثقافة العربية كلٌّ حي تشمل تاريخًا يربط أجزاءها وتفكيرًا ومذاهب فلسفية ودينية وعلومًا تولدت عنها العلوم العصرية، وشعرًا ونثرًا عبَّرا عن الإنسان في قوالب فنية تهذب الذوق وتؤدب العقل. فتدريس الثقافة العربية يتطلب من الأساتذة جهودًا مستمرة لأن البحث العصري والمحيص العلمي لم يشملا إلا القليل منها، فهي ما زالت كالبحر الواسع العميق الذى لم يُعرف منه إلا بعض سواحله فعلى الأساتذة أن يخوضوا غماره وأن يصلوا قدر المستطاع إلى أعماقه. ويبذل كثير من إخواننا في الشرق أعمارهم في ذلك حتى سموا بعضهم كالأستاذ أحمد أمين (رحمه الله) رهبان الثقافة العربية.
وإن الثقافة الغربية ضرورية لنا، فستكون كاللقاح تجدد به الأشجار فتأتي بأطيب الثمرات؛ وهي لقاح العقل والذوق. وأكبر ميزة لهذه الثقافة تقدم العلوم الرياضية وتطبيقها. وعلى تلك العلوم وما أنتجته من اختراعات تطبيقية أقيمت النهضة الاقتصادية والتقدم الاجتماعي. فعنايتنا بها ستحتل المكان الأول إن أردنا الالتحاق بقافلة الأمم الراقية. وليس فيها ما ينافي ثقافتنا العربية بل ستعززها وتركزها على أسس ثابتة. ولكن للثقافة الغربية ميزات أخرى لا يمكن أن تُغفل؛ فهي إنسانية شاملة خاصة في عصرنا الحاضر وقد امتزجت المدنيات ببعضها واقتربت المسافات بينها، وأصبحت الصين والهند وأميركا تشارك فيها بعلمائها ومفكريها وشعرائها. فالثقافة تتجه نحو الوحدة في ثرائها وتنوعها وتشعبها؛ والعالم أصبح يسير نحو الوحدة الثقافية بخطًى أسرع من سيره نحو الوحدة السياسية. ويمكن لتونس أن تلعب دورها الثقافي في العالم العربي وفي العالم كله، وربما يكون أعظم من نطاق ترابها الضيق.
