أشكر للأستاذ مناور عويس هذه اللفتة الحميدة للتحدث عن أديب المهجر الكبير ميخائيل نعيمه الذي رفع منارة الأدب العربي في الدنيا الجديدة هو وإخوانه الأدباء من مهاجري العرب. والحديث عن ميخائيل نعيمه وإخوانه ممتع لأنه يتصل بالشاعرية التي تمردت على القيود الكلاسيكية القديمة وأنطلقت حرة في الفضاء إلا من المعاني السامية واللمحات الدقيقة ومنذ زمن مضى وأنا أتطلع إلى أدباء المشرق لعلهم يتحدثون عن تلك النهضة المهجرية ويشيدون بمفاخر إخوانهم هناك وينشرون في الجيل
الجديد هنا ما كتبه أولئك وما نظموه، فهناك نثر، وهناك شعر ينبضان بالحياة المشرقة الضحوك، ويفيضان بالإبداع الذي يماشي الحياة في موكبها النشيط لأنهما يتدفقان من ينبوع الواقع، وينبعثان من الوعي والوجدان، ففيها فلسفة، وفيها حب وغزل، ودعوة للإنسانية المثالية الشاملة.
ما أكثر إنتاج نعيمه، والريحاني، وجبران، وإيليا، وإلياس فرحات، ونسيب عريضه، وأمين مشرق، وغيرهم، ولكن هذا الإنتاج على كثرته وقوة الإبداع فيه لم يكن له ذلك الصدى المحسوس في دنيا الشرق إلا قليلا عند من ترسموا خطي المهجريين وتابعوا سيرتهم، وإذا كان بعض مؤلفات جبران والريحاني، وقصائد نعيمه وإيليا قد أخذ نصيبه من الذيوع والانتشار في ربوعنا فليس ذلك بكاف في التتبع والدراسات الصحيحة، فهناك غير هؤلاء من الشعراء والكتاب قد ملأو ا الدنيا الجديدة بعصارة عقولهم وقلوبهم، ونشروا عليها أجنحة ضافية من أخيلتهم السمحة، وليس أدل على ذلك من الصحف الكثيرات التي يصدرها إخواننا المهجريون في ديار الغربة أمثال مجلة (الشرق) و (العصبة) و (السمير) و (الهدى) وأمثال جريدة (البيان) التي كانت بحق لسان القومية العربية الذرب وقد قرأت من هذه الجريدة أعداداً كثيرة يوم كانت تصل إلى العراق قبيل الحرب ولا أغالي إذا قلت: إني لم أجد من بين صحفنا العربية هنا ما يشبهها حماسة وعروبة ودفاعاً عن البلاد العربية.
وحتى الأدب الشعبي كان له نصيب كبير من جهود المهجريين فقد كانت جريدة (أبجد هوز) التي يصدرها ناصر شاتيلا أروع مثال لهذا اللون الفكه فقد كان فيها نقد لاذع وفكاهة ممتعة باللسان اللبناني المحلى، وأجمل ما فيها تلك المحاكمات التي تعقدها لمحاسبة الأدباء فتخلط الهزل بالجد والنقد بالفكاهة، ومن الظريف أن تعرف - وإن كان خروجاً عن الموضوع - أن للشعر الشعبي قيمة ليست قليلة عند المهجريين وقد تدخل هذا الشعر في الإعلانات عن البضائع والمتاجر ولشد ما يضحكك أن تقرأ البيتين الآتيين على لسان بنت تخاطب أمها:
تا أحلي بعين الشبان ... بلكي حد إينحطبي
يا أمي بدي فستان ... من حرير لويس كمزي
وهذا اللون من الإعلانات بالشعر العامي يرجع بك إلى التأريخ العربي القديم في قصة (المحلق) عندما كسدت سوق بناته فلم يخطبهن أحد فاستضافه الأعشى وأطعمه وسقاه ثم طلب
إليه يشيد بذكره فكانت تلك القصيدة المشهورة التي منها في وصف نار المحلق: تشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق
ثم كان بعدها زواج بنات المحلق بأصدقة عالية. وفي قصة بائع (اُلخمُر) حين لم يجد من يشتري شيئاً من بضاعته فاستنجد بأحد الشعراء وكانت تلك القصيدة التي منها: قل للمليحة في الخمار الأسود ... ماذا فعلت بناسك متعبد
وأما مجلتا (الشرق) و (العصبة) فإنهما أسمى مثال للفن الصحفي العالمي من حيث الطباعة والإتقان وأسمى مثال للأدب العربي في عهده الحاضر من حيث التطور الفكري والإبداع في الشعر والنثر.
هذه لمحة استعراضية عن جهود إخواننا المهجريين في بعث الأدب العربي والدعوة إلى العروبة في المهاجر الغربية وتركيزهما على قاعدة التطور ومماشاة الزمن.
أفلا يجدر بهذا الأدب أن يأخذ نصيبه في مناهج الأدب الشرقي ومعاهد التعليم فيه ونشره بين الشباب المتطلع إلى الحياة الجديدة، ثم ألا يجدر بهذا الجيل أن يضيف إلى معلوماته عن امرئ القيس، والمتنبي، وشوقي، والرصافي شيئاً عن جبران وميخائيل وإيليا؟.
إن مناهجنا التعليمية ودراساتنا الحديثة تجحف أشد الإجحاف بحقوق المهجريين بل بحقوق الأدب العربي والناشئة
الحديثة، وليس ذنب هذا الأدب إلا أنه عصارة الروح والعقل والمثل الإنسانية العليا، وإلا كونه خالياُ من الزخرف والصناعة والتقليد. وحتى المطابع والمكتبات عندنا لا نجد فيها أثراً بارزاً لأدب المهجر إلا القليل الذي لا يغني ولا يسمن. أليس من الغريب أن تبحث عن (الجداول) لإيليا أبي ماضي فلا تجد له أثراً في مكتبات القاهرة من أنه قد طبع في أمريكا والعراق.
ولعلي قد خرجت عن الموضوع وتجاوزت إلى الزيادة في القول فلأعد مرة ثانية لأشكر الأستاذ مناور عويس على اتجاهه هذا والتنويه بأدب ميخائيل نعيمه ويسرني أن يكون انتخابه لبعض القطع الشعرية خالياً من الحذف والتحريف ولاسيما إذا كان المحذوف شطراً في نهاية مقطع كحذفه قول الشاعر: بخشوع جاثيه. بعد قوله: (وتجزى كنبي هبط الوحي عليه) في قصيدة (من أنت يا نفس) . وكذكره البيت الآتي: أنت برق أنت رعد ... أنت ليل أنت فجر مخالفا لنصه الأصلي: أنت شمس أنت رعد ... أنت برق أنت فجر ولعل للأستاذ عذرا في ذلك أنه اعتمد على (همس الجفون) وفيه بعض المغايرات لما نشر قديماً في الصحف والمجاميع وقد يكون ذلك من رأي الشاعر نفسه. ومهما يكن من شيء فإن هذه تبعات لا يؤاخذ عليها الكاتب الفاضل إلى جانب اهتمامه بالأدب المهجري وخصوصاً أدب ميخائيل نعيمه.
