نشأت القصة منذ فجر التاريخ وذاعت وشاعت علي الألسنة منذ أن كون الإنسان المجتمع . ولقد امتزجت القصة عند الإغريق بالمثيولوجي والخراقات والأساطير ، كهذه القصص الخرافية التي نجدها عند هزيود . وقد استمد هوميروس قصصه من الحرب التي نشبت بين الإغريق والطرواديين وحلفائهم . وهي تلك الحرب التي دامت عشر سنين ، كما استمد الأوديسة مما جري لأحد أبطال الإغريق وهو اودسيوس بعد سقوط طروادة . وقد وضع هوميروس بهذا أساس الشعر القصص في الأدب الأوربي ، فنشات الملاحم التي ألفت على غرارها ، مثل الياذة فرجيل ، وكوميديا دانتي ، وفردوس ملتون . وملحمة إرلندو الغاضب لاريستو ، وغيرها من الملاحم .
وقد تفرع من هذا الشعر القصصي لون آخر من الأدب وهو فن القصص ، وقد تقدم على مر الأزمنة حتي أصبح فنا قائما بذاته في الآداب الأوربية
ولم يعرف التاريخ قصة أقدم من القصة المصرية ، وذلك لأن المجتمع المصري كان أول مجتمع عرفه التاريخ ، فهنالك قصة السحرة الثلاثة التي ترجع إلي ألفي سنة قبل الميلاد . وقد عرفت مصر في عهد الدولة الوسطى في تاريخ مصر القديم قصة سنوحى ، وقصة البحار الغريق ، وتنسب كل منهما إلي الأسرة الثانية عشرة . أما في عهد الأسرة التاسعة عشرة فقد عادت القصة المصرية إلي الأزدهار . وشغف أدباء هذا العصر بكتابة القصص الغرامية والخيالية . وقد بلغ إعجاب المصريين بالقصص حدا كبيرا ، إلي درجة أنهم وضعوها إلى جوار الميت في قبره لتسليته وابعاد الوحشة عنه . وعرف المصريون القدماء كذلك قصص الاسفار والملاحين الذين ناهوا في البحار ، أو الحداة الذين ضلوا في القفار .
وربما عرف الأدب الجاهلي كثيرا من القصص . ولكن الذي لاشك فيه ولا محيص عنه هو أن الأدب الجاهلي لم يصل إلينا كله ، إنما وصل إلينا بعضه ، بل إن قدر ما وصل إلينا من النثر الجاهلي لا يعادل قدر ما وصل إلينا من الشعر الجاهلي . ومن يدري قربما فقد بعض القصص الجاهلي مع ما فقد من التراث الجاهلي . وقد اذكت حرب عبس وذيان ، وحرب المهلهل بن ربيعة وسيف ذي يزن . وإجراء النيل من جبال القمر - تأليف كثير من القصص وما جاء القرن العاشر للميلاد حتى وجدنا قصص ألف ليلة وليلة ، وهي قصص شعبية شغلت الناس فترة طويلة من الزمان نجد فيها قصة قمر الزمان ، وابن الملك شهرمان والسندباد البحري . وعجيب وغريب ، وفيروز شاه . وقد ترجم كتاب كليلة ودمنة إلى اللغة العربية ، وكان أصله الأول هنديا فأضاف ذلك العمل إلي القصص العربي ثروة كبيرة . ولكن بعض أدباء العرب كانوا يعتبرون كتاب ألف ليلة وليلة ) كتابا غنيا بارعا ( كما روي ذلك السعودي في مروج الذهب وابن النديم في الفهرست . ولكن السواد الأعظم منهم ينظرون إليه ككتاب قيم مفيد وتراث أدبي كبير ، وقد تمني الكاتب الفرنسي ستندال أن ينساها ليقرأها مرة ثانية ويلتذ بقراءتها .
ولقد وجد قصاص في المساجد يقصون على الناس أخبار الأمم السابقة ، ويعظونهم ويرشدونهم إلى الطريق السوي المستقيم ، كعبد الله بن سلام ، والحسن البصري ، ووهب بن عتبه ، و تميم الداري . بل لقد أضاف بعض المفسرين في تفسير القرآن عنصر الإسرائيليات ، وهو الذي قام به بعض اليهود الذين أسلموا ، ككعب الأحبار ، ووهب بن عتبه ، كما يقول المستشرق الألماني جولد تسهير وقد ذكر ابن الأثير
أن ابن ورقاء في حوادث سنة ٧٧ سار في أصحابه قبل المعركة يحرضهم على القتال ويقص عليهم ، ولما لم ير القصاص التفت وقال : أين القصاص ؟ فلم يجبه أحد ، فقال : أين من يروي شعر عنترة ؟ فلم يجبه أحد .
وقد شاعت ألوان أخري من القصص في الأدب العربي ، كمقامات الحريري والهمذاني ، ولكن هذه المقامات كانت تعنى في الغالب بإظهار البراعة في الأسلوب ، والسجع في التعبير ، وتلجأ إلى التزويق اللفظي والتنميق اللغوي . ولقد نهضت القصة في الأدب العربي في العصر الحديث وتخلصت من هذه المظاهر وتنوعت وتعددت ، فألفت القصة التاريخية ، وألفت القصة الواقعية والقصة الخيالية ، وألفت المسرحية . وقد لقيت القصة المصرية على يدى الدكتور طه حسين بك وتيمور بك وتوفيق الحكيم خيرا كثيرا وتقدما كبيرا وأوشكت أن تطغي علي الشعر طغيانا عظيما . وحذت حذو القصة الأوربية في مناهجها وطرائفها وطرق عرضها ولا عجب في هذا ، فالقصة في الآداب الأوربية الحديثة أهم أنواع النثر الإنشائي وأكثرها ذيوعا ، وقد شاعت على أيدي سكوت وتاكري وديكنز وهاردي في الأدب الإنجليزي ، وبلزاك وإسيل زولا وأرانول فرانس وموياسان في الأدب الفرنسي .
وقد تعددت أنواع القصة ، فهناك الأقصوصة ، ويسميها الفرنسيون Conte وهنالك القصة القصيرة ويسميها الفرنسيون Roman ، وهنالك الرواية ويسميها الفرنسيون Rorman
وقد قال سارتر في إحدي مقدمات كتبه : " إننا يمكن أن نقول ببعض التحفظ إن القصص الجميلة تصبح مشابهة تماما للظواهر الطبيعية ، فننسى أنها من تأليف مؤلف ونعتبرها كصخرة من الصخور أو شجرة من الأشجار . ولهذا السبب فإنها تعيش " .
ونحن إذا ما استعرنا تعبير سارتر وجدنا كثيرا من القصص والروايات خالدة بين ظهر انينا خلود هذه الصخرة الشماء التي لا تدركها يد البلى ، أو هذه الدوحة الفارهة التي لم تصل إليها يد الفناء وإني لأذكر أن مستر د . س سافج Safage قد كتب منذ عهد قريب كتابا عن القصة الحديثة عنوانه " دراسات ستة في القصة العصرية " وقد تحدث فيه
عن القصة عند ارنست همنج وفورستر ، وفرجينيا وولف ومارجياد إيفانز ، وألدس هكسلي . وجيمس جويس ولكن سافج قبل أن يبدأ حديثه عن هؤلاء القصاصين تساءل قائلا : ما الفكرة ؟ واستطرد قائلا : ما القصة ! بل ما الفن ؟ وهكذا كان سافج مثله مثل الذي يقف على المسرح قبل أن يرفع الستار ليقول دعونا ننسى هل تعجب هذه المسرحية أم لا تعجب ، ودعونا نعرف أولا لماذا جئتم إلى هنا ؟ ! .
والواقع أن سافج Savage قد اضطر إلى ذلك اضطرارا ، فهو يعتقد ان للفن تأثيرا شديدا واعتمادا كبيرا على الحياة وعلى التجربة الإنسانية فالعمل الأدبى يحمل بين ثناياه تصميما وتوازنا بين الشخصيات وبين الذاتية والموضوعية وبين الكلى والجزئي ، والذاتية تلتقي دائما مع الموضوعية ، فنجم عن ذلك عنصر جديد هو عنصر الصدق التام في الأداء . ويضيف مستر سافج إلى هذا قوله : إن القصاص يقدم الحياة كفن من الفنون ، كما ان الفنان يقدم الفن كفكرة من الفكر ، راسما معانيها الخفية ، متتبعا إياها حتي الظهور .
أما فورستر foraster E.M. فيقول عنه سافج إنه من الطائفة الثانية من الكتاب ، والطائفة الأولى عنده هم هؤلاء الكتاب الذين يستمدون مؤلفاتهم من مركز الحياة ، أما الطائفة الثانية عنده فهم هؤلاء الذين يتخذون قصصهم من صراع داخلي في النفوس
ويعتبر سافج Savage فرجينيا وولف قصاصة من نوع غريب ، فهي لا تقسم الحياة إلا كتقسيم دقات الساعة كقصة مز دالاي مثلا قصة رمزية رائعة تصور تاريخ بيت على شاطئ البحر ، وأحلام طفل في سبيل الوصول إلى المنار الذي يتألق نوره في وسط البحر ، وتاريخ حياة رجل يصل إلى هذه الحقيقة عند ما يترك مرحلة الطفولة والشباب ، فإذا هي حقيقة سقيمة عقيمة .
أما جيمس جويس James Joyes ففي روايته بوليس قد برع في تحليل الإحساسات المكبوتة والرغبات المكتومة ، وقصة بوليس عبارة عن تاريخ يوم من أيام مستر بلوم ، والناس الذين يتنزهون في المدينة في ذلك اليوم ؛ وقد عدتها
مسز فرجينيا وولف فضيحة هائلة وجريمة منكرة ، وذلك لأنها تنتهي بليلة فاجرة داعرة .
وقد ظهرت الرواية التاريخية عند موريس هيوليت Hewlett في كتابه عشاق الغابة . كما ظهرت عند ستانلي ويمان Stanley Weyman في قصة ) بيت الذئب ( ؛ وقد حاول ستانلي هذا منافسة الكسندر ديماس الكبير ، فكتب تاريخ فرنسا على شكل روايات ، وقد ظهرت القصة النفسية على أيدي كتاب كثيرين . أهمهم د. ه لورنس D.H Lawerence الذي تتلمذ على يد سيجموند فرويد ، وموريس بارينح Baring صاحب القصص النفسية الكثيرة . أما القصة الاجتماعية ، فقد ظهرت عند إسرائيل زانجويل Zangwill الذي وصف حياة اليهود في كثير من قصصه . وجولد ورثي Golds Worthy والسكانية الأمريكية هاريت ستو Harriet Stewe التي وصفت حياة الرقيق في كثير من قصصها ، كقصة ) كوخ عم توم ( .
وليس من شك في أن القصة سواء كانت تاريخية أم نفسية أم اجتماعية ، فإنها تحتاج إلى فن في تأليفها ، وإلى قواعد في تنظيمها ؛ فينبغي أن تكون القصة وحدة متينة يحاول الكاتب دائما أن يبرزها في إطار واضح مبين وينبغى له أن يخضع أسلوبه لموضوعه ، لا موضوعه لأسلوبه ؟ كما ينبغي له أن يحسن رسم الشخصيات ، ويحلل مشاعرها ، ويحكم أقوالها وأفعالها ؛ فلا يصدر عمله إلا عن صدق . ولا يبني كلامه إلا علي معني ، ولا ترسم شخصياته إلا عن فكرة . كما أن الكاتب القصصي ينبغي أن يعتني بأسلوب قصته ولغتها ، وألا ينقلب إلى واعظ يعظ الناس ، بل يتخذ من الوسائل في عرضه ومعالجته ما يجعل الأذان مصغية إلي سمعه . والأسماع مشوقة إلي شخصياته . وأن يفرق بين القصة والأقصوصة ، وبين الحكاية والرواية .
وتمتاز القصة بالنثر والطول على حد تعبير شارلتون ، وتمتاز بالنثر لأنها تصور افعالا مقصودة ، وقد تقف منها وقفة طويلة محللة مفصلة ، وليس فيها قصر الرواية المسرحية مثلا في التصوير . فالكاتب المسرحي يكتفي بالإشارة . فإذا صور وليمة مثلا كوليمة شكسبير في ما كيت ، أو حفلة عشاء أو سمر كما فعل إلبوت في حفلة كوكتيل في مستهل
الرواية ، اكتفى بالمنظر دون مقدماته وبواعثه . أما الكاتب المسرحي فإنه يمهد لهذه الحفلات بأسلوبه ولا ينزع الأفعال ليجسمها تجسيما علي المسرح كما يفعل الكاتب المسرحي
ويقسم بعض نقاد الأدب القصة إلى قسمين : القسم الأول القسم الخيالي كقصص رحلات جوليفر وروبفسن كروز وغيرهما ، والقسم الواقعي . ومن القصص الواقعية قصة بلزاك ) جلد الأحزان La peau chagrin وهي قصة رجل يملك جلد أحزان قد جمع قوة سحرية عجيبة تمكنه من تحقيق رغاتبه . ولكن الجلد أخذ يتقلص إلى أن استنقذ الرجل جميع رغباته فاستنفذ حياته . ورواية كندية الفولتير أقصوصة فلسفية تسخر من التفاؤل ومن المتفائلين ومن القيلسوف الألماني ليتز الذي يقول إنني على خير حال في خير عالم ممكن ، وهي قصة رجل طيب ساذج يدور مع استاذه بنجيليوس ، فيلاقي ما يلاقي من محن وقرصنة وعذاب .
وقد صور جوستاف فلوبير في قصته " سلامب " الحرب البونية الثانية التي كانت بين قرطاجة ورومة . ويعد إميل زولا زعيم الروائيين الطبيعيين في فرنسا . وقد ظهر المذهب الواقعي في منتصف القرن التاسع عشر في لوحات ميليه Millet وكوريبه وروايات فلوبير والفونس دوديه . أما المذهب الطبي فزعيمه موباسان وزولا الذي كان يري تطبيق مباديء العلم ومناهجه التي بسطها كلود برنار في كتابه الشهير " مقدمة لعلم الطب التجريبي " على الأدب والقصة
