الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 607 الرجوع إلى "الثقافة"

في النقد الادبي, حديث في القصة

Share

نشأت القصة منذ فجر التاريخ وذاعت وشاعت علي الألسنة منذ أن كون الإنسان المجتمع . ولقد امتزجت القصة عند الإغريق بالمثيولوجي والخراقات والأساطير ، كهذه القصص الخرافية التي نجدها عند هزيود . وقد استمد هوميروس قصصه من الحرب التي نشبت بين الإغريق والطرواديين وحلفائهم . وهي تلك الحرب التي دامت عشر سنين ، كما استمد الأوديسة مما جري لأحد أبطال الإغريق وهو اودسيوس بعد سقوط طروادة . وقد وضع هوميروس بهذا أساس الشعر القصص في الأدب الأوربي ، فنشات الملاحم التي ألفت على غرارها ، مثل الياذة فرجيل ، وكوميديا دانتي ، وفردوس ملتون . وملحمة إرلندو الغاضب لاريستو ، وغيرها من الملاحم .

وقد تفرع من هذا الشعر القصصي لون آخر من الأدب وهو فن القصص ، وقد تقدم على مر الأزمنة حتي أصبح فنا قائما بذاته في الآداب الأوربية

ولم يعرف التاريخ قصة أقدم من القصة المصرية ، وذلك لأن المجتمع المصري كان أول مجتمع عرفه التاريخ ، فهنالك قصة السحرة الثلاثة التي ترجع إلي ألفي سنة قبل الميلاد . وقد عرفت مصر في عهد الدولة الوسطى في تاريخ مصر القديم قصة سنوحى ، وقصة البحار الغريق ، وتنسب كل منهما إلي الأسرة الثانية عشرة . أما في عهد الأسرة التاسعة عشرة فقد عادت القصة المصرية إلي الأزدهار . وشغف أدباء هذا العصر بكتابة القصص الغرامية والخيالية . وقد بلغ إعجاب المصريين بالقصص حدا كبيرا ، إلي درجة أنهم وضعوها إلى جوار الميت في قبره لتسليته وابعاد الوحشة عنه . وعرف المصريون القدماء كذلك قصص الاسفار والملاحين الذين ناهوا في البحار ، أو الحداة الذين ضلوا في القفار .

وربما عرف الأدب الجاهلي كثيرا من القصص . ولكن الذي لاشك فيه ولا محيص عنه هو أن الأدب الجاهلي لم يصل إلينا كله ، إنما وصل إلينا بعضه ، بل إن قدر ما وصل إلينا من النثر الجاهلي لا يعادل قدر ما وصل إلينا من الشعر الجاهلي . ومن يدري قربما فقد بعض القصص الجاهلي مع ما فقد من التراث الجاهلي . وقد اذكت حرب عبس وذيان ، وحرب المهلهل بن ربيعة وسيف ذي يزن . وإجراء النيل من جبال القمر - تأليف كثير من القصص وما جاء القرن العاشر للميلاد حتى وجدنا قصص ألف ليلة وليلة ، وهي قصص شعبية شغلت الناس فترة طويلة من الزمان نجد فيها قصة قمر الزمان ، وابن الملك شهرمان والسندباد البحري . وعجيب وغريب ، وفيروز شاه . وقد ترجم كتاب كليلة ودمنة إلى اللغة العربية ، وكان أصله الأول هنديا  فأضاف ذلك العمل إلي القصص العربي ثروة كبيرة . ولكن بعض أدباء العرب كانوا يعتبرون كتاب ألف ليلة وليلة ) كتابا غنيا بارعا ( كما روي ذلك السعودي في مروج الذهب وابن النديم في الفهرست . ولكن السواد الأعظم منهم ينظرون إليه ككتاب قيم مفيد وتراث أدبي كبير ، وقد تمني الكاتب الفرنسي ستندال أن ينساها ليقرأها مرة ثانية ويلتذ بقراءتها .

ولقد وجد قصاص في المساجد يقصون على الناس أخبار الأمم السابقة ، ويعظونهم ويرشدونهم إلى الطريق السوي المستقيم ، كعبد الله بن سلام ، والحسن البصري ، ووهب بن عتبه ، و تميم الداري . بل لقد أضاف بعض المفسرين في تفسير القرآن عنصر الإسرائيليات ، وهو الذي قام به بعض اليهود الذين أسلموا ، ككعب الأحبار ، ووهب بن عتبه ، كما يقول المستشرق الألماني جولد تسهير وقد ذكر ابن الأثير

أن ابن ورقاء في حوادث سنة ٧٧ سار في أصحابه قبل المعركة يحرضهم على القتال ويقص عليهم ، ولما لم ير القصاص التفت وقال : أين القصاص ؟ فلم يجبه أحد ، فقال : أين من يروي شعر عنترة ؟ فلم يجبه أحد .

وقد شاعت ألوان أخري من القصص في الأدب العربي ، كمقامات الحريري والهمذاني ، ولكن هذه المقامات كانت تعنى في الغالب بإظهار البراعة في الأسلوب ، والسجع في التعبير ، وتلجأ إلى التزويق اللفظي والتنميق اللغوي . ولقد نهضت القصة في الأدب العربي في العصر الحديث وتخلصت من هذه المظاهر وتنوعت وتعددت ، فألفت القصة التاريخية ، وألفت القصة الواقعية والقصة الخيالية ، وألفت المسرحية . وقد لقيت القصة المصرية على يدى الدكتور طه حسين بك وتيمور بك وتوفيق الحكيم خيرا كثيرا وتقدما كبيرا وأوشكت أن تطغي علي الشعر طغيانا عظيما . وحذت حذو القصة الأوربية في مناهجها وطرائفها وطرق عرضها ولا عجب في هذا ، فالقصة في الآداب الأوربية الحديثة أهم أنواع النثر الإنشائي وأكثرها ذيوعا ، وقد شاعت على أيدي سكوت وتاكري وديكنز وهاردي في الأدب الإنجليزي ، وبلزاك وإسيل زولا وأرانول فرانس وموياسان في الأدب الفرنسي .

وقد تعددت أنواع القصة ، فهناك الأقصوصة ، ويسميها الفرنسيون Conte  وهنالك القصة القصيرة ويسميها الفرنسيون Roman ، وهنالك الرواية ويسميها الفرنسيون Rorman

وقد قال سارتر في إحدي مقدمات كتبه : " إننا يمكن أن نقول ببعض التحفظ إن القصص الجميلة تصبح مشابهة تماما للظواهر الطبيعية ، فننسى أنها من تأليف مؤلف ونعتبرها كصخرة من الصخور أو شجرة من الأشجار . ولهذا السبب فإنها تعيش " .

ونحن إذا ما استعرنا تعبير سارتر وجدنا كثيرا من القصص والروايات خالدة بين ظهر انينا خلود هذه الصخرة الشماء التي لا تدركها يد البلى ، أو هذه الدوحة الفارهة التي لم تصل إليها يد الفناء وإني لأذكر أن مستر د . س سافج Safage  قد كتب منذ عهد قريب كتابا عن القصة الحديثة عنوانه " دراسات ستة في القصة العصرية " وقد تحدث فيه

عن القصة عند ارنست همنج وفورستر ، وفرجينيا وولف ومارجياد إيفانز ، وألدس هكسلي . وجيمس جويس ولكن سافج قبل أن يبدأ حديثه عن هؤلاء القصاصين تساءل قائلا : ما الفكرة ؟ واستطرد قائلا : ما القصة ! بل ما الفن ؟ وهكذا كان سافج مثله مثل الذي يقف على المسرح قبل أن يرفع الستار ليقول دعونا ننسى هل تعجب هذه المسرحية أم لا تعجب ، ودعونا نعرف أولا لماذا جئتم إلى هنا ؟ ! .

والواقع أن سافج Savage قد اضطر إلى ذلك اضطرارا ، فهو يعتقد ان للفن تأثيرا شديدا واعتمادا كبيرا على الحياة وعلى التجربة الإنسانية فالعمل الأدبى يحمل بين ثناياه تصميما وتوازنا بين الشخصيات وبين الذاتية والموضوعية وبين الكلى والجزئي ، والذاتية تلتقي دائما مع الموضوعية ، فنجم عن ذلك عنصر جديد هو عنصر الصدق التام في الأداء . ويضيف مستر سافج إلى هذا قوله : إن القصاص يقدم الحياة كفن من الفنون ، كما ان الفنان يقدم الفن كفكرة من الفكر ، راسما معانيها الخفية ، متتبعا إياها حتي الظهور .

أما فورستر foraster   E.M.  فيقول عنه سافج إنه من الطائفة الثانية من الكتاب ، والطائفة الأولى عنده هم هؤلاء الكتاب الذين يستمدون مؤلفاتهم من مركز الحياة ، أما الطائفة الثانية عنده فهم هؤلاء الذين يتخذون قصصهم من صراع داخلي في النفوس

ويعتبر سافج Savage فرجينيا وولف قصاصة من نوع غريب ، فهي لا تقسم الحياة إلا كتقسيم دقات الساعة كقصة مز دالاي مثلا قصة رمزية رائعة تصور تاريخ بيت على شاطئ البحر ، وأحلام طفل في سبيل الوصول إلى المنار الذي يتألق نوره في وسط البحر ، وتاريخ حياة رجل يصل إلى هذه الحقيقة عند ما يترك مرحلة الطفولة والشباب ، فإذا هي حقيقة سقيمة عقيمة .

أما جيمس جويس James Joyes ففي روايته بوليس قد برع في تحليل الإحساسات المكبوتة والرغبات المكتومة ، وقصة بوليس عبارة عن تاريخ يوم من أيام مستر بلوم ، والناس الذين يتنزهون في المدينة في ذلك اليوم ؛ وقد عدتها

مسز فرجينيا وولف فضيحة هائلة وجريمة منكرة ، وذلك لأنها تنتهي بليلة فاجرة داعرة .

وقد ظهرت الرواية التاريخية عند موريس هيوليت Hewlett  في كتابه عشاق الغابة . كما ظهرت عند ستانلي ويمان  Stanley Weyman  في قصة ) بيت الذئب ( ؛ وقد حاول ستانلي هذا منافسة الكسندر ديماس الكبير ، فكتب تاريخ فرنسا على شكل روايات ، وقد ظهرت القصة النفسية على أيدي كتاب كثيرين . أهمهم  د. ه  لورنس D.H Lawerence  الذي تتلمذ على يد سيجموند فرويد ، وموريس بارينح Baring صاحب القصص النفسية الكثيرة . أما القصة الاجتماعية ، فقد ظهرت عند إسرائيل زانجويل  Zangwill  الذي وصف حياة اليهود في كثير من قصصه . وجولد ورثي  Golds Worthy والسكانية الأمريكية هاريت ستو Harriet Stewe التي وصفت حياة الرقيق في كثير من قصصها ، كقصة ) كوخ عم توم ( .

وليس من شك في أن القصة سواء كانت تاريخية أم نفسية أم اجتماعية ، فإنها تحتاج إلى فن في تأليفها ، وإلى قواعد في تنظيمها ؛ فينبغي أن تكون القصة وحدة متينة يحاول الكاتب دائما أن يبرزها في إطار واضح مبين وينبغى له أن يخضع أسلوبه لموضوعه ، لا موضوعه لأسلوبه ؟ كما ينبغي له أن يحسن رسم الشخصيات ، ويحلل مشاعرها ، ويحكم أقوالها وأفعالها ؛ فلا يصدر عمله إلا عن صدق . ولا يبني كلامه إلا علي معني ، ولا ترسم شخصياته إلا عن فكرة . كما أن الكاتب القصصي ينبغي أن يعتني بأسلوب قصته ولغتها ، وألا ينقلب إلى واعظ يعظ الناس ، بل يتخذ من الوسائل في عرضه ومعالجته ما يجعل الأذان مصغية إلي سمعه . والأسماع مشوقة إلي شخصياته . وأن يفرق بين القصة والأقصوصة ، وبين الحكاية والرواية .

وتمتاز القصة بالنثر والطول على حد تعبير شارلتون ، وتمتاز بالنثر لأنها تصور افعالا مقصودة ، وقد تقف منها وقفة طويلة محللة مفصلة ، وليس فيها قصر الرواية المسرحية مثلا في التصوير . فالكاتب المسرحي يكتفي بالإشارة . فإذا صور وليمة مثلا كوليمة شكسبير في ما كيت ، أو حفلة عشاء أو سمر كما فعل إلبوت في حفلة كوكتيل في مستهل

الرواية ، اكتفى بالمنظر دون مقدماته وبواعثه . أما الكاتب المسرحي فإنه يمهد لهذه الحفلات بأسلوبه ولا ينزع الأفعال ليجسمها تجسيما علي المسرح كما يفعل الكاتب المسرحي

ويقسم بعض نقاد الأدب القصة إلى قسمين : القسم الأول القسم الخيالي كقصص رحلات جوليفر وروبفسن كروز وغيرهما ، والقسم الواقعي . ومن القصص الواقعية قصة بلزاك ) جلد الأحزان La peau chagrin وهي قصة رجل يملك جلد أحزان قد جمع قوة سحرية عجيبة تمكنه من تحقيق رغاتبه . ولكن الجلد أخذ يتقلص إلى أن استنقذ الرجل جميع رغباته فاستنفذ حياته . ورواية كندية الفولتير أقصوصة فلسفية تسخر من التفاؤل ومن المتفائلين ومن القيلسوف الألماني ليتز الذي يقول إنني على خير حال في خير عالم ممكن ، وهي قصة رجل طيب ساذج يدور مع استاذه بنجيليوس ، فيلاقي ما يلاقي من محن وقرصنة وعذاب .

وقد صور جوستاف فلوبير في قصته " سلامب " الحرب البونية الثانية التي كانت بين قرطاجة ورومة . ويعد إميل زولا زعيم الروائيين الطبيعيين في فرنسا . وقد ظهر المذهب الواقعي في منتصف القرن التاسع عشر في لوحات ميليه Millet  وكوريبه وروايات فلوبير والفونس دوديه . أما المذهب الطبي فزعيمه موباسان وزولا الذي كان يري تطبيق مباديء العلم ومناهجه التي بسطها كلود برنار في كتابه الشهير " مقدمة لعلم الطب التجريبي " على الأدب والقصة

اشترك في نشرتنا البريدية