المؤرخين والمشتغلين بالتاريخ والتأليف فيه شكوي تقليدية واحدة ، يفتتحون بها دروسهم إذا درسوا ، ويصدرون بها كتبهم إذا كتبوا ، ويقولها كل منهم في اسلوبه الخاص كانما هو يعتذر للقاري نيابة عن التاريخ . وفهومي تلك الشكوي او الفاتحة التاريخية - إن يصعب دائما علي المؤرخ أن يعين مبدأ عصر من العصور بذكر حادثة معينة ، إذ ليس ثمة بداية او نهاية لاية مرحلة من مراحل التاريخ ، وإنما تنسلخ العصور بعضها من بعض ، ولا شبه بينها إلا بمقدار ما يتبقي من اثر أو نتيجة في العصر اللاحق من العصر السابق . والواقع هو ذلك ، والتاريخ لا يعيد نفسه أبدا ، وإنما على الذين يتصدون لتدريس التاريخ ان يجعلوا لدروسهم بدءا ، وعلى الذين يكتبون الكتب في مختلف عصوره ان يمهدوا لموضوع ما يكتبون ، ولابد من اختيار نقطة بدء تكون مدخلا صالحا .
يقف المشتغل بتاريخ العصور الوسطى مثلا امام تلك الصعوبة يبحث عن نقطة يبدا منها دراسته ، فإذا بجذور تلك العصور متشبعة متفاوتة العمق ، بعضها في صميم التاريخ القديم ، وبعضها متصل بحهات بعيدة عن مسارحه ، فيسائل نفسه اولا : ما هي العصور الوسطى ؟ ، ويجد جوابه واضحا من حرفية التسمية ، ولكنه جواب لا يشفي ولا يغني ، فإن التاريخ لم يقسم نفسه إلي اقسام ثلاثة ، قديم ومتوسط وحديث ، ولم يقل اهل العصور القديمة بانهم الأقدمون السابقون ، ولم يعتقد أهل القرون الوسطي بأنهم المتوسطون ، ولم يفخر أهل الأزمنة الحديثة بأنهم أبناء آخر الزمان ، بل لم يقل احد من عامة أهل الفترات الانتقالية
بين عصور التاريخ الكبرى إنه في عصر مؤذن بمطلع جديد ؛ وهذا فضلا عن ان المورخين انفسهم لم يتواضعوا على تقسيم التاريخ إلي أقسامه الثلاثة استنادا إلي مجرد الترتيب الزمني والسلام ، فلو كان الأمر كذلك لانعدمت الحاجة إلى التقسيم
إنما يميز التاريخ القديم مما يليه في التقسيم المتواضع عليه مميزات معينة ، كما يمتاز التاريخ المتوسط من سابقه ومن التاريخ الحديث أيضا بمميزات خاصة ، وهكذا ؛ مع العلم بأن التاريخ كله قصة - أو دراسة - واحدة ، ذات فصول متصلة منفصلة معا . فالتارخ القديم - ولا شأن لنا هنا بما يسمي من العصور باسم ما قبل التاريخ - هو الفصل الأول من قصة الإنسان التاريخي ، وميزته الخاصة به من دون العصور التاريخية الأخرى ( فضلا عن مطلق أقدميته الزمنية ) أنه تاريخ تكوين المدنيات الإنسانية الأولى ، وهي المعروفة باسم المدنيات النهرية ، وقد نشأت في الأقليم المعتدلة ، التي يشملها اسم الهلال الخصيب . لمشابهتها في مجموعها الجغرافي شكل الهلال العظيم ، ولتوفر الخصب والعيش في كل منها توفرا كافيا لتنمية دولة وتنشئها ، بحيث تستطيع البقاء ما بقيت بعيدة عن عوامل الهرم ، وأهم تلك المدنيات النهرية مدنية الفراعنة في وادي النيل ، والمدنيات البابلية والأشورية والكلدية بوادي دجلة والفرات ، والمدنية الحيثية بشمال الشام وأطراف آسيا الصغري .
بقي كل من تلك المدنيات الأولى وحدة منفصلة عما عاصرها تمام الانفصال تقريبا أحفايا طويلة ، لا تعلم
الواحدة من شؤون غيرها إلا القليل النادر ، غير أنه لما كان كل منها يعمل على توسيع رقعته بالإغارة والفتح ، فقد اصطدمت اتجاهات بعضها ببعض ، ومن هنا نشأ الاتصال بين الدولة المصرية ودول الفرات ودجلة مثلا . ولما كان مزاج تلك الدول - وإن شئت فقل فلسفتها أنه لا محل في العالم لا كثر من دولة واحدة تكون لها السيادة الجامعة ، فقد اشتد الصراع لذلك بين تلك الدول القديمة ، ولذا كان مسرح التاريخ القديم مكتظا في معظم عصوره بدولة واحدة قد طغت على جميع الدول الأخرى ؛ واية ذلك الدولة المصرية ايام تحتمس الثالث ، والدولة الأشورية زمن أشور بانبال ، والدولة الفارسية أيام قمبيز
ثم نبئت المدنيات الجزرية في شرقي البحر الأبيض المتوسط وبحر إيجه واليونان ، على أن مزاج تلك المدنيات الجديدة لم يختلف عما سبق ذكره في وصف المدنيات النهرية الكبرى ، من حيث حب الغلبة والانفراد بسيادة عالية ، في القديم على قدمه ، ونشات الحروب الطويلة بين المدنيات الجزرية الفتية والمدنيات النهرية التي فات زمنها ؛ وأوضح الأمثلة لذلك حروب اليونان ضد الفرس ، ومحاولة الإسكندر المقدوني ليبسط سلطانه على جميع بلاد العالم المعروف ، ونجاح الدولة الرومانية في تحقيق ما فشل فيه الإسكندر حتي امتدت إمبراطوريتها من بلاد الفرات إلي إسكتلندة ، ومن الشلال الأول إلي ضفاف الرين والدانوب .
ومهما يكن من شئ فقد توافق المؤرخون على اعتبار الدولة الرومانية خاتمة التاريخ القديم ، وحسب المتأمل نظرة واحدة في خريطتها المترامية الحدود ، والقاريء مطالعة قصيرة في احداث تاريخها الطويل ، ليعلم الأسباب التي ميزتها عند المؤرخين نهاية العصور القديمة . ذلك ان الدولة الرومانية قد اكتنفت ساحات جزرية ونهرية معا ، وامتدت فتوحها إلي تخوم وسهوب تعج بحركات قبلية عنيفة ، وهذا
فضلا عن أنها أخضعت لسلطانها مدنيات عنيدة لم نشأ أن تعني على آثارها ، بل تركتها تنمو نموا محليا مادام أهل تلك المدنيات يؤدون كل ما عليهم من فروض الطاعة والانسجام ؛ فظهرت المسيحية التي دعت إلي التمييز بين مالله وما لقيصر من الواجبات ، ونشأت الأفلاطونية الحديثة التي قال رجالها بأن الله أزلي فوق المادة وفوق الروح وفوق الإمبراطور ، وتحركت على كثير من حدود الدولة في فيئات مختلفة القبائل الجرمانية ، تبتغي العيش والسيادة في أقاليمها . فلو كان باستطاعة الدولة الرومانية أن تتغلب على تلك العوامل التي تخرت في ديانتها الوثنية وسيادتها المادية ، واستمرت سيدة العالم المعروف ، لما كان ثمة حاجة إلي تسمية ما بعد القرن الرابع الميلادي من القرون باسم العصور الوسطي إنما الذي حدث أن الدولة الرومانية الوثنية تصدعت تحت ضغط العوامل المتقدمة وغيرها ، وسرعان ما أضحي مسرح التاريخ دولا كثيرة ، وليس منها من يستطيع الانفراد بالسلطان السياسي أو الديني علي جميع العالم ، بل يريد كل منها أن يسود في إقليمة ، وبذا انمحت آنة العصور القديمة وميزتها ، فلا أقل من تسمية المؤرخ لما تلاها من القرون باسم جديد ، هو العصور الوسطي
ولكن من أية نقطة تبدأ تلك العصور الوسطي . أمن ظهور المسيحية ، أم من نشأة الأفلاطونية الحديثة ، أم من بدء حركات القبائل الجرمانية ؟ أم ينتظر المؤرخ حتي تبدو مطالع التيوقراطية التي وضحت بعد في دولة جستنيان ، والخلافة الإسلامية ، ودولة شارلمان ، والإمبراطورية الغربية ، والبابوية نفسها ؟ الواقع ان لكل من تلك البدايات المتقدمة نصيبا من الصلاحية ، غير انه لما كانت مدنية العصور الوسطى مزيجا منها جميعا ، فمن المستحيل اختيار واحدة منها بدون إهمال بقيتها ، ومع هذا فلا بد من نقطة ابتداء ، وأكبر ظني ان عهد الإمبراطور قسطنطين الاكبر ) ٣٢٣-٣٣٧ م
يمثل كل تلك النقط تمثيلا كافيا ، وهذا فضلا عن وقوع بعض الحوادث التي تفرعت عليها اهم تطورات القرون الوسطى في ذلك العهد ، فهو لذلك ! كثر صلاحية من اي بدء آخر ، كما قرر جواتكن ) gwatkin في الفصل الأول من الجزء الاول من موسوعة كامبردج للعصور الوسطى (cambridge medievel history)
أول تلك الحوادث التي تمت في عهد قنسطنطين الأكبر أنه أصدر ، وهو يشق طريقه إلي العرش الإمبراطوري مرسوم التسامح المعروف باسم مرسوم ميلان ، الذي جعل الديانة المسيحية لأول مرة في تاريخها حرة طليقة تماما ، كيفية الديانات المحلية في الدولة . وكان غرضه من ذلك سياسيا في الغالب ، إذ كان القسم الشرقي من الإمبراطورية ، حيث كان كثير من الناس على المسيحية ، لم تدخل تحت سلطانه بعد ، فأراد بمرسومه هذا ان يجتذبهم إلي جانبه . على ان ذلك لا يقلل من اهمية مرسوم ميلان الذي جاء فيه أن لكل فرد الحرية في اتباع الديانة التي يرغب فيها ، سواء أكان مسيحيا ام من ابناء اي ديانة اخري فمن ذلك الوقت صارت المسيحية ديانة مسموحا بها religio licita ضمن الديانات المنتشرة في الإمبراطورية ، وقد أفردها قسطنطين برعاية خاصة من لدنه ، مع أنه لم يعتنقها حتى قبيل وفاته .
ولقد كانت هذه السياسة التي اتبعها قنسطنطين نحو المسيحية أحد الأسباب التي حدث به إلي التفكير في نقل عاصمة الدولة من روما إلي بيزنطة ، فإن رعاية المسيحية لا تتسني في روما ، حيث كانت التقاليد والمصالح الوثنية على اشدها . وقد اطلق الامبراطور على العاصمة الجديدة اسمه ، فسماها القسطنطينية ، وأحدث بذلك في رءوس المعاصرين هزة عنيفة ، فإن روما كانت رمز الامبراطورية ، بل إن الرومان كانوا يعتقدون أنه لابقاء للدولة إذا ذهبت العاصمة عن روما الخالدة .
وإذ كان غرض الإمبراطور من رعاية المسيحية سياسيا
في الغالب كما تقدم ، فليس بغريب أن يعمل ابتغاء الهيمنة على شؤونها ، وكان من مظاهر ذلك تدخله في المسألة الجدلية حول طبيعة المسيح واقتومه ، ودعوته أول مجمع مسيحي مسكوني في نيقية ( إسنك الحالية ) لحسم النزاع المذهبي ، وإصداره لقرارات ذلك الجمع باسمه ، وتلك هي السياسة الثيوقراطية التي مشي عليها كثير من ملوك القرون الوسطى .
هذا ولقد كان لانتقال العاصمة إلي القسطنطينية أن روما لم تعد المدينة الأولي في الدولة ، وانقطع الأباطرة عن سكناها طبعا ، فأصبح اسقفها ا كبر شخص فيها من ذلك الوقت ؛ ولما كانت المسيحية قد اتخذت كثيرا من انظمة الاإدارة الرومانية ، فقد كون اسقف روما من مقامه في العاصمة القديمة سيادة دينية على جميع العالم المسيحي ، وهذه هي نواة البابوية في القرون الوسطى .
يتضح من ذلك كله أن حوادث فنسطنطين الأكبر كانت تؤذن ببدء عصر جديد من عصور التاريخ ، ويزيد الأمر وضوحا أنه جد على العالم الروماني منذ ذلك العهد ظاهرة لم تكن موجودة وجودا رسميا من قبل ، ونعني بذلك البابوية وهيئة الكنيسة المسيحية ، فقديما كانت ديانات ومعابد كثيرة ، غير أنه لم يكن هناك رآسة كنسية جامعة بدين لها أصناف الناس ، بل كانت الهيئة التي فردت بهذا السلطان الشامل هي الحكومة والإمبراطور roma et augustusفلما أصبحت المسيحية الديانة الرسمية وحدها في أواخر القرن الرابع البلاد ، صارت الكنيسة وحدها متجه قلوب الناس وإخلاصهم وأنواع نشاطهم . وكما أن قوة الكنيسة المسيحية ووحدتها هي الظاهرة الكبرى في العصور الوسطى ، فإن انفصام تلك الوحدة ، وظهور الخلافات الدينية ، ومطالبة المصلحين لتعديل بعض أركان الحكومة الكنسية ، ونشأة الكنائس القومية ، هي في مجموعها أحد المنذرات التي آذنت بانتهاء القرون الوسطى ، وبدء العصور الحديثة في التاريخ العام

