الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 229 الرجوع إلى "الثقافة"

في حياتنا الفنية :، معرض القاهرة سنة ١٩٤٣

Share

لعل من الخير - قبل أن تأخذ في الكلام عن الصور والمصورين في معرض هذا العام - ان نكشف من المعايير التي تصدر عنها في تقدير الجمال الفني ، حتى تقف والقراء علي قاعدة ، وننظر وإياهم من زاوية واحدة .

وأول هذه المبادئ أن لا نتعصب لمذهب في التصوير على مذهب ، وأن ندع للفنان أن يختار مدرسته ، بل أهم من ذلك وأوجب - أن نخوله الحق في التجديد سواء أكان تجديده تكملة لهذا المنحي أو ذاك من مناحي الفن ، أو استطرادا له ، أو توفيقا بين مختلف المناهج أو خروجا عليها جميعا ، وليست ترجي حياة للفن إلا إذا جرى علي سنة الحياة ، والحياة لا تعرف الوقفة والجمود .

ثم أمامنا عقبة أخرى : فما برحت الفكرة المتسلطة على رواد المعارض أن المراد من الفن أن يرفع المرأة للطبيعة ، تترامي فيها وترتسم على صفحتها في صدق ومطابقة دون فارق ومن غير أدنى اختلاف ، اللهم إلا أن تكون صورة الطبيعة المنعكسة أبهي رونقا وأزهي إشراقا في نظرهم بما

يزيد عليها في صقال المرآة من جلوة ونورانية .

ولقد هان قدر التصوير عند افلاطون من أجل هذه المحاكاة للطبيعة ، أو - على حد عبارته - هذه المحاكاة لمظهر الطبيعة . ولم يرله - وهذا شأنه - كبير شأن ، ولم يسعه في سياقه المنطفي إلا أن يعده من القشور واللغو . فلا عجب إذا كان الفيلسوف الفنان لم يجد مندوحة من أن يقصى المصورين وسائر أصحاب الفنون المحاكية من جمهوريته النموذجية ومدينته الفاضلة المثالية

ولو كان التصوير غايته المحاكاة لأغني عنه التصوير الشمسى ، وبخاصة بعد إدخال التلوين عليه بشتي اصياغه ، وبعد بلوغه أبعد الغايات في إتقان ادواته وإحكام طرائقه والتفنن في أوضاعه .

ولكن التصوير بقي وازدهر ، حتى بعد أن نفاه افلاطون من جمهوريته في القرن الرابع قبل المسيح . وحتي بعد اختراع التصوير الشمسى ، والتصوير الشمسي الملون في القرن التاسع عشر والقرن العشرين بعد المسيح

وذلك كله لسبب واحد بسيط ، وهو ان المحاكاة في الفن ليست أخص خصائصه ، فالصورة قد تكون مطابقة كل المطابقة للأصل ، وهي مع ذلك لا تمت إلي الفن بسبب وقد يكون لبعض الصور قيمة من حيث تسجيل الأشكال وحفظ المشابه ولكنها قيمة تاريخية . فإذا تعدى المصور إثبات الواقع الذي براء إلي اقتراح الشعور الذي يحسه ،

فعند ذلك فقط تكون للصورة صفتها الفنية ، أي أن الفن مطلبه شعوري قبل كل شئ ، وعلى قدر بلوغ صورة من الصور إلي التأثير العميق بأبسط مادة وأوجز طريق يكون موضعها من الفن الحر الخالص

وبعد الذي قدمنا من توطئة وتمهيد ، تجتاز مع القارئ المدخل الفخم من سراي الجمعية الزراعية الملكية إلي ردهة المرض الفسيحة الرحاب ، ولكننا لا نكاد ندير الطرف حولنا حتى نجدنا كالمنجذبين بيد خفية قوية إلى ناحية لوحات الفنان محمود بك سعيد . تلك قوته السحرية ! وهي الغالية في كل مرة . ومحمود بك سعيد في هذه المرة قد انتظمت له كل خصائصه ، وتألفت اوابده ، واندمجت نزعات فنه ،

وهي على حالها من العنفوان والروعة ، فأخرج لنا في العاريتين اللتين عرضهما ذخائره كسبيكة الذهب الأبرية مصهورة مجلوة .

وتمثل إحدى الصورتين سمراء مذهبة اللون ، مولية ظهرها  تجلس القرفصاء على أرض الغرفة ؛ مستندة الرأس إلي أريكة من حرير لطيف الخضرة . والمرأة مطهمة الخلق ، جزلة الأوصال ، وافية تقاطيع الجسم ، ينطق حقواها ومتانة فخديها وامتلاء صدرها جميعا بما أودع فيها من قوة الحياة . فلا يسع الناظر إلي هذا الجسد المثلي بالحياة ،

المستجيب في صحة وقوة لدواعيها ، المنهمي للبذل والتعب في خدمتها واستدامتها - إلا أن يشعر له بالتمجيد . وشتان بين تمجيد وتمجيد ، فهو هنا ليس تمجيد اللذة ، وأنانية المتعة ، وفساد الشهوة . ولكنه تمجيد للحياة .

وقد أبدع الفنان في تكوين الصورة من حيث انحناءة الظهر في مقابلة التوازي الذي بين المرفقين والركبتين . ثم هذه البؤرة المشعة بالنور الساطع الساخن في المنديل المعصوب على رأسها تستهوي النواظر ، فلا نبرح محومة عليها كالفراش حول الشمعة المضيئة . ويريد في جمال هذه البقعة الساطعة على عصبة رأسها ذلك الخلخال الضخم من القصة في رجليها مطفأ اللون رصين المدن . وأخيرا هذا الفيض على متنها من ضياء لا مع يجري في قناة ظهرها كأمواه من الذهب السائل

وأما الصورة العارية الثانية ، فهي أقل من الأولى حجما ولكنها لا تقل عنها قدرا ، وعلى الأخص من أجل هذا المعنى الغامض في نظرتها المرسلة ، بل في كيانها الأملس المصقول كله . وهي غارقة في وهج من النور الذهبي ، ولكن هيهات ينفذ إليها ، فهو أبدا نور خارجي يجعل غموضها بحكم المباينة أبين وأظهر ، ومن ثمة بغري بالمزيد من تأملها وإمعان النظر فيها واكبر الظن أن الذي يطيل

من تأملها ، ويديم إليها النظر لا يلبث أن يري فيها " جوكندا " مصرية بابتسامتها الخفية الشائعة ، وجلستها اللقزة الرمزية .

وندع الآن هذه وتلك ، إلي صورة الطفولة البريئة اليقظي ممثلة في " نادية " وهي وإن كانت " نادية التي رسمها والدها في لوحة من لوحاته الرائعة ما زلنا نذكرها عند عام سنة ١٩٣٣ ، إلا أنها زادت في مراحل حياتها السعيدة تماء ووعيا ، كما زاد الوالد في معارج فنه العظيم تفوقا وعلوا . ولا شك في أن المتابعين لمعروضات محمود بك سعيد في معارض القاهرة يجدون بين لوحاته في كل عام صورة من صور الأشخاص على هذه الصفة التي تشهد أصدق الشهادة وأبلغها على ما اجتمع له من تمكن الصانع من حيث المحاكاة والنقل ، وإلهام الفنان من حيث الإبداع والتعبير

وتنتقل إلي الأستاذ محمد ناجي وهو يؤثر السطحية علي التعميق في صوره تشبها بالتصوير المصري القديم . وأحب صوره إلينا " العودة إلي النيل الأزرق " التي يمثل فيها عودة هيلاسلاسي نجاشي الحبشة إلي بلاده . وليس يخطيء الناظر إليها هزة الطرب التي سرت في كل شئ حتى لتتوسمها في الحيوان الناشط والنبات المترعرع ، والصورة فوق ما بها من هذه الحركة الشجية تروق العين بما لها من مسحة زخرفية . على أننا لا نأنس إلي " مقابر طيبة

فالناس فيها والحجارة والثياب والأرض جميعا من مادة واحدة . وهي في تنسيقها ، ولمسات الوانها ، وتوزيع شخوصها اشبه بالنقوش والجامات في الطنافس والسجاجيد الشرقية

ثم الأستاذ أحمد صبري صوره في هذا المعرض على غير ما عهدنا منه . فلمساته اوسع سطوحا ، واقرب إلي وحدة اللون .

وقبل أن نترك هذا الجانب من الردهة ، يجب ان تنوء بجماعة المرسم بالإسكندرية ، وعلي رأسهم ( انجل بولو)

وقد عرض صورة واحدة تمثل منظرا طبيعيا . وقد بلغ فيه غاية التعبير مع الاقتصاد الذي ليس بعده اقتصاد في وسائله . ثم (ساسون ) وهو زاهد في تدريج الألوان .

ولا يركن إلي الظلال في التجسيم وتكوين السطوح . وإنما يعمد في تكوينها إلي المداولة بين الألوان الحارة والباردة . كما أنه يذهب مذهب أصحاب التكعيب في بعض رسومه . وثمة غير هذين اخرون على درجات متفاوتة من النبوغ . والإجادة ، إلا أننا لا نجد غير مجرد التقليد في معروضات ( بول ربشارد ) التي يتأثر فيها طريقة بعض التأثرين المعروفة باسم التنقيط .

ويأتي بعد ذلك جانب الأستاذ يوسف كامل ، ويمثل لنا كعادته حياة صبايا القرية بين حيواناتها فانها الداحنة . وهو يحتوى أحيانا بأيسر التأثير ، ولكنه حين يعتمد الدرس يخرج لنا لوحات جديرة به مثل لوحات الراعية ومنظر وفرحة " .

ومن هذه المدرسة ( الأستاذ حسني البناني ) في الردهة

العليا ، فإنه موفق ولا شك في التأثيرات الضوئية علي الشخوص والمنازل القديمة ، واستعداده كبير للمناظر المسرحية . ولكنه لم يصبر على الدرس إلا في صورة واحدة هي " وجه فتاة .

ويسرنا أن نرقب - في معرض بعد معرض - ظهور ملكات الأستاذ حسين بيكار ، فهو لا يبرح صاعدا بخطي مترنة ثابتة ، وهو يطالعنا في هذا المعرض بصورة بديعة لشخصه ، وبصورة " عارية " ابدع ما فيها

رأسها حتى كتفيها ، وقد أفاض عليها رقة وشاعرية وبخاصة صورة " السيدة ميمي صبري " برسمها المدعم وألوانها المتناسقة ، فتري فيها الريشة الرصينة ، والفنان المخلص الذي لا يحاول الأدعاء

ويضطرنا ضيق المقام المسموح به إلي ان نقف عند هذا الحد دون أن نكمل الدورة ، ودون ان نوفي كل فنان من العارضين حقه . ولكن هذا لا يمنعنا من ان نجعل القول بأن الزائر للمعرض يشعر شعورا لا يخالجه ريب بأننا في إبان نهضة ؟

اشترك في نشرتنا البريدية