الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 229 الرجوع إلى "الثقافة"

قاسم أمين الوطني، -2-،

Share

لتقف مرة اخري عند وجه من وجوه الوطنية العامة حتى نتعرف وطنية قاسم امين من سائر نواحيها ، وقد اسلفنا فقلنا إن قاسم كان مؤمنا بالتقاليد والمثل العليا التي سلمت في تفكيره والتي رآها تنحدر إلينا في تاريخنا الديني والقومي . ولكن لا تحسب أنه لم بتر علي التقاليد والعادات التي رآها ضارة بالمجتمع الذي عاش فيه . فالوطني بعض أحيان يكون من الساخطين . فهو يريد أن يرتفع بقومه إلي حيث يصور له الأمل ويطير به الخيال ، ولكنه يرتد فإذا بقومه تتقعد بهم النقائص وإذا بهم يعجزون عن بلوغ ماصوره خياله . لقد تكون ثقافته كاملة وقد يكون افقه متسعا . وقد يدرك من القوة الخفية التي في أمته مالا يدرك الآخرون . فهو يدعو لكنه لا يجد استجابة لدعوته ،

وهو يعلم ولكن قليلا من يتعلم . وهو ينقلب بعد ذلك ثائرا ساخطا يدل قومه على نقائصهم ويسخر منها ويهزأ بها يحاول ان يبصرهم بما هم فيه . وكذلك كان قاسم امين من الوطنيين الساخطين .

لقد ذهب بعض علماء الأخلاق إلي أن السخط أساس أخلاقي وأنه دافع قوي نحو العمل . وكذلك كان السخط عند الوطنيين الساخطين دائما ، انت تقرأ الشعر في مختلف عصوره وعند مختلف الأمم فماذا ترى ؟ ترى أن فريقا كبيرا يهجو قومه ويصور لهم نقائصهم في صورة بشعة ، وانت تقرأ الشعر المصري في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين فلا تعدم هذا الهجاء الساخط ، بل انت تقرأ للأستاذ الإمام ولجمال الدين فترى أنهما من الساخطين كل هؤلاء ، كانوا يريدون الإصلاح وكان يضيق بهم الا

تستجاب دعوتهم فكانوا يلجأون إلي تصوير النقائص التي يلمسون ، كل بالإسلوب الذي يرمي . وكان قاسم امين من هؤلاء .

ذلك إذن وجه من وجوه الوطنية عند قاسم أمين وهو الوجه الذي طالما أسئ فهمه . فقد حسب قوم أنه حين كان يعدد النقائص التي يراها ، إنما يفعل ذلك لحب النقد فحسب . لكنك إذا تدسست في الصميم من نفس مثل هذه راعك منها انها نفس مصلحة جاهدة وانها ترى من الإصلاح أن تكتب عن وجوه النقص . وهي نفس وهبت حسن البيان فاستطاع صاحبها ان يرتصد لهذا

لنقص فيصف مظاهره . هناك احاديثه اللاذعة عن الفقر في مصر وعن نقص التربية وعن الأنانية وحب الوظيفة والتفاني في سبيل الصالح الشخصي ، وهناك أيضا أحاديثه عن العادات المستهجنة في حفلات الجنائز والزواج ، وهناك كتبه التى رصد فيها وقائع مثل الرذائل في الحياة العامة كل هذه كتب عنها في لهجة الساخط الغضوب . ولكنه لم يكتب للسخط فقط ولا للغضب فقط وإنما كتب لوازع وطني في نفسه ولحب أصيل للإصلاح .

والساخطون في كل عصر وفي كل صقع كانوا من زعماء الإسلام . بل لعلك لا تستطيع أن تذكر مصلحا له وزن في التاريخ العام إلا كان ساخطا علي البيئة التي نشأ فيها . ألم يكن سقراط من الساخطين على النظم الفلسفية والسياسية التي اعتنقتها اثينا ؟ أو لم يلق حتفه لأن أهل أثينا صوروه في صورة الثائر الذي يحاول أن يفسد الشباب ؟ كذلك كان مرتن لوثر ، وكذلك كان قولتير ، بدأوا جميعا ساخطين ثم انتهوا إلي ما قل أو كثر من الإصلاح الذي ما زلنا نمس آثاره حتى اليوم .

ولكن مثل هذه الوطنية كان لا بد لها ان تتصل

بالفكر الأوروبي عن قريب أو عن بعيد . وقد اتصلت فعلا بالفكر الأوروبي لأن قاسم أمين عاش في أوروبا أربع سنين ولأنه قرأ الفلسفة الفرنسية والتاريخ الفرنسي قراءة مهمة . وهو بعد ذلك ينظر إلي أوروبا نظرتين مختلفان كل الاختلاف ولا تكادان تتفقان إلا في انهما نظرنا شخص واحد . أما النظرة الأولى فهي نظرة السخط على أوروبا أو قل نظرة المظلوم إلي ظالمه والنظرة الأخرى نظرة الإعجاب بالفكر الأوروبي وبالحضارة الأوروبية وبالتقدم المادي الذي بلغته أوروبا .

بذلك هذه النظرة الأولى جلية في ردة على الدوق دار كور ، وهناك بدت وطنيته التي أثارتها مطاعن الدوق الفرنسي . ولم تكن وطنيته هذه سياسية إلا بمقدار وإن كانت وطنية ثقافية . ثم يكن ينظر إلي إنجلترا حين يدافع عن بلاده وإنما كان ينظر إلي أوروبا بأجمعها . كان يعلم أي افتتات على العدل ، وأي أحجاف وقع على أبائنا و أجدادنا حينما تحجرت الامتيازات الأجنبية فدنت

بالفساد في جذور الحياة المصرية . وقد كانت الدول الأوروبية لا ترعي حرمة في سبيل مصالحها الخاصة . وكان القنصل الواحد يحكم شبه مملكة مستقلة لا تحترم قانون الدولة ولا تدفع ضرائبها ولا تلتزم بواجباتها . وكان لباريس ولدن وبرلين حق النقض لكل ما تحاول ان تقوم به القاهرة من اصلاحات . ذلك هو بيت الداء الذي لمسه قاسم أمين حين تحدث عن علاقتنا بأوروبا . وهو كما ترى على حق وأفقه الوطني كان متسعا من أول الأمر ونظرته إلى أوربا كانت نظرة عامة ارتفعت عن الأهواء السياسية الصاخبة

تلك إحدى النظرتين اللذين وجههما قاسم أمين إلي أوربا ، أما نظرة الإعجاب فقد كانت شيئا يختلف عن ذلك . كل الاختلاف . كان يعلم أن في البلاد الأوروبية حرية

تطوع للرجل أن يكتب ويخطب ويتحدث كيف شاء وكان يعلم أن قوانين الحرية والإخاء والمساواة قد شاعت بين الافراد والجماعات ، وكان يري ان الغني أهم ما يميز الجماعة الأوروبية وأن الثروة نفسها قد أتت على الجهل والمرض فكادت تلاشيهما ، بل كان يرى فوق ذلك ان التقدم المادي الذي بلغته اوروبا قد قام على أساس من الخلق المتين وان المرأة والإقدام والشجاعة أجزاء متماسكة من هذا الخلق

ثم لقد كان يري فوق ذلك أن المرأة الأوروبية قد بلغت شأنا بعيدا في سبيل التعليم والحضارة ، نعم كان يري كل ذلك ويعجب به وكان يحاول جهده ان يضرب الامثال بالأوروبيين والأمريكيين في كل مجال من هؤلاء . وكانت وطنيته نفسها تنقلب إلي شعور بالغيرة وكانت غيرته يدفعه إلي الدعاية لهذه المبادئ الأوروبية التي استقامت له من دراساته المختلفة ومن قراءاته الواسعة البصيرة .

وأرجو أن تكون قد أدركت معي كيف جمع قاسم أمين بين ثنائيات تحسبها في أول الأمر نقائص وما هي بالنقائص فقد كان تركيا ومصريا في وقت معا ؛ وكان يحب المسلمين ويدافع عن عقائدهم ضد الذين خاضوا في دينهم عن جهالة ، وكان في نفس الوقت يكره من المسلمين استكانتهم إلي الرذائل التي انحدرت إليهم وإلي العادات الضارة التي ألقوها . وكان راضيا عن دينه كما يصوره لنفسه ، لكنه كان ساخطا علي هؤلاء الذين اتخذوا من الدين ستارا لرغائبهم وشهواتهم . فهو يجمع بين اضداد تراها دائما في حياة

كثير من المصلحين . وكل مصلح يصور لنفسه مثلا أعلى يطمئن إليه وينافح عنه ، لكنه ) إذا هبط من علياء خياله إلى الواقع المحس شعر بأماله العراض وهي تتزايل . وهو إذا واجه أوروبيا دافع عن كيانه الوطني قصور مثله الأعلي لكنه إذا واجه أبناء وطنه أظهر السخط عليهم فصور

لهم حقائق حياتهم كما يراها

ولا يهولنك أن يكون قاسم أمين ذا شخصية متناقضة كما صورت لك . فقد بحث كثير من النفسيين شخصية الإنسان وانتهى بعضهم إلي أن لكل إنسان اكثر من شخصية واحدة . لست أريد أن اذكرك " بدكتور جيكل ومستر هايد " ولا أية واحدة من هذه القصص التي قرأنا في العصر الحديث ، لكن الذي ثبت ان لكل إنسان أكثر من محيط واحد يكون شخصيته - فإذا هو اختلط

بإخوان له كون اجتماعه لهم شخصية خاصة به قد تكون مرحة وقد تكون بسيطة يسيرة وإذا هو اضطرب في زحمة من الأجانب تقمصته شخصية اخرى قد تكون كئيبة حزينة . وكذلك قل عن الفرد بوجه عام فهو ذو شخصية عالية إذا تثقف بثقافة عالية وذو شخصية قومية محدودة إذا اجتمع بأبناء وطنه وذو شخصية عائلية حين يسكن إلى زوجه وبغيه . وهو يؤلف في حياته الخاصة بين هذه الشخصيات جميعا فتنتاويه حين ينقلب في وجوه الحياة .

والشرقيون الذين نثقفوا بثقافة العرب وعاشروا أهل الغرب ردها من الزمان والذين اشربوا اصول المدينة الغربية قد امتازوا دائما بأن لهم شخصيتين تكاد تعتقدان الواحدة منهما منفصلة عن الأخرى . أما الشخصية الأولى فهي الشخصية الشرقية التي نشأت معهم ؛ وهي الشخصية التي تحتفظ التقاليد والعقائد الاولى وهي مستمدة من بيئة الإنسان حين نشأ في المهد ، أما الشخصية الثانية فهي الشخصية الغربية التي كونتها البيئة المعنوية الأخرى .

الشخصية الأولى هي التي تعاود الإنسان كلما حن إلي بلده أو دينه ، والشخصية الثانية هي التي تملك عليه التفكير حينما يريد أن يقتدي بأهل الغرب . والشخصيتان يتعاوران الإنسان فيحدثان ازمة حادة او قل محنة نفسية لا يقدر

مداها إلا الذين تمرسوا بها ممن امنوا بالشرق منبتهم الأول وممن امنوا بالغرب حين أصبح مثابتهم الآخري . هي أزمة نفسية حادة لأن الشرقي من هؤلاء يحاول دائما أن يوفق بين عقائده التي اختلطت بقلبه وبين ثقافته التي نشأت عقله . وبين العقل والقلب فجوة قد تتسع بعض أحيان وتتسع حتي لا سبيل إلي التئامها

كذلك كان قاسم أمين من أولئك الذين ازدوجت شخصيتهم . فهو يضع قدما في الغرب وقدما اخري في الشرق . وهو ينظر بعين إلي أوروبا ويرنو بالعين الأخرى إلي مصر . وهو بعد ذلك حامل ثقافتين حاول أن يلائم بينهما . وهو قد وجد نفسه في المحنة التي وصفنا . وهو قد أصيب بأزمة نفسية حادة حين اخذ نفسه بالتوفيق بين الشرق وبين الغرب . فلا تعجبن إذا بدت لك شخصيته

الشرقية المسلمة في أحيان وإذا ظهرت لك شخصيته الأوروبية المتفرجة في أحيان أخري . ولا تحسبن أنه متناقض حين يرد على الدوق دار كور فيذ كر فضائل الإسلام ومصر ، وحين يكتب في تحرير المرأة فيذكر نقائص المسلمين والمصريين . ولا تلوم منه إذا نظر إلي أوروبا في مرة نظرة هازئه مستصفرة وإذا هو نظر إليها في مرة اخري نظرة هادئة مستكبرة . فليس كل هذا إلا نتيجة لتلك الشخصية المزدوجة التي حاولنا ان نبسط الكلام فيها .

وحسبنا أن نذكر أنه كان وطنيا وان الوطنية عنده كانت متعددة النواحي . فلم تكن وطنية مدافعة فحسب ولم تكن وطنية معمرة فحسب ولم تكن وطنية ساخطة فحسب بل كانت وطنية معقدة تشمل كل هذه النواحي

( المنصورة)

اشترك في نشرتنا البريدية