الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الثقافة"

قانون الرحالة

Share

منذ نحو ألف عام نبع في بيت المقدس عالم جليل اسمه أبو عبد الله محمد بن أحمد المقدسي ، نظر فرأى أن العلماء قد سبقوه فى اختراع العلوم وترتيبها ، ثم خلف من بعدهم خلف شرحوا ما دونوا ، واختصروا ماطولوا ، فمر عليه ألا يتكر كا ابتكروا ، وألا ينفرد بشيء كما انفردوا ، وعلى أن يكون صدى لغيره ، يجمع ما فرقوا ، أو يفرق ما جمعوا ، فأخذ يستعرض جوانب نقصهم حتى يكملها ونواحي أغفلوها حتى يشكرها . قال : فرأيت أن أقصد علما قد أغفلوه ، وأتفرد بفن لم يذكروه ، ذلك أنه رأى المملكة الإسلامية في القرن الرابع الهجرى لم توصف وصفاً كافياً شافياً ، لا من ناحية جغرافيتها ، من مفاوز وبحار، وبحيرات وأنهار ، ومدن وأمصار ، ونبات وحيوان ، ولا من ناحيتها الاجتماعية من اختلاف أهل البلدان في كلامهم وأصواتهم ، وألسنتهم وألوانهم ، ومذاهبهم ، ومكاييلهم وموازينهم، وتقودهم وصروفهم ، وصفة طعامهم وشرابهم ، ومعرفة مفاخرهم وعيوبهم ، ومعادن السعة والخصب ، ومواضع الضيق والجدب ) .

ورأي - كما قال - أن ذلك علم لابد منه للتاجر والمسافر ، والملوك والكبراء ، والقضاة والفقها ،

النبي نعم قد اتجه بعض العلماء قبله إلي هذا الباب ، ولكنه رأي انهم قصروا وما انصفوا ، فيهم من نقل في كتبه ما جمع من الهواء الناس والك ، ومنهم من اقتصر على المصور الجغرافي وشرحه ، ومنهم من اقتصر على ذكر المدن المشهورة .

وعلي كل حال فقد استعرض كل ما ألف قبله في هذا العلم فلم يرفضه .

فانتدب مؤلفنا نفسه لهذه المهمة ، واكمال هذا النقص ، وإحراز قصب السبق ، ورسم لنفسه خطة محكمة اتم إحكام ، دقيقة كل رقة ، حتى ليصح - بحق - ان تعد قانون الرحالة فهو يقول : " إني است هذا الكتاب على قواعد محكمة وأسندته بدعا ثم قوية " ولكن ما هي هذه القواعد المحكمة التي وضعها ؟

فأول كل شيء قرر أن يرحل إلى الأقطار الإسلامية ويشاهدها بنفسه ففعل، فاذا دخل بلدة درسها أتم درس ، وعلى حد تسيره ذاق هواءها، ووزن مامها » ، ولق ،علامها، وخدم ملوكها ، وجالس القضاء والفقهاء .. واختلف إلى الأدباء والقراء، وخالط الزهاد والمتصوفين وحضر مجالس القصاصين، وتاجر فيها ، وعاشر أهلها ومسح إقليمها ، ودار على تخومها ، وفئنن عن مذاهب سكانها ، ودقق النظر فى السنتهم وألوانهم .

وفي الحق أن الرجل كان في عمله المثل الأعلى للرحالة ، فقد عمل كل ما يمكن عمله الدراسة البلاد والوقوف على عاداتها وأحوالها ولا أدل على ذلك من أن أتركه يتكلم إلى القراء عما عمله في هذا الباب قال :

لالم ترك شيئا مما يلحق الماء " لم أترك شيئا مما يلحق المسافرين إلا وقد أخذت منه نصبا ، فقد نفقهت وناديث ، ونزهدت وتعبدينة ، وفقهت واديست ، وخطبت على المنابر ، وأذنت على المنائر ، وأممت في المساجد ، واختلفت إلي المدارس ،

وتكلمت في المجالس ، وأكلت مع الصوفية العرائس ، ومع الخانقائيين الفرائد ، ومع النواتي العصائد ، وطردت في الليالي من المساجد، وتهت في الصحارى ، وسحت في البراري ، وصدقت في الورع زماناً ، وأكان الحرام عياناً ، و صحبت عباد جبال لبنان، وخالطت حيناً السلطان، وملكت العبيد ، وحملت على رأسى بالزنجبيل، وأشرفت مراراً على الفرق ، وقطع على قوافانا الطرق ، وخدمت القضاة والكبراء ، وخالطت السلاطين والوزراء ، وصاحبت في الطرق الفساق ، وبعت البضائع في الأسواق، وسجنت في الحبوس، وأخذت على أنى جاسوس ، وعاينت حرب الروم ق الشوالى ، وضرب النواقيس فى الليالى ، ونزلت فى عرصة الملوك بين الأجلة، وسكنت بين الجمال في محلة الحاكم وكم تلك العز والرقعة ، ودر في قتل غير مرة ، وليست خلع الملوك وأمروا لي بالصلات، وعريت وافتقرت مرات ور ميت بالبدع ، واتهمت بالعلمع ، واتبعني الأرذلون، وعاندني الحاسدون ، وسعى فى إلى السلاطين ، ودخلك حمامات طيرية والقلاع الفارسية ، ورأيت يوم القوارة وعيد بربارة . ولقد ذهب لى فى هذه الأسفار فوق عشرة آلاف درهم، سوی مادخل على من التقصير في أمور الشريعة ، ولم تبق رخصة مذهب إلا وقد استعملها ، وما سربت في جادة وبيني وبين مدينة عشرة فراسخ إلا فارقت القافلة وانتقلت إليها لأنظرها، وربما اكثريت رجالا يصحبوني ، وجعلت مسيرى في الليل الأرجع إلى رفقائى ، ومثل هذا كثير ، وإنما ذكرت هذا القدر ليعلم الناظر في كتابنا أننا لم نضمه جزافاً ، ولا رتبناه مجازاً. فكم بين من قاسى هذه الأسباب وبين من صنف كتابه في الرفاهية ووضعه على السماع».

هذا برنامجة فيما شاهده . أما ما لم يشاهده قبرنا مجه فيه ان يسال ذوي العقول من الناس ، ومن لم يعرف بالغفلة والالتباس ، وان يسأل عن الشئ الواحد جماعة مختلفة مما اتفقوا عليه اثبته ، وما اختلفوا فيه نبذه ، وما حكوه

ولم يقبله عقله استنده إلي من رواه او قال فيه " زعموا "

وهذا منتهى الصدق والانصاف ، والدقة والتحري . وجامعه فكرة الخرائط » فعملها في كتابه ، بل جاءته فكرة الخرائط الملونة واختيار الألوان المناسبة فقال :

" ورحمنا حدودها وخططها وحررنا طرقها المعروفة بالحمرة ، وجعلنا رمالها الذهبية بالصفرة ، ومحارها الملحة بالخضرة ، وأمهارها المعروفة بالزرقة ، وجبالها المشهورة بالغيرة ، ليقرب الوصف إلي الافهام ، ويقف عليه الخاص والعام "

غير أن هذه الخرائط - مع الأسف - لم تصل إلينا

وقد ساح في جزيرة العرب والعراق والشام ومصر والمغرب ثم في بلاد فارس والسند والهند ، ودون ما شاهد ، حسما وضع من قواعد ، والف في ذلك كتابا سنة ٣٧٥ م سماء " أحسن التقاسم في معرفة الأقاليم " ) ١ (

وقد لخص رأيه في الأقاليم التي زارها في جملة في ثنايا الكتاب فقال : ( أظرف الأقاليم العراق ، وهو أخف على القلب، وأحد لاذهن، وبه تكون النفس أطيب، والخاطر أدق وأوسعها فواكه، وأكثرها علماء وأجلة الشرق (٢) . وأكثرها صوفا وقزا ودخلا على قدره . الديلم(۳). وأجودها ألباناً وأمالا، وأندها أخباراً وأمكنها زعفران الجبال (٤) . وأسفلها قوماً ، وأثرهم أصلا وفصلا خوزستان، وأحلاها تمورا وأوطؤها قوما كرمان، وأكثرها فاتيذا وارزازا ومسكا وكفارا السند. وأكيها قوماً وتجارا ... فارس ، وأشدها حراً وقحطا جزيرة العرب .. وأكثرها بركات وصالحين وزهاداً ومشاهد الشام

واكثرها عبادا وقراء وأموالا ومتجرا وحبوبا مصر وأخوفها سيلا وأحورها خلا وأوسطها قوما أبي ) ١ ( واجفاها . وأكثرها بدنا وأوسعها أرضا ، المغرب ،

وقال في موضع آخر : " لم ار اطمع من أهل مكة ، ولا افقه من أهل يثرب ، ولا اعف من أهل بيت المقدس ، ولا ادب من اهل هراة ، ولا اذهن من اهل الري . ولا اصح موازين من أهل الكوفة ، ولا أحسن من أهل حمض وبخاري ، ولا احسن لحي من الديلم ، ولا اشرب للخمور من أهل بعلبك ومصر ، ولا أعصي من أهل سجتان ودمشق ، ولا أشغب من أهل سمرقند ، ولا أوطا من أهل مصر ، ولا أحسن لسانا من أهل بغداد . فان سأل سائل : أي البلدان اطيب ؟ نظر ، فان كان يطلب الدارين ، قيل له بيت المقدس ، وإن كان يطلب النمة والحيازة والرخص والفواكه ، قيل له كل بلد أجزاك ، وإلا فعليك بخمسة امصار : دمشق ، والبصرة ، والري ، وتخاري وبلخ . ومن اراد التجارة فعليه بعدن او عمان أو مصر " .

وقال في موضع ثالث : " واعلم أن يفسداد كانت جليلة في القديم ، وقد تداعت الآن للخراب ، واختلت وذهب مهاؤها ، ولم استطها ولا الجبت بها ، وإن مدحناها فللمتعارف ، وفسطاط مصر اليوم كبغداد في القديم ، ولا أعلم في الإسلام بلدا أجل منه " الخ .

ولما جاء مصر في رحلته ألجب بالفسطاط ، وقال إنه لم ير في الأمصار أهل منه ، وأعجب بما فيه من كثرة العلماء ، وقال ليس في الاسلام اكبر مجالس من جامعه ) جامع عمرو ( وقد سريته اعلممته وحلول ، وكثرة بقوله وفوا كهه ، واعجبته نعمة أهله بالقرأن ، ودهش من كثرة المراكب في النيل ، ومن كثرة المصلين في المساجد ، ولكنه لم تعجبه كثرة البغيث بها ، وانتقد عدم عناية

المصريين بالنظافة ، وازدحام مساكنهم بالسكان، وكثرة الكلاب فيها، كما انتقد شرب الخمور، وانتشار الفجور، وكثرة السباب

حيث يا أهلها وحدثنا أن أهل الشام بعيبون على أهل مصر ثلاثة : " ان مطرهم الندي ، وعليهرهم الحدي ، وكلامهم رخو مثل النسا .

وأياما كان فقد تخالفه ، ويخالفه المحدثون فيها وصف من مزايا الأقاليم وعيوبها ، ولكن عذره أنه وصف ما شاهد كما وصف أثر هذه المشاهد في نفسه ، وقد يكون اختلاف رأينا عن رأيه اختلاف زمان ، فرماننا قد تغيرت فيه الأوضاع والأوصاف عما كانت في زمنه ، وألف سنة ليست بالقليلة فى تغير الشعوب :

وعلى كل فأهم ما للرجل برنامجه الدقيق الذي وضعه والتزمة ، ولا يزال إلي الآن في نظري هو المثل الأعلي للرحالة ، وقل ان يفوقه فيه الرحالة المحدثون . فمن منهم يفعل ما فعل فيبيع في الأسواق ليعرف الحالة التجارية للبلاد التي رحل إليها ، ويخدم ليعرف حال القصور ، ودخائل البيوت ، ويخالط التجار ويأكل مآكلهم ليتعرف عاداتهم ، ويتشكل - كما قال - بكل الأشكال إلا الكدية ؟ اللهم إن هذا في بابه - لعظيم ؛

اشترك في نشرتنا البريدية